من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير نهيا
ونهيا بالجيزة. وديرها من أحسن الديارات وأنزهها وأطيبها، عامر برهبانه وسكانه. وله في النيل منظر عجيب، لأن الماء يحيط به من جميع جهاته. فإذا انصرف الماء وزرع، أظهرت أراضيه غرائب النوار وأصناف الزهر. فهو من المتنزهات الموصوفة والبقاع المشهورة. وله خليج يجتمع إليه سائر الطيور، فهو أيضاً متصيد حسن. وقد وصفته الشعراء وذكرت حسنه وطيب موضعه.
ولعباس بن البصري، فيه:
يا من إذا سكر النديم بكأسهغريت لواحظه بسكر الفيّق
طلع الصباح فسقّني تلك التيظلمت فشبّه لونها بالزنبق
والق الصباح بنور وجهك إنهلا يلتقي الفرحان حتى يلتقي
قلبي الذي لم يبق فيه هواكمإلا بقية نار شوقٍ قد بقي
أواما ترى وجه الربيع وقد زهتأنواره بنهاره المتألق
وتجاوبت أطياره وتبسّمتأشجاره عن ثغر زهرٍ مونق
لم يغذها طلّ الرذاذ ببردهحتى تفتّح كل جفنٍ مطبق
والبدر في وسط السماء كأنهوجهٌ مليحٌ في قناع أزرق
يا للديارات الملاح وما بهامن طيب يوم مرّ لي بتشوّق
أيام كنت وكان لي شغلٌ بهاوأسير شوق صبابتي لم يطلق
يا دير نهيا، ما ذكرتك ساعةًإلا تذكرت الشباب بمفرقي
والدهر غضٌّ والزمان مساعدٌومقامنا ومبيتنا بالجوسق
يا دير نهيا إن ذكرت فإننيأسعى إليك مدى الخيول السبّق
وإذا سئلت عن الطيور وصيدهاوجنوسها فاصدق وإن لم تصدق
فالغرّ، فالكروان، فالفارور إذيشجيك في طيرانه المتحلّق
أشهدت حرب الطير في غيطانهلما تجوّق منه كلّ مجوّق
والزمّج الغضبان في رهط لهينحطّ بين مرعّدٍ ومبرق
ورأيت للبازي سطوة موسرولغيره ذلّ الفقير المملق
كم قد صبوت بغرّتي في شرّتيوقطعت أوقاتي برمي البندق
وخلعت في طلب المجون حبائليحتى نسبت إلى فعال الأخرق
ومهاجرٍ ومكابر ومنافرٍقلق الفؤاد به وإن لم يقلق
لو عاين التفاح حمرة خدّهلصبا إلى ديباج ذاك الرونق
يا حامل السيف الغداة وطرفهأمضى من السيف الحسام المطلق
إرفق بعبدك لا تطل أشجانهوإرفق به يا صاحب الثغر النقي
وقال أيضاً:
أتنشط للشّرب يا سيديفيومك هذا دقيق الدّروز
فعندي لك اليوم مشوّيتانسرقتهما من دجاج العجوز
وخمسون بيضةً مثل النجومخبتهنّ مني في جوف كوز
فغافلتها وتناولتهنّولم تنتفع بالمكان الحريز
أتنشط عندي على نبقتينعلى لوزتين على قطرميز
ونقصد نهيا وديراً لهابه مطرح الورد والمرنجوز
ونشرب فيها برطلٍ وجاموكبرّةٍ وانخابٍ بكوز
فأما الطيور لفرط السرورفبين الرياض وبين الغروز
فهذا يصيح على الحادثات:تنحّي، وهذا بنا: لا تجوزي
وخشف أتانا رخيم الدلالنشا في النعيم ولبس الخزوز
يحب الندامى وأشعارهمويخبى ودائعهم في الكنوز
ويظفر مني بشيخ مليحظريفٍ أديبٍ ضحوكٍ طنوز
فزرني تجدني وفي المقالوإلا أفي، فاكسع اليوم طيزي!
وكان ابن البصري هذا من الخلعاء المجان. وله شعر يجري مجرى الهزل والطيب. وخدم أبا القاسم أونوجور بن الاخشيد، فأحسن إليه وكساه وصار يركب معه. وكان يلبس طيلساناً أزرق يتشبه بالقضاة. وكان أونوجور قد حمله على برذون أصفر غليظ بطىء السير، فكان إذا سار مع أقوام من إخوانه، قال لهم: صفوا لي موضعكم حتى ألحق بكم! وكان مليح المجالسة، كثير النادرة. وكان يبيع الصيدلة في مسجد عبد الله بمصر.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع