من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
شعر أبى شاكر عبد الله بن عبد الحميد بن لاحق
وانما أتساهل في اختيار أشعار هؤلاء لأنهم مقلون، فان لحق أشعارهم حقّ الاختيار قلت وذهبت.
قال الصولي: حدثنا محمد بن يزيد المبرّد، قال: كان عثمان بن رشد العميري صالح الأدب مليح الشعر وكان سراة أهل البصرة يدعونه ويعاشرونه، فقال فيهم أبو شاكر عبد الله بن عبد الحميد:
ان عثمان الكدود بن رشدذو ولايات على كلّ أحد
يملك الأكل عليهم قبل أنيأكل الملّاك في كل بلد
قد تولّى خبر الحضرة منقبل الله عليهم والرصد
يسرج الأشهب أعلى سحرثمّ لا يخليه من ركض وكدّ
مرة عند جوين أو أبىحسن أيهما طعما أعدّ
فإذا استصعب إذن ساعةقال يا حارث ذا يوم نكد
عد إلى البيت الذي تعرفهوابتزل إذنك أن كان ركد
خبزنا أطيب من خبزهموكذا الخمرة تطفو بالزّبد
مثل الثعلب والعنقود إذقصرت عنه يداه حين مدّ
قال: مثل الخلّ دعه جانباوهو كالسّكّر طيبا والشهد!
حدّثنى محمد بن الحسن البلعىّ قال: حدّثنى أبو حاتم سهل بن محمد، قال: كان أبو شاكر عبد الله بن عبد الحميد من فتيان البصرة وظرفائهم، وعمّر عمرا طويلا، وكان موسرا لا يعرف إلا الشرب والسماع، فشرب يوما عند قوم من بنى زهرة كان يعاشرهم، فدخل اليهم ابن مسعدة الذّارع في حاجة لأبيه، وكان أحسن من بالبصرة وجها، فأوصل رقعة وأخذ الجواب، وأراد الانصراف، فحلف أبو شاكر أنه إن لم يجلس انصرف، فسألوه ذلك، فقال: أردّ الجواب وأعود اليكم، فمضى ثم رجع فشرب وغنىّ، فقال أبو شاكر:
لهف نفسي على الغزال الغريروعلى وجهه الجميل النضير
وعلى طبعه فداء له أهلى ومالي ومعشري وعشيري
ذاك بدع من خلق ربك لميجعل له في جماله من نظير
أمه الشمس كان ألقحها البدر فجاءت بنور حسن لنور
ما برى الله مثله بشراسبحان خلّاقه العليم القدير
يا خليلي لا صبر لي، عيل صبرى فأبديت ما يجنّ ضميرى
فأشر ما تراه بارك فيك اللهمن قائل لنا ومشير
إن قلبي أمسى أسير أميرليس من رأيه فكاك الاسير
ملك المسعدىّ بالحسن رقيّفأسى بى فمن عليه مجيرى!
جاء في أزرقية يتثنىغصن بان ولحظ خشف غرير
نحو شرب لا فحش فيهم ولكنحلماء ذوو عفاف وخير
أعملوا كأسهم فطابت بما طاب لهم من معتّقات الخمور
ليس يدرون غير ماهات واشربوحديث كاللؤلؤ المنثور
فأتاهم بدور فحيوه بالكأس وفدّوه من صروف الدّهور
فتعالت به الشّمول فغنىأسعدينى بدمعك المنزور
ثم ثنى والقوم قد طربوا منهـ قياما به لفضل السرور
هل عرفت الديار يا ابن أنيسدارس آيها كخطّ الزّبور
ثم نادي يا أرض سيرى فسارتطوع أمر يفوق أمر الأمير
يا خليلى قد كنت تزعم أنىساحر اللفظ صائب التدبير
قد وربّى سحرت من قبل أنأسحر فاعجب لساحر مسحور!
قال أبو بكر: وعلىّ بن مسعدة هذا، يقال إنه أحسن من ولد بالبصرة، كان الناس يقصدونه ليروا وجهه وحسنه إلى أن شاخ، وفيه يقول أبو نواس:
رأيت الهلال بوجه الهلالعلىّ بن مسعدة الذّارع
وأبو شاكر القائل في الزهري يمدحه وجدت هذه القصيدة في كتاب:
ألا يا مجلس الشربعلى نهر أبى بكره
لدى القصر وعند الروض في الغبطة والنضره
وعند الواحد الماجد من خير بنى زهره
كريم الجدّ واري الزند محض طيب العشره
ظللنا عنده في عيش صدق ناضر الزهره
لدينا الراح والريحان في زق وفي ذكره
وعوّاد وطبّالتخيرناه عن خبره
وزمّار ونعّارعليم مطرب النعره
وألوان ملاه لست أحصيها من الكثره
وظبي ذو دلال غنج في طرفه فتره
له من عنبر الهندعلى جبهته طرّه
وقدّ قد حكى الغصنووجه لاح كالزهره
غزال جعل الدّرّله من لفظه سحره
فما يلفظ إلّا سقطت من فمه درّه
يثنى ويغنى قللعبد الله ياعرّه
لقد صيرتنى لمانطقت الشعر بى شهره
فكم من نخرة قد نخر الشّرب ومن نعره
ولّبوه كما لبىحليف الحجّ والعمره
وصرنا فيه صفّينتبارى زمرة زمره
فكنا يمنة نصفونصف جالس يسره
وأمّرنا أميرينوكل جائز الإمره
فناديتهم صبراقليلا تنجلى الغبره
إلى أن خان أصحابيوذاقوا سرعة الفتره
بنفسى أنتم كرّوافإن الفتح فى الكرّه
فكرّوا بعد ما واللههمّ القوم بالفرّه
وما زلت بهم حتىأتانا الله بالنّصره
وحتى جعل اللهعلى أعدائنا الدّبره
أمير القوم قد دبّر أن يغلب بالكسره
رجا أمرا تمناهفأخطت استه الحفره
وكم من لذة قد أعقبت صاحبها حسره
وفى الشرب عدوّانمصبان على فجره
كلا الشخصين قد أرصد أن يختل بالغدره
إلى أن قام أيوبمن البيت الي الحجره
أعدّ الشرّ للقوممفاجاة على غرّه
أتاهم خاتلا كاللّصّ يمشى قطرة قطرة
فأعلى رأس عبادعلى الغفلة آجرّه
فثار القوم للحربعلى الكرّة والفره
فعين اللّاطم الوجهـ بالكفين مخضره
وعباد له في وجهه من دمه غره
وهذا مثل سكرانوهذا مثل ذى مرّه
حكوا في فعلهم هذاهراش الهرّ والهرّه
وفي شربه ولهوه، ووصف مجلس الزهري الذي مدحه، يقول أبو شاكر
ألا ربّ حديث لنبيّ الله مأثور
بألا يدخل الجنةأهل الإفك والزّور
كمثل الأعور المعوور والقوم المعاوير
وشخص لا أسميهمن اهل المجد والخير
حبانى صفو ودّ منهـ ما شيب بتكدير
وشرب من بني زهرةأمثال الدنانير
توافوا يوم دجن مذكر للهو ممطور
فظلوا يشربون الخمر صرفا فى القوارير
بكفّى طفلة حوراء بل زادت على الحور
كستها الشمس في الخدّين منها بهجة النور
فقلنا قد وليت الحكم قولا غير مغدور
فإن شئت علينا فاعدلي في الحكم أو جوري
فلم تلبث بنا أن خبرتنا أيّ تخبير
مقاصير تبدّى منهم دون مقاصير
وأبواب من السّاجبأصناف المسامير
وكنا مثل خيل تتجاري في مياصير
وغنّى مطرب القومعلى المثلث والزير
سليمى تلك في العينقفى ان شئت أو سيرى
فسارت تحتنا الأرضوما قلنا لها سيري
وقال أيضا:
أيا فهدة ماذا الجزع الظاهر يا فهده
وما هذا الذي أحدثت يا برذونة زرده
أئن طلّقت أصبحتعن الإسلام مرتدّه
وولولت وأعولتوأوردت من الرعده
وهتّكت ستور البيت للوحشة والوحده
ألست القندة الحلوة يا أحلى من القنده
فتاة رشحها مسكوفى ريقتها شهده
إذا ما عبرت قالتأيا أمّ ويا جدّه
فما يبكيك من قردلقرد أمّه قرده
لئيم الجد كابى الزند إمّا اقتدحوا زنده
تقى الله وكونى أمة حازمة جلده
وقولي قول ذى لبّرجا الله وما عنده
أيا ربّ لك الحمدعلى الرّخاء والشّده
وهى طويلة.
قال أبو بكر: وأنشدنا محمد بن يزيد المبرّد لأبى شاكر عبد الله بن عبد الحميد وهو أخو أبان:
يا طلل الحىّ جادك الطّللمالك وحش العراص يا طلل
لست أرى فيك من عهدت وقدكنت لهم موطنا، فما فعلوا؟
أيام حبل الصفاء منك ومنبهجة بيت الأسباب متصل
جارية كالمهاة بارعة الخدين والخدّ شادن عطل
لم تلق بؤسا ولم تعان أذىلكن عداها النعيم والجذل
دسّت رسولا أن ائتنا رقدة الحىّ إذا ما علمتهم غفلوا
فجئت والليل مكتسى سدف الظّلمة وهنا والطرق أختيل
حتي أجزت الاحماس إنى علىأمثال هاتيك حازم بطل
فلم يرعها إلا قيامي لدى الباب فجاءت والمشى منخزل
تقول يا مرحبا ويرعبها الخوف من الحاضرين والوجل
فأرخيت دوننا وقد هدأ الليل ستور الحجاب والكلل
ثم دعتنى الى مبارزة الحبّ فرجّت من تحتنا المثل
فكان شىء هيهات أذكرهإنّى ضنين بسرها بخل
فهرولت عند ذاك إذ عظم الامر وقالت ودمعها هطل
أين من أمّى أفر إن علمتأمّى بما قد صنعت يا رجل؟
كيف احتيالي لها إذا فطنتما تنفع اليوم عندها العلل؟
قد كان يجزيك لو قنعت بهفيما فعلت اللّزام والقبل!
لكن أبت شقوتى فهات فماأحتال أم ما أقول إن سألوا؟!
قلت: تقولين للذي يسليمنعنى من جوابك الكسل!
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع