من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
عمر كسكر
وهو أسفل من واسط، في الجانب الشرقي منها، بالقرية المعروفة ببرجوني. وفيه كرسي المطران. وهو عمر كبير عظيم حسن البناء محكم الصنعة. حوله قلايات كثيرة، كل قلاية منها لراهب، وسبيلها سبيل القلايات التي بدير قنى. ويحيط بالموضع بساتين كثيرة فيها الشجر والنخل وسائر الثمار. فكل ذي ظرف يطرقه وكل ذي شجن يسلى به.
ولمحمد بن حازم فيه، وكان قصده أيام مقام الحسن بن سهل بواسط، ومدح الحسن بن سهل، وله معه حديث نذكره بعقب الشعر:
بعمر كسكر طاب اللهو والطربواليادكارات والأدوار والنخب
وفتيةٍ بذلوا للكأس أنفسهموأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب
وأنفقوا في سبيل القصف ما وجدواوانهبوا ما لهم فيها وما اكتسبوا
محافظين إن استنجدتهم دفعواوأسخياء إن استوهبتهم وهبوا
نادمت منهم كراماً سادة نجباًمهذّبين نمتهم سادةٌ نجب
فلم نزل في رياض العمر نعمرهاقصفاً وتغمرنا اللذات والطرب
والزهر يضحك والأنواء باكيةٌوالناي يسعد والأوتار تصطخب
والكأس في فلك اللذات دائرةٌتجري ونحن لها في دورها قطب
والدهر قد طرفت عنّا نواظرهفما تروعنا الأحداث والنّوب
وكان محمد بن حازم، أحد الشعراء المطبوعين، يجيد كل فن يركبه ويأتي بالمعاني التي تستغلق على غيره. وكان أكثر شعره في القناعة ومدح التصون وذم الحرص والطمع.
وذكر محمد بن حازم هذا، قال: عرضت لي حاجة في عسكر الحسن بن سهل، فأتيته وقد كنت قلت في السفينة شعراً. فدخلت إلى محمد بن سعيد بن سالم الباهلي، فانتسبت له فعرفني وأنزلني وأكرم مثواي. ثم قال لي: ما قلت في الأمير؟ قلت: لم أقل بعد شيئاً. فقال رجل كان معي في السفينة: بلى، قد قال أبياتاً. فسألني أن أنشده إياها، فأنشدته:
وقالوا لي مدحت فتى كريماًفقلت: وكيف لي بفتىً كريم
بلوت الناس مذ خمسين عاماًوحسبك بالمجرّب من عليم
فما أحدٌ يعدّ ليوم خيرٍولا أحدٌ يعود على حميم
ويعجبني الفتى وأظن خيراًفأكشف منه عن رجل لئيم
تقيل بعضهم بعضاً فأضحوابني أبوين قدّاً من أديم
فطاف الناس بالحسن بن سهلطوافهم بزمزم والحطيم
وقالوا سيدٌ يعطي جزيلاًويكشف كربة الرجل الكظيم
فقلت مضى بذمّ القوم شعريوقد يؤتى البرىّ من السقيم
وما خبرٌ ترجّمه ظنونٌبأشفى من معاينة الحليم
فإن يك ما تنشر عنه حقاًرجعت بأهبة الرجل المقيم
وإن يك غير ذاك حمدت ربيوزال الشك عن رجل حليم
وليس المال يعطفني عليهولكن الكريم أخو الكريم
فلما أنشدته الشعر: قال: بمثل هذا تلقى الأمير؟ والله لو كان نظيرك لما جاز لك أن تخاطبه بهذا. قلت: صدقت، ولذلك قلت أني لم أمدحه. ولكني سأمدحه مدحةً تشبهه. قال: إفعل! ودخل إلى الحسن، فأخبره الخبر، وأنشده الشعر وعجبه من جودة البيت الأخير. فأمر بإدخالي عليه لغير مدح. فأدخلت. فأمرني أن أنشده الشعر، فاستعفيته: فلم يعفني، وقال: قد قنعت بهذا العذر، إذ لم تدخلني في جملة من ذممت! ومع هذا، فعلينا حسن مكافأتك. فأنشدته، فضحك وقال: ويحك! مالك وللناس تعمهم بالهجاء؟ حسبك الآن من هذا النمط وأبق عليهم. فقلت: قد وهبتهم للأمير! قال: قد قبلت، وأنا أطالبك بالوفاء مطالبة من أهديت له هدية فقبلها. ثم وصلني فأجزل. فقلت فيه، وأنشدته:
وهبت القوم للحسن بن سهلٍفعوّضني الجزيل من الثواب
وقال: دع الهجاء وقل جميلاًفإن القصد أقرب للصواب
فقلت له: برئت إليك منهمفليتهم بمنقطع التراب
ولولا نعمة الحسن بن سهلٍعليّ لسمتهم سوء العذاب
أكيدهم مكايدة الأعاديواختلهم مخاتلة الذئاب
وما مسخوا كلاباً غير أنيرأيت القوم أشباه الكلاب
فضحك ثم قال: ويلك! الساعة ابتدأت بهجائهم ما أفلتوا منك بعد. فقلت: هذه بقية طفحت على قلبي، وأنا كاف عنهم ما أبقى الله الأمير.
قال: وكان محمد بن حازم قد نسك وترك شرب النبيذ. فدخل يوماً على إبراهيم بن شكلة، فحادثه وأكل معه، وجلس إبراهيم للشرب، وسأله أن يشرب معه، فامتنع، وقال:
أبعد خمسين أصبووالشيب للجهل حرب
سنٌّ وشيبٌ وجهلٌأمرٌ، لعمرك، صعب
يا ابن الامام فهلاّأيام عودي رطب
وشيب رأسي قليلٌومنهل الحبّ عذب
وإذ سهامي صيابٌونصل سيفي عضب
وإذ شفاء الغوانيمنّي حديثٌ وقرب
فالآن لما رأى بيالعذّال ما قد أحبّوا
وآنس الرشد منّيقومٌ أُعاب وأصبو
آليت أشرب كأساًما حج لله ركب
وذكر حمدان بن يحيى، قال: آخر ما فارقت عليه محمد بن حازم أنه قال لي: لم يبق علي شيء من اللذات إلا بيع السنانير! قال: فقلت له: أسخن الله عينك! أيش لك في بيع السنانير من اللذة؟ قال: تعجبني العجوز الرعناء تخاصمني، وتقول: هذا سنوري سرق مني، فأقول لها: كذبت، ثم تشتمني وأشتمها وتخاصمني وأخاصمها! قال: وأنشدني:
صل خمرةً بخماروصل خماراً بخمر
وخذ بحظّك منهازاداً إلى حيث تدري
فقلت: إلى أين، ويحك؟ فقال: إلى الهاوية، يا رقيع! ومن مليح شعره، قوله:
أيا ابن سعيد جزت بي غاية البرّوحمّلتني ما لا أطيق من الشكر
وإن امرءاً أعطاك مجهود شكرهوفتّ ولم يبلغ مداك لفي عذر
تقلّب حال للفتى بعد حالةٍوتبقى أيادٍ حرةٌ لفتىً حرّ
ومن جيد شعره، قوله:
وإني لذو ودّ لمن دام ودهوجافٍ لمن رام الجفاء ملول
وإن امرءاً يأوي إلى دار ذلةٍتعبّده فيها الرجاء ذليل
وفي اليأس من ذلّ المطامع راحةٌوفي الناس ممن لا تحبّ بديل
وقال في القناعة:
الله أحمد شاكراًفبلاؤه حسنٌ جميل
أصبحت مستوراً معافىبين أنعمه أجول
خلواً من الأحزان خفّالظهر يقنعني القليل
لم يشقني طمعٌ ولاحرصٌ ولا أملٌ طويل
سيّان عندي ذو الغنى المتلاف والرجل البخيل
ونفيت باليأس المنىعني فطاب لي المقيل
والناس كلّهم لمنخفّت مؤونته خليل
قال محمد بن حازم: بعث إلي بعض الطاهرية، وكنت قد بالغت في هجوه وأفرطت، بألف درهم وتخت ثياب، وقال: أما ما قد مضى، فلا سبيل إلى رده، ولكني أحب ألا تزيد عليه شيئاً. فرددت الدراهم والثياب، وكتبت إليه:
لا ألبس النعماء من رجلٍألبسته عاراً على الدهر
ثم أمسكت عن هجائه.
قال: وكان سعيد بن مسعود القطربلي صديقاً لي، فسألته حاجة فردني عنها، فانقطعت عنه، فبعث إلي بألف درهم وترضاني، فرددتها، وكتبت إليه:
متسع الصدر رحيبٌ لمايضيق عنه الحوّل القلّب
راجع بالعتبى فاعتبتهوربّما أعتبك المذنب
أجل وفى الدهر على أنهموكّلٌ بالبين مستعتب
سقياً ورعياً لزمان مضىعني وسهم الشامت الأخيب
قد جاءني منك مويل فلمأعرض له والحرّ لا يكذب
أخذي مالاً منك بعد الذيأوليتنيه مركبٌ يصعب
أبيت أن أشرب عند الرضاوالسخط إلا مشرباً يعذب
أعزّني اليأس وأغنى فماأرجو سوى الله ولا أرهب
قارون عندي في الغنى معدمٌوهمّتي ما فوقها مذهب
فأي هاتين تراني بهاأصبو إلى مالك أو أرغب
ومن شعره في القناعة، قوله:
من أعمل اليأس كان اليأس جاعلهمعظّماً أبداً في أعين الناس
ومن رماهم بعين الطامعين رأىذلاًّ وحسّوه مرّ المنع في كاس
اليأس خيرٌ وما للناس من ثمرٍهات امرءاً ذلّ بعد اليأس للناس
وقال في هذا المعنى:
جعلت مطيّة الآمال يأساًفآواني إلى كنفٍ وسيع
فتلك مطية الآمال غفلٌبلا رحلٍ يشدّ ولا نسوع
لعمرك، للقليل أصون وجهيبه في الأوحدين وفي الجميع
أحبّ إلي من طلبي كثيراًتمدّ إليه أعناق الخضوع
فعش بالقوت يوماً بعد يومكمصّ الطفل فيقات الضروع
ولا ترغب إلى أحدٍ بحرصٍرفيع في الأنام ولا وضيع
وقد رحل الشباب وحلّ شيبٌفهل لك في شبابك من رجوع
قال محمد بن حازم: دخلت على المأمون، فلما مثلت بين يديه، قال: كيف بصرك بأيام الناس وأخبار العرب؟ قلت: أنا على الميدان، فليطلق من عناني! قال: أنشد ما بدا لك. فتركت ما أومأ إليه وعملت في صلاح شأني، وقلت: مجلس خلافةٍ ولست آمن نبوة، فأنشدته:
رزقت عقلاً ولم أُرزق مروءتهوما المروءة إلا كثرة المال
إذا أردت مساماةً تقاعد بيعمّا ينوه باسمي رقّة الحال
قال المأمون: الشيخ يشكو رقة الحال، فليدفع إليه ألف درهم، وتبسم. فقلت: ما وراء التبسم إلا خير، فأنشدته:
أنت سماءٌ ويدي أرضهاوالأرض قد تأمل غيث السما
فازرع يداً عندي محمودةًتحصد بها في الناس حسن الثنا
قال: هذا المعنى أقوى من الأول، وأمر لي بألفي درهم، ثم قال: خدعتني! قلت: قد حضرني بيتان في الخديعة، فقال: وما هما؟ فأنشدته:
وإذا الكريم أتيته بخديعةٍفرأيته فيما تروم يسارع
فاعلم بأنك لم تخادع جاهلاًإن الكريم بفعله يتخادع
فقال: هما والله أحسن من الأول. وأمر لي بمثل ما أمر به. وسألني أن أنشده، فأنشدته:
لا ترهقنّك ضجرةٌ من سائلٍفلخير دهرك أن ترى مسؤولا
لا تجبهنّ بالمنع وجه مؤمّلفبقاء عزّك أن ترى مأمولا
واعلم بأنك عن قليل صائرٌخبراً، فكن خبراً يروق جميلا
يلقى الكريم فيستدل ببشرهوترى العبوس على اللئيم دليلا
فقال: لله درك، ما أحسن معانيك! يا غلام، صك له بمثل ما أعطيناه.
وله من هذا الفن وغيره كل شيء حسن.
ولولا خروج الكتاب عن حده المرسوم وخوف الاطالة، لأوردت من غرر شعره ومحاسنه ما يلتذ به سامعه. وفي ما أوردنا كفاية.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع