من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
ديارات مصر التي تقصد للشرب فيها والتنزه بها فمنها: دير القصير
دير القصير
وهذا الدير في أعلى الجبل، على سطح قلته. وهو دير حسن البناء، محكم الصنعة، نزه البقعة. فيه رهبان مقيمون به. وله بئر منقورة في الحجر يستقى الماء له منها. وفي هيكله صورة مريم في حجرها صورة المسيح ﵇. والناس يقصدون الموضع للنظر إلى هذه الصورة. وفي أعلاه غرفة بناها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، لها أربع طاقات إلى أربع جهات. وكان كثير الغشيان لهذا الدير. معجباً بالصورة التي فيه، يشرب على النظر إليها. وفي الطريق إلى هذا الدير من جهة مصر صعوبة. فأما من قبليه فسهل الصعود والنزول. وإلى جانبه صومعة لا تخلو من حبيس يكون فيها. وهو مطل على القرية المعروفة بشهران وعلى الصحراء والبحر. وهذه القرية المذكورة، قرية كبيرة عامرة على شاطىء البحر، ويذكرون أن موسى، صلى الله عليه، ولد فيها، ومنها ألقته أمه إلى البحر في التابوت.
فدير القصير هذا، أحد الديارات المقصودة لحسن موقعه وإشرافه على مصر وأعمالها. وقد قال فيه شعراء مصر وذكروا طيبه ونزهته.
ولأبي هريرة ابن أبي العصام، فيه:
كم لي بدير القصير من قصفمع كل ذي صبوةٍ وذي ظرف
لهوت فيه بشادنٍ غنجتقصر عنه بدائع الوصف
وقال فيه أيضاً:
أذكرتني يا دير من قد مضىمن أهل ودّي ومصافاتي
كم كان لي فيك وفيهم معاًمن طيب أيام وليلات
أشكو إلى الله مصابي بهموفقدنا أهل المروءات
ولمحمد بن عاصم، في هذا الدير:
إن دير القصير هاج ادكاريلهو أيامي الحسان القصار
وزماناً مضى حميداً سريعاًوشباباً مثل الرداء المعار
عرفتني ربوعه بعد نكرٍفعرفت الرّبوع بالانكار
فلو أن الديار تشكو اشتياقاًلشكت جفوتي وبعد مزاري
ولكادت نحوي تسير لما قدكنت فيها سيّرت من أشعاري
فكأني إذ زرته بعد هجرٍلم يكن من منازلي ودياري
إذ صعودي على الجياد إليهوانحداري في المعنقات الجواري
بصقورٍ إلى الدماء صوادٍوكلابٍ على الوحوش ضواري
منزلاً لست محصياً ما لقلبيولنفسي فيه من الأوطار
منزلاً من علوّه كسماءوالمصابيح حوله كالدراري
وكأن الرهبان في الشعر الأسودسود الغربان في الأوكار
غربه ذو البحار والأنهارفي ثيابٍ من سندسٍ ذي اخضرار
غردت بيننا الطيور فطارتبفؤاد المتيّم المستطار
كم خلعت العذار فيه ولم أرع مشيباً بمفرقي وعذاري
كم شربنا على التصاوير فيهبصغارٍ محثوثةٍ وكبار
صورةٌ من مصورٍ فيه ظلّتفتنةً للقلوب والأبصار
أطربتنا بغير شدوٍ فأغنتعن سماع العيدان والمزمار
يفتر الجسم حين ترميه حسناًبفنونٍ من طرفها السحّار
وإشاراتها إلى من رآهابخضوع وذلةٍ وانكسار
لا وحسن العينين والشفة اللمياء منها وخدها الجلّناري
لا تخلّفت عن مزاري لديرهي فيه ولو نأى بي مزاري
فاقصرا عن ملامي اليوم إنيغير ذي سلوةٍ ولا اقصار
فسقى الله أرض حلوان فالنخل فدير القصير صوب القطار
كم تنبّهت من لذاذة نوميبنعير الرهبان في الأسحار
والنواقيس صائحاتٌ تناديحيّ يا نائماً على الابتكار
قبل أن يبلي الجديد الجديدان بليل معاقب لنهار
إنما هذه الحياة عوارٍوعلى المستعير ردّ المعار
ولابن الزنبقي المصري، في دير القصير، من شعر طويل:
يا حسرةً في القلب ما أقتلهاكأنها في القلب أطراف الأسل
كم كم وكم من ليلةٍ أحييتهايا صاحبي بالدير في خير محل
دير القصير الفرد في صفاتهيا من رأى الجنّة في رأس جبل
أشربها راحاً شمولاً قرقفاًتدبّ في الجسم صباحي والأصل
يديرها ذو غنج بظرفهيحيي من شاء، ومن شاء قتل
كأنه غصنٌ من البان وقدزاد عليه بالقوام المعتدل
ألثغ، حتف النفس في لثغتهتاه بها على الورى تيه مدل
إن قال نارٌ قال ناغٌ أو يقلنورٌ يقل نوغٌ بدلّ وغزل
وضرب الناقوس فيه راهبٌضرباً على ريثٍ وضرباً بعجل
فاحثث كؤوس الراح يا ساقيناواغتنم الدهر فللدهر دول
من قبل أن يطرقنا بينٌ فلاينفع عند البين ليتٌ ولعل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع