من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أخبار أبان متصلة مع البرامكة أخباره مع الرشيد
قال الصّولي: حدّثنى محمد بن سعيد، قال: حدّثنا عليّ بن محمد النوفليّ
قال: عاتب أبان البرامكة في إعطاء الرشيد الأموال للشعراء وفقره مع ذلك، مع خدمته لهم وموضعه منهم، فقال له الفضل: إن سلكت مذهب مروان أوصلت شعرك، وبلغتك إرادتك. قال: والله ما أستحلّ ذاك! فقال له الفضل:
كلنا يفعل ما لا يحل، ولك بنا وبسائر الناس أسوة، فقال أبان:
نشدت بحقّ الله من كان مسلماأعمّ بما قد قلته العجم والعرب
أعمّ نبيّ الله أقرب زلفةاليه أم ابن العمّ في رتبة النّسب؟
وأيّهما أولي به وبعهدهومن ذاله حقّ التّراث بما وجب؟
فإن كان عباس أحقّ بتلكموكان علىّ بعد ذاك على سبب
فأبناء عباس هم يرثونهكما العم لا بن العم في الإرث قد حجب
وفى حسن إذ قلتم فيه حجّةفقد باعها لا ينكر الناس أو وهب
فإن كان ذا حق فعمدا أضاعهوإن كان ذا دعوى فكفوا عن الشغب
وهبه كما قلتم، وليس كذاكمأما ذادكم عنها المطالب واغتصب؟
فأهملتموها لم تروا حيلة لهاإلي أن أراد الله إتمام ما أحب
فحظّ بنى مروان منها وحظكممع الغيظ والحرمان والعيلة الحرب
فقام بها من لم يكلها إليكمومن هو أولى بالذي بزّ واستلب
إمام بنى العباس حين سما لهاوبالله فيما رام أدرك ما طلب
فشرّد أهلوه وأودى وصيّهبحبس ابن مروان فسلم واحتسب
فان كانت القربى فهم أهل حقهوهم أهلها إن كان حقّ لمن غلب
ثم جاء بهذه الأبيات الى الفضل، وقال: قد اقترضت فوفّر علىّ الجاري.
فقال: ما بقيت، وما يرد اليوم على أمير المؤمنين شىء أعجب اليه من أبياتك فركب فأنشدها الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم، واتصل به بعد ذلك.
حدّثنى برد بن حارثة الربعى، قال: حدّثنى أبو اسماعيل أبان بن عبد الحميد قال: لما شخص الفضل بن يحيى بن خالد الى الريّ لمحاربة يحيى بن عبد الله بن حسن خرج معه جدي أبان فظفر بيحيى على أمان وكدّه له، وقدم به الى الرشيد، وعمل أبى في الفضل قصيدة مشهورة كان أبان عملها قبل صلح الفضل ليحيى، فلما صالحه ألحق فيها أبياتا، وسلك مسلك أبياته المتقدمة:
أأحزنك الأولى ردّواجمال الحىّ وادّلجوا
نعم فبنات همّ الصدر فى الأحشاء تعتلج
ومنزلة وقفت بهالأدنى عهدها حجج
محتها الريخ يغشى الترب مغناها وينتسج
نعمنا ليلة الأنعام حيث العرج ينعرج
بناعمة كمثل البدر شاب دلالها غنج
تغادينى المعازف عودها والصنج والرنج
بكفّي شادن لم أنسه في طرفه غنج
له نغمات قيناتبها الارواح تختلج
أحبّ من الغناء مليح ما إيقاعه الهزج
وأقلى ضوء برق مثل ما أقلى غنا مزج
وأبغض يوم تنأي والزيّانب كلّها سمج
ويعجبنى لإبراهيموالأوتار تختلج
أمر سلافة صرفاكأن صبيبها ودج
[فظلّ تخاله ملكايصرّفها ويمتزج]
كذاك العيش إذ قلبيرخيّ باله بلج
[لدور أمس بالدولابحيث السّيب ينعرج]
أحبّ الي من دلسجان والاعلاج قد ثلجوا
وهبّت ذات صرّادبلبس الثلج تنتفج
وما قزوين لي وطنظواهرها ولا الولج
بفضل تفرج الغمّياذا ضاقت فتنفرج
بأمر برمكيّ العزّ يعليه به درج
رحيب الصدر إن ضاقتعلى ذي المحنة الفرج
فما في باعه قصرولا في لفظه رتج
أخو هيجا أطال مراسها درب بها لهج
به صدأ الحديد ممازجا مسكا له أرج
وأر عن ذي كتائب بالفضاء غذاءه المهج
يسير به ذو ضغنعليه الصدر منشرج
سما فضل له بالخيلفي أنسائها شنج
فأوهد منه شاهقهوعالت لجّه لجج
كما قد شدّ بالمغرور أتباع له همج
غواة قادهم داعالى غيّ فقد لحجوا
وكم قد رامها منهمأولو حجج فما فلجوا
فما ينهاهم الأوليوذمّهم الذي نتجوا
وما لله سعيهمولا غضبا له خرجوا
وما حجّوا بذلك بلعليهم كانت الحجج
كأنى بالبغال وقدأتت غاياتهم تسج
إلى ملك كضوء الصبح تعشى عنده السرج
له ميراث عبّاسوقرباه التى تشج
قويم الدّين ما في حكمه زيغ ولا عوج
وما عنه لملتمسأراد الحق منعرج
فإن يصفح فعادتهوإن يوقع فلا حرج
أطائف جنّة أهويبيحيى قاده هوج
إلي أن ساقه قسرالموكب حربه رهج
أسيرا في يدي علجعدته بلؤمها علج
جنيب الخوف لا أمنولا عزّ ولا فرج
أتاك به وليّك لميخف نارا لها وهج
فظل تبيع شهوتهكما يستتبع البذج
(البذج الجمل) يقول: يتبع يحيى ما يريد الفضل، كما يتبع البذج أمّه.
قال أبو بكر: ولما ماتت هيلانة جارية الرشيد، وجدبها وجدا شديدا، فرثاها الشعراء فوصلهم، فقال أبان على لسان الرشيد:
أعينى لقد جار الزمان فجوديولا تطلبا لي راحة بجمود
لقد بنت ياهيلان منى فقيدةوربّ قرين بان غير فقيد
سقى الله دهرا كان يجمع بينناويرغم فيه أنف كلّ حسود
تمرّ لنا طير الزّمان سوانحاوانجمه تجري لها بسعود
ففقدك ياهيلان كدّر عيشتىوأخلق من دنياي كلّ جديد
وقال يعزى الرشيد عنها:
يا أمير المؤمنين المرتضىاحمد الله على ما قد قضى
إن تكن هيلان وافت قدرافاسل يعقبك به الله الرّضا
إنما يحزن من ليس لهخلف يسليه عمّا قد مضى
بل أنا الباكى لشيب راعنىوشباب بان منى فانقضى
وقال يرثيها:
بتّ ضجيع الحزن ما أغفيلحادث جلّ عن الوصف
حزنان حزن منهما ظاهروأوجع الحزنين ما أخفى
أنت أهلت التّرب من فوقهامواريا تحت الثّرى إلفي!
لهفى على هيلان لو أنّهيردّ شيئا فائتا لهفى!
وقال يخاطب الرشيد، ويهنئه بما فعل الفضل فى أمر يحيى بن عبد الله بن حسن:
هنيئا أمير المؤمنين لك الظّفرفقد تمّت النّعمى وقد ساعد القدر
رآك إله الناس أولى بملكهفأصغاكه لا منّ فيه ولا كدر
وقد كان يحيى الفاطميّ سمت بهله همة في الصّدر جاش لها وجر
أراد التى تهوي الجبال لكونهاوترجف منها الأرض لو تمّ ما أئتمر
وكان رجا بالطّالقان ذخيرةكنوزا له كانت على الدهر تدّخر
فكان هو الكنز الذي أيّدت بهخلافة هارون الإمام وما شعر
أتاك بيحيى الفضل سلما يقودهمقرا ولولا يمن جدّك ما أقر
لئن كان يوم الفضل فيه مشهّرالأكرم بيوم منه أفنى به الخزر
وقال يرثى هيلانة:
أديل من السرور الحزن لماثوت هيلان في جدث ورمس
وأصبحت البلاد غداة ولّتعليها وحشة من بعد أنس
وقال يمدح الرشيد، ويذكر أمر الفضل وما صنعه فى أمر يحيى:
لتمد برّز الفضل بن يحيى ولم يزليسامي من الغايات ما كان أرفعا
رآه أمير المؤمنين لملكهكفيلا لما أعطى من العهد مقنعا
قضى بالتي سدّت لهارون ملكهوأجيت ليحيى نفسه فتمتّعا
فأمست بنو العبّاس بعد اختلافهاوآل علىّ مثل ربذى ترمّعا
لئن كان من سدّى القريض أجادهلقد صاغ إبراهيم فيه وأوقعا
قال أبو بكر: يعنى أن ابراهيم بن ميمون الموصلى المغنى غنى في هذا الشعر.
وقال يمدح الفضل بن يحيى، ويذكر أمر يحيى بن عبد الله بن حسن:
إن شمل الشيب قناع. البلىمفارقا منى وأصداغا
فقد أرى أشوس ذامرةوحية أربد لدّاغا
يأنس بى الصيّد إذا رمتهفصار إمّا شئت روّاغا
كم عاقل أحظى وكم جاهلأنشغه العلقم انشاغا
وشادن أحور ذي صيغةحسّنها الرّحمن إذ صاغا
يسكن من بغداد في كرخهاحيث رأيت القصر والباغا
زار بقزوين خيال لهيسرى على قصد وماراغا
بات يناغينى فياليتهكان إذا الصبّح بد اناغا
يا ربّ موسى والتى قلتهاأصبح في الأحراز ولّاغا
لا يظفر الواشى بإفساد مابينهم إن دبّ نزّاغا
راموا انتقال الملك عن أسّهفما زجا ذاك ولا ساغا
فأفسدوا صالح دنياهمواحتملوا في الدّين أوزاغا
لمّا رأوا ليثا أبا أشبليولغها في الدم إيلاغا
فلا أبا العبّاس تمّت له النعمة إفضالا وإسباغا
من بعد ما أعذر في نصحهفلم يدع نصحا وإبلاغا
يعدو به عبل سليم الشظىأكمل ألواحا وأرساغا
يحسن بالسّيف قراع العداوينزغ الأرماح إنزاغا
فأووا إلي السّلم جنوحا وقدخاضوا من الفتنة أرداغا
وقال فى الفضل بن يحيى:
بالفضل يحسن لفظ كلّ مقالوبه تسير غرائب الأمثال
وبه تكشّف مظلم الفتن الّتىيمسى العباد بها علي زلزال
حسن الّتى بالفضل ردّ مخوفهاباد لئن كانت بغير قتال
أعطى ابن عبد الله يحيى ذمّةوصل الوفاء حبالها بحبالى
وقال فى ذلك ويخاطب أمير المؤمنين الرشيد:
أطال الله في عزّ ونصربقاءك يا أمير المؤمنينا
إذا ما الحرب شبّ لها ضرامتقلّب فيه أيدي النّا كبينا
فسولّ مهمّها الفضل بن يحيىوقد رجّمت في يحيى الظنونا
مقرا بالّذي قد كان يأتيويفعل حزبه المتشيّعونا
لئن خصتك نعمتها بفضللقد عمت جميع المسلمينا
وقال فى بيعة الرشيد للامين
عقد لخليفة بيعةلمحمد فعلى التمام
لسمىّ مهدىّ الملوك محمد خير الأنام
سيما الخلافة بينفي الوجه منه مع الفطام
نور كواضح غرّة البدر المنوّر في الظّلام
مصداق ما كنا نحدّث فيه من ملك الغمام
لا قصرت عنه ولاوصلت اليه ألف عام
وقال أبو بكر ولما قال أبان للفضل بن يحيى
أنا من بغية الأمير وكنزمن كنوز الأمير ذو أرباح
وروي أن الموصل لها إلى الفضل بن يحيى محمد بن المنصور الذي يعرف بفتى العسكر- وقد ذكرتها لأبان في أول أخباره مع البرامكة- بلغت قصيدته أبا نواس فقال:
إنّ أولى بقلّة الحظّ منىالمسمّى بالبلبل الصياح
قد رأوا منه حين عبّ لديهمأخرس الصوت غير ذي افصاح
لم يكن فيك من صفاتك شىءغير خلق مدحدح دحداح
لحية ثطة وأنف قصبروانثناء عن التّقي والصّلاح
فيك ما يحمل الملوك على الخرق ويسطو بالسيّد الجحجاح
والذي قلت فيك باق صحيحوالذي قلت ذاهب في الرّياح
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع