تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)

ويعرف أيضاً بدير مر ماري السليح

وهذا الدير، على ستة عشر فرسخاً من بغداد، منحدراً في الجانب الشرقي، بينه وبين دجلة ميل ونصف، وبينه وبين دير العاقول بريد.

وهو دير حسن، نزه، عامر. وفيه مائة قلاية لرهبانه والمتبتلين فيه، لكل راهب قلاية. وهم يتبايعون هذه القلالي بينهم من ألف دينار إلى مائتي دينار إلى خمسين ديناراً. وحول كل قلاية بستان، فيه من جميع الثمار والنخل والزيتون. وتباع غلته من مائتي دينار إلى خمسين ديناراً. وعليه سور عظيم يحيط به. وفي وسطه نهر جار.

وعيده الذي يجتمع الناس إليه عيد الصليب.

وقد وصفته الشعراء. ولابن جمهور، فيه:

يا منزل اللهو بدير قنّاقلبي إلى تلك الربى قد حنّا
سقياً لأيامك لما كنانمتار منك لذّة وحسنا
أيام لا أنعم عيشٍ منّاإذا انتشينا وصحونا عدنا
وإن فنى دنٌّ نزلنا دنّاحتى يظنّ أننا جننّا
ومسعدٍ في كل ما أردنايحكي لنا الغصن الرطيب اللّدنا
أحسن خلق الله أدّى لحناوجسّ زير عوده وغنى
بالله، يا قسيس يا ما قنّىمتى رأيت الرشأ الأغنّا
متى رأيت فتنتي يوحناآهٍ إذا ما ماس أو تثنّى
يا منية القلب إذا تمنّىفتكت بالصبّ بك المعنّى
ثم قلبت في الهوى المجنّاعذبته بالحبّ فناً فنّا
وصارت الأرض عليه سجنافما يلاقي الجفن منه جفنا
أفديك لا تهجر صباً مضنىقد كان من غدرك مطمئنا
أسأت إذ أحسنت فيك الظنّاوصار قلبي في يديك رهنا

وقال فيه أيضاً:

وكم وقفةٍ في دير قنّى وقفتهاأُغازل فيه فاتن الطّرف أحورا
وكم فتكةٍ لي فيه لم أنس طيبهاأمتّ بها عرفاً وأحييت منكرا

وهو أبو علي محمد بن الحسين بن جمهور القمي. وكان أبوه من رواة أهل البيت، صلوات الله عليهم، وحاملي الأثر عنهم.

وكان أبو علي ظريفاً، متأدباً، مليح الشعر والكتابة. وقد سافر في طلب العلم، وتطرح في مواطن اللعب، وعاشر أهل الخلاعة، وطرق الحانات والديارات. ثم أقام بالبصرة وحسنت حاله بها، وصارت له نعمة كثيرة.

ومن شعره في جارية كانت في القيان تعرف بزاد مهر جارية المنصورية، وكانت له معها في القيان أحاديث طريفة، ثم تأتى له أن اشتراها، قوله:

ربما استصعب واستبعد أمرٌ وهو داني
يأتي الانسان ما يهواه في صفو الزمان
فيرى المستخذىء الآيس من نيل الأماني
قد حوى ما كان يرجوفي اغتباطٍ وأمان

وقال أيضاً:

كم قد أرتنا صروف الدهر من عجبومن محبّ شديد السقم والوصب
صفا له الدهر حتى نال بغيتهممن تعشّقه في أيسر الطلب

وأخباره معها ومع غيرها من القيان عجيبة.

قالت له زاد مهر هذه مرة، وهي في القيان، وقد دعاها: خذ لي الطالع في شيء قد أضمرته. فأخذ الطابع وزرقها فقال: سألت عن رجل عليل القلب، شديد الكرب، دائم الفكرة، طويل الحيرة، قد أشفى على أمر عظيم في طاعة إنسان عزيز. فضحكت، ثم قالت مسرعة: على بظر أم الكاذب! والله ما سألت إلا عن الثوب المصمت الذي وعدتني به، متى تبعث به إلي. فخجل، وبعث به إليها.

وطرز مرة منديلاً بهذه الأبيات، وأنفذه إليها:

أنا رسولٌ من فتىً عاشقآدمعه في خدّه جاريه
هذا ابن جمهورٍ فجودي لهمنك بما يهواه يا قاسيه
وليست النفس وإن شفّهاحبّك يا مولاته ساليه

فردت المنديل، وقد طرزت في وسطه: أم من يسخر بنا حتى ينيكنا زانيه! وكتب إليها، وقد كانت هجرته: يا سيدة عبدها، والله، إن الذي بلغك باطل، لكنني أعترف به طاعةً لك، وأقول كما قال ربيعة الأسدي:

هبيني امرءاً أذنبت ذنباً جهلتهولم آته عمداً وذو الحلم يجهل
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
عفا الله عما قد مضى لست عائداًوها أنا ذا من سخطكم أتنصل
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

وقد قلت أيضاً:

أملي إن كنت أخطأت رشادي في هواك
فلقد أسهرت عيناًأرقت عند كراك
فاصفحي عني وجوديجعلت نفسي فداك

فوقعت على ظهر الرقعة: ما لك تغم نفسك، وتتنطع في كتب الأشعار؟ وجه إلي بالغلالة، وقد اصطلحنا! وله فيها.

باتت عداك كما أبيتولقي حسودك ما لقيت
يا من شقيت بحبّهصل، لا شقيت كما شقيت
لا خنت عدك ما حييتولا قطعت ولا نسيت
كن كيف شئت فإننيأرعى ودادك ما بقيت

وقال لها يوماً: يا قحبة! قالت له: يا ابن القحبتين! فقال لها: ويلك أقول لك يا قحبة، فتقولين لي يا ابن القحبتين؟ فقالت: نعم! أنا شموس، أرد بالزوج! وكنا نحضر مجلسه بالبصرة، فيملي أخبار أهل البيت، ﵈. فإذا فرغ من الاملاء، ابتدأ جواريه فقرأن بألحان ثم قلن القصائد الزهديات. فإذا فرغن من ذلك، انصرف من انصرف واحتبس عنده من يأنس به، وعمل الغناء والشرب.

قال: وكان عبدون بن مخلد، أخو صاعد بن مخلد، عند وفاة أخيه وإطلاقه من الحبس، صابر إلى دير قنى، فأقام فيه وتعبد.

وكان عبدون هذا، ناقص الصنعة شديد التخلف. وبلغ مع ذلك مبلغاً عظيماً في أيام أخيه.

قال: فأهدت ريق المغنية إلى عبدون فاكهة مبكرة، فيها تين ورمان وغيرهما. فقال لكاتبه: اكتب إليها جواب رقعتها بشعر. فحلف أنه ما قال شعراً قط! فغضب عبدون غضباً شديداً، وقال: أنت بين يدي منذ سنين لا تحسن القصائد السبع؟ يا حمار، أكتب إليها:

قد أتتنا هديّتانكفي يوم مهرجانك
وأكلنا من رمّانكلأنك جانجانتنا ونحن جانجانك

وكان صاعد، من رجالات الناس حزماً وضبطاً وكفاية وكرماً ونبلاً. وكان كثير الصدقات والصلوات ليلاً ونهاراً. وكان في أيام وزارته للموفق، يركب إلى دار الموفق، فيقيم بحضرته أربع ساعات ثم ينصرف إلى منزله، فينظر في حوائج الناس وأمور الحاضر والغائب إلى الظهر، ثم يتغدى وينام، ثم يجلس بالعشي فينظر في الأعمال السلطانية إلى عشاء الآخرة، لا يبرح أو يحصل جميع الأموال ما حمل منا وما أنفق وما بقي. ويعمل له بذلك عملاً في كل يوم ويعرض عليه، وما يخفى عنه شيء مما يجري في الأعمال كل يوم. ثم يأمر في أمر ضياعه وأسبابه، ويتقدم إلى وكلائه وخاصته بما يحتاج إليه. ثم يتشاغل بعد ذلك مع نديم يتشاغل بحديثه ويأنس به. ثم ينام، ويقوم في آخر الليل فلا يزال يصلي إلى طلوع الفجر، ثم يأذن للناس فيسلمون عليه، ثم يركب إلى دار الموفق.

قال: ولما انصرف صاعد من فارس، شكا إليه الموفق أمر عمرو بن الليث وقلة الأموال وما يحتاج إليه لانهاض العسكر. والتمس منه احتيال مال يخرج به راشداً إلى الصفار. فقال والله ما لي حيلة أكثر من حظر النفقات ومنع المرتزقين. فقال الموفق: أين يقع ذلك مما أحتاج؟ والذي أريد أن تأخذ من التجار قرضاً وتوظف عليهم وعليك وعلى الكتاب والعمال مالاً نستعين به على إخراج راشد. فإذا اتسعنا رددناه عليهم. فاستوحش صاعد من ذلك وأراد إعمال الحيلة في التباعد عنه. فقال: أما بواسط، فلا يتهيأ لي. ولكن إن أذن لي الأمير في المصير إلى مدينة السلام، رجوت أن أحتال على ما يريد. فقال: إعزم على ذلك. وكتب إلى أبي العباس ابنه بالقبض على ما لصاعد بسر من رأى وبغداد وجميع أسبابه.

قال إسحق بن إبراهيم الكاتب: فرأيت صاعداً في اليوم الذي قبض عليه فيه متثاقلاً عن المصير إلى الموفق. فلم أزل به إلى أن قعد في الطيار وهو على غاية الكراهة، ووصل إلى حضرة الموفق، وقد واقف الموفق راشداً أن يسير إلى دار صاعد عند حصوله بين يديه، فيقبض على ما فيها وعلى ابنه وأسبابه. فلما رأى صاعد عند مسيره الجيش على الجسر، قال: ما هذا، أعز الله الأمير؟ قال: استأذنني راشد في عرض رجاله الذين يخرجون معه إلى فارس، وقد مضى لعرضهم. قال فأقوم وأمضي نحوهم واحضر عرض الجمال معه. قال: إفعل. فوثب صاعد ليمضي، فعدل به إلى الحجرة التي أعدت له، ووكل به، وقبض على ما كان له بواسط، وعلى عبدون أخيه وجميع أموالهما في يوم واحد. وحصل مما قبض عنه وعن أخيه وابنه من الضياع ما مقدار ارتفاعه ألف ألف دينار. ووجد لهم من المتاع والكسوة والطيب والجوهر والفرش والآلات ما لا قيمة له كثرةً، ونحو أربعة آلاف رأس من الدواب والبغال، وأربعة آلاف غلام بين فحل وخادم. ولم يوجد له ما ظهر من المال إلا نحو مائتي ألف دينار. ثم وضع يده في كشف أموالهم وودائعهم ومصادارت أسبابهم، فكان ذلك أمراً عظيماً.

ولم يزل محبوساً إلى سنة خمس وتسعين ومائتين، ثم نقل إلى دار ابن طاهر، فمات هناك من خلفة أصابته. فدفن بإزاء الدار المعروفة به.

ومات أخوه عبدون، وهو مترهب بدير قنى، في سنة عشر وثلثمائة.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الديارات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.