من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير مر حنا
وهذا الدير، على شاطىء بركة الحبش، قريب من البحر، وإلى جانبه بساتين أنشأ بعضها الأمير تميم أخو أمير المؤمنين العزيز بالله ﵉. ومجلس على عمد حسن البناء مليح الصنعة مصور، أنشأه الأمير تميم أيضاً.
وبقرب هذا الدير، بئر تعرف ببئر نجاتي، عليها جميزة، تجتمع الناس إليها ويشربون عندها.
فهذا الموضع، من مواضع اللعب ومواطن اللهو والطرب، نزه في أيام النيل وزيادته وامتلاء البركة، حسن المنظر، نزه البقاع، وكذلك في أيام الزرع والنوار. ولا يكاد يخلو من المتطرحين والمتنزهين. وقد ذكرت الشعراء حسنه وطيبه.
ولابن عاصم، فيه:
يا طيب أيام سفحت مع الصبىطوع الهوى فيها بسفح المنظر
فالبركة الغناء فالدير الذيقد هاج فرط صبابتي وتفكّري
فاحثث كؤوسك يا غلام وأعفنيفلقد سكرت وخمر طرفك مسكري
وأرى الثريّا في السماء كأنهاتاجٌ تفصّل جانباه بجوهر
فاشرب على حسن الرياض وغنّني:أُنظر إلى الساقي الأغنّ الأحور
فلعلّ أيام الحياة قليلةٌولعلّني قدّرت ما لم يقدر
وقال أيضاً:
عرّج بجمّيزة العرجا مطيّاتيبسفح حلوان والمم بالتويتات
والمم بقصر ابن بسطام فربّتماسعدت فيه بأيامي وليلاتي
واقرأ على دير مر حنّا السلام فقدأبدى تذكّره مني صباباتي
وبركة الحبش اللاتي ببهجتهاأدركت ما شئت من لهوي ولذّاتي
كأن أجبالها من حولها سحبٌتقشّعت بعد قطرٍ عن سماوات
كأن أذناب ما قد كان صيد لنامن أبرميس وراي بالشبيكات
أسنّةٌ خضبت أطرافها بدم،أو دستج نزعوه من جراحات
منازلاً كنت أغشاها وأطرقها،وكنّ قدماً مواخيري وحاناتي
وقال أيضاً:
أأيامي بشاطي البركتينسقاك الله نوء المرزمين
لقد أذكرتني طربي ولهويووكّلت الفؤاد بلوعتين
ترى أيامنا فيك المواضييعود وصالها من بعد بين
سقى الله البقاع ملثّ قطرٍوأعطش منزلاً بالجلهتين
وطلّ الطيلسان بصوب طلٍإلى النخلات فالجمّيزتين
ودار على المدار وهام مزنٍتسير إلى جنان السروتين
وخصّ الربوتين فكم غزالٍربيب بين تلك الربوتين
منازل قد شهدنا اللهو فيهابأكرم معهدين ومألفين
فكم من بيعة عقدت لقصفٍوعزف في رياض البقعتين
وكم من مدنفٍ قد حاز وصلاًونال مناه وسط المنيتين
وللعباس بن البصري، من قصيدة:
يا حامل الكأس أدرها واسقنيقد ذعر الشوق فؤادي فانذعر
أما ترى البركة ما أحسنهاإذا تداعى الطير فيها فصفر
أما ترى نوّارها أما ترىحسن مسيل مائها إذا انحدر
كأنما صفر الدنانير بهامبذولةٌ ليس بها من متّجر
كأنما الجوهر في ألوانهنثّر في تلك النواحي فانتثر
كأنما كفّ جوادٍ ولعتفي ذلك الروض بتبديد البدر
وأبيض النرجس في أجفانهدمع الندى لولا التشاجي لقطر
ونظرة الورد إلى أترابهنظرة معشوقٍ بلحظ منكسر
دعني فما أهلك إلا بالجوىما عيشة العاشق إلا في كدر
ولصالح بن موسى مولى تميم، يذكر البركة:
وحسبك البركة مرأىً لا يمل
تبذل وشياً لم يكن بمبتذل
متصل الأطراف غير منفصل
من شاطىء النيل إلى سفح الجبل
أكرم بتلك منزلاً لمن نزل
قد نشطت أطياره بعد الكسل
وسجعت ورجعت على مهل
بين الثقيل والخفيف والرمل
كأنهن في مراءٍ وجدل
ينحن لا للحزن لكن للجذل
يذكرننا أيامنا الغرّ الأول
وقال أيضا، يذكر الدير والبركة:
إني لمثلك ناصحٌفاجنح إلي ولا تغر
بكّر إلى دير المعافر، آن أوقات البكر
أو ما ترى حسن الرياض وما اكتسين من الزهر
وجه الربيع، وحبّذاوجه الربيع إذا ظهر
الوشي ينشر، والملاحف والمطارف، والحبر
هذا البنفسج في الحداد بغير حزنٍ قد ظهر
وأتى البهار بصفرةٍفلكلّ حسن قد بهر
وكأن آذريونهكاسات خمرٍ تبتدر
وكأنما المنثور عقدٌ في جوانبه انتشر
والأقحوان فضاحكٌعن عسجدٍ فيه درر
وشقائق النّعمان كالأعلام ثمّ لمن نظر
وتورّد الورد الذكيّوفاح مسكاً في السحر
وتجاوبت طير الغصون بكلّ لحنٍ مشتهر
فمغرّدٌ حسن الغناء شدا وآخر قد زمر
وتسرّقت أنفاسنابنسيم أنفاس السحر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع