من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
من باب الأسد والثور
وإنّ من كان دنىء النفسيرضى من الأرفع بالأخسّ
مثل الكلب الشقيّ البائسيفرح بالعظم العتيق اليابس
وان أهل الفضل لا يرضيهمشيء إذا ما كان لا يعنيهم
كالاسد الذى يصيد الأرنباثم [يري] الغير المجدّ هربا
فيرسل الأرنب من أظفارهويتبع العير على إدباره
والكلب من رقته ترضيهبلقمة تقذفها في فيه
ومن يعش ما عاش غير خاملله سرور دائم ونائل
فهو وان كان قصير العمرأطول عمرا من حليف فقر
ومن يعش في وحشة وضيقوقلة المعروف في الصديق
فهو وإن عمّر طول دهرهليس بمغبوط بطول عمره
وقيل أيضا إنه قد ينبغىللرجل الفاضل فيما يبتغي
أن لا يرى إلا مع الأملاكأو يعبد الله مع النساك
كالفيل لا يصلح الا مركبالملك أو راعيا مسيبا
قال له السبع لقد سمعتوكلّ ما تقول قد فهمت
لكنني لست أظنّ ما تظنبالثور من غش بلى ظنّي حسن
قال له دمنة: من ثم أتيوهذه من حاله هي التي
رفعته حتى تعدّى طورهوكان هذا لك منه شكره
وتلك أخلاق اللئيم الفاجرالكافر المغرور غير الشاكر
ما إن يزال ناصحا نفاعاحتى يرى من حاله ارتفاعا
فعندها يسمو الي ما فوقهاإلى التى لا تستطيع أوقها
وربما كان هلاك الشجرفى حسن الغصن وطيب الثمر
وذنب الطاووس فهو زينهكذاك أحيانا وفيه حينه
وباذل النصح لمن لم يشكرهكطارج فى سبخ ما يبذره
لا خير للعاقل فى ذى المنظرإن هو لم يحمده عند المخبر
وليس فى الصديق ذى الصفاءخير اذا لم يك ذا وفاء
الرجل العاقل من لا يسكرهكأس سموّ واقتدار ينظره
فالجبل الثابت فى أصولهلا تقدر الريح على تحويله
والناقص العقل الذى لا رأى لهيطغي إذا ما نال أدنى منزله
مثل الحشيش أيما ريح جرتمالت به فأقبلت وأدبرت
الأهل والإخوان والأعوانعند ذوى الأموال حيث كانوا
والمال هادى الرأي والمروّهوهو على كل الأمور قوّه
والمال فيه العز والجمالوالذلّ حيث لا يكون المال
وربما دعا الفقير فقرهالى التي يحبط فيها أجره
فيخسر الدين كما كان خسردنياه والخسران مالا ينجبر
وليس من شىء يكون مدحالذى الغنى إلا يكون ترحاء
على الفقير ويكون ذماكذاك يدعى وبه يسمّى
فان يكن جدا يقولوا أهوجكذاك عند الحرب لا يعرج
وهو إذا كان جوادا سيداسمّى للفقر مضيعا مفسدا
أو يك ذا حلم يقل ضعيفأويك بسّاما يقل سخيف
الرّجل العاقل فيما يسدىمغتبط لكسبه للحمد
لأنه باع قليلا فانياواعتاض من ذاك كثيرا باقيا
فأغبط الناس الكثير نائلهومدرك النجح لديه سائله
فلا تعدّ ذا غنى غنياحتى يكون ماجدا سريا
واعلم بأنّ الملك المشاوراذا العقل فيما نابه المؤزّرا
فإنه يعضد بالتأييديغنى به عن كثرة الجنود
والتابع الحازم أمرا يحزمهالنصحاء غير أهل التهمه
يزداد حرمة بهم ورشدازيادة البحر اذا ما مدّا
بما يصبّ فيه من أنهارهحتى يهيج الموج من تياره
والموت من مات كريما صابراخير من العيش ذليلا صاغرا
قال أبو بكر: والله ما أدرى لا ما اخترت ولا ما تركت، ولو علمت حقيقة هذه القصيدة ما ضمنت ما تضمنت، لأنها قصص لا يحسن بعضها الا ببعض، والإحسان فيها قليل؛ فقد أضربت عن ذكرها والاختيار منها، وفيما حكيناه مما ذكرناه منها غنى وكفاية
حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنى على بن محمد النوفلى قال: لما عمل أبان كتاب كليلة ودمنة شعرا في قصيدته المزدوجة أعطاه البرامكة على ذلك مالا عظيما، فقيل له بعد ذلك: ألا تعمل شعرا في الزهد؛ فعمل قصيدة مزدوجة
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع