من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
عمر مر يونان
وهذا العمر بالأنبار، على الفرات. وهو عمر حسن كبير، كثير القلايات والرهبان. وعليه سور محكم البناء، فهو كالحصن له. والجامع ملاصقه. ولا يخلو من المتنزهين والمتظرفين. وله ظاهر حسن ومنظر عجيب، سيما في أيام الربيع: لأن صحاريه وسائر أراضيه تكون كالحلل لكثرة طرائف زهره وفنون أنواره. ومن اجتاز بالأنبار من الخلفاء ومن دونهم ينزله مدة مقامه.
وقد وصفته الشعراء وذكرته في أشعارها. وللحسين بن الضحاك، فيه:
آذنك الناقوس بالفجروغرّد الراهب في العمر
واطّردت عيناك في روضةٍتضحك عن حمر وعن صفر
وحنّ مخمورٌ إلى خمرهوجاءت الكأس على قدر
فارغب عن النوم إلى شربهاترغب عن الموت إلى النشر
ولكشاجم، فيه:
أُغد، يا صاحبي، إلى الأنبارتشرب الراح في شباب النهار
واعمر العمر باللذاذة والقصف حث الكؤوس والأوتار
ما ترى الدهر قد أتاك بوجهٍطلقٍ بعد نبوةٍ وازورار
لابساً حلّةً من الزهر كانتقبل محجوبة عن الأبصار
نرجسٌ كالعيون يرقب من يهواه من غير رقبةٍ أو حذار
وإذا ما بدا الشقائق فيهاخاله الناظرون شعلة نار
أو كما نشرت مطارف حمرلأميرٍ في جحفل جرّار
وكأن البنفسج الغضَ فيهاأثر القرص في خدود الجواري
وتراءى الخزامى السمائي فيهاكاليواقيت نظمت في المذاري
وكأن المنثور حلّة وشيٍمثلها ما حوت تخوت التجار
في طرار الربيع حيكت ولكننمّقت وشيها يد الأمطار
أقحوان وسوسنٌ حسن النور وشيحٌ منمنمٌ مع بهار
فاغتنم غفلة الزمان وبادروافترص لذّة الليالي القصار
وكشاجم، أبو الفتح محمود بن الحسين الكاتب، مليح الشعر، رقيق الطبع، حسن الوصف. له كتب كثيرة وتأليفات طريفة. فمن شعره في بعض ما كان يألفه: قوله:
من عذيري من عذاري رشأٍعرّض القلب لأسباب التلف
قمرٌ جال نعيم الحسن فيماء خدّيه على ماء الترف
وله خطّ عذارٍ خطّهرونق العزّ بأقلام الشرف
حكمةٌ في نعمةٍ قد طرزتبطرازٍ لم يجز حدّ الشّنف
جمّشا خديه ثم انعطفاآه ما أحسن ذاك المنعطف
علم الشعر الذي عاجلهأنه جار عليه فوقف
فهو في وقفته معترفٌبالتناهي في التعدي والسّرف
وله في صفة عود:
جاءت بعود كأن نغمتهصوت فتاة تشكو فراق فتى
محفّفٌ حفّت النفوس بهكأنما الزهر حوله نبتا
دارت ملاويه فيه واختلفتمثل اختلاف الكفين شبّكتا
لو حركته وراء منهزمعلى بريدٍ لعاج والتفتا
يا حسن صوتيهما، كأنهماأختان في صنعةٍ تراسلنا
وهو على ذا ينوب إن سكتتعنها، وعنه تنوب إن سكتا
وله في ذلك:
ومسمعةٍ تحنو على مترنمله زجلٌ عالٍ وليس له سحر
إذا ما تأملت الحشى منه خلتهتضمّن شبعاً وهو منخرقٌ صفر
له نغمٌ يفضين من كل سامعإلى حيث لا تفضي بشاربها الخمر
إذا طرقته بالأنامل والتقىعلى جسمه من جسمها النحر والصدر
بكى طرباً فاستضحك اللهو نحوهوفضّت عرى الاسباب واستلب الصبر
وتمنحه اليمنى حساباً مفصّلاًفتحمل فيه الخمس والستّ والعشر
فمتّ صريع السكر أطيب ميتةٍوما الحلم إلا أن يسفهك السكر
ومن مليح شعره:
يقولون: تب، والكأس في كفّ أغيدوصوت المثاني والمثالث عالي
فقلت لهم: لو كنت أضمرت توبةًوأبصرت هذا كلّه لبدا لي
وله يصف معزفة:
معلقة الأوتار صخّابةلها حنينٌ كحنين الغريب
زادت على المزهر طيباً وقدتاهت عن الناي بخلقٍ عجيب
مكسوةٌ أحشاؤها جلدةبيضاء من جلد غزالٍ ربيب
كأنما تسعة أوتارهانصبن أشراكاً لصيد القلوب
وله في مضراب:
يا أيها الصلف المدل بحسنهجد للمحبّ، فأنت أهل الجود
بقبول مضراب حكاك بحسنهحسن التعطّف مخطف مقدود
متشبّه بك حين تخطو لاهياًوتميس بين مجاسد وعقود
لا تشمتنّ بي الحسود بردّهيفديك كلّ حسودةٍ وحسود
لم أهده لك يا مناي وإنماأهديته متقرباً للعود
وله يرثي قدحاً له كان انكسر:
وعندي فجائعٌ للنائباتوليس كفجعتنا بالقدح
وعاء المدام وتاج البنانوخدن السرور ومقصي الترح
يردّ على الشخص تمثالهفلو تتخذه مراةً صلح
يكاد مع الماء إن مسّهلما فيه من شبهه ينسفح
فأفقدنيه على ضنّةٍبه للزمان غريمٌ ملح
كأنّ له ناظراً ينتقيفما يتعمّد غير الملح
فلا تبعدنّ فكم من حشىًعليك كليمٍ وقلبٍ قرح
وله في النيل:
كأن النيل حين أتى بمصرٍوفاض بها وكسرت التراع
وأحدق بالقرى من كلّ وجهٍسماوات كواكبها ضياع
وقال في البطيخ:
وطيّبٍ أهدى لنا طيّباًفدلّنا المهدى على المهدي
يا جاني البطيخ من غرسهجنيت منه ثمر الحمد
لم يأتنا حتى أتتنا بهروائح أغنت عن الندّ
كأنما تكشف منه المدىعن زعفرانٍ ديف في شهد
كأنما في جوفه قهوةٌينقع فيها مندلٌ هندي
وفيما أتينا به من طريف شعره وغريب صفاته، كفاية تفي بالشرط ولا تتجاوز الحد.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع