من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
تفسير الابيات
النشر: أن يجرب البعير فيبرأ غير برء تام، وتبقى بقية من جربه أى قليل فينبت وبره عليه فيكون ظاهره برء وباطنه سقم، يريد الشاعر وكذلك نحن ظاهرنا جميل وصلح، وباطننا شر وحقد ونحوه:
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرىوتبقى حزارات النّفوس كماهيا
وهو النشر بفتح الشين، وإنما يسكنها الشاعر لضرورة الشعر.
ثم لم يرض حتى سأل القاضى عن هذا، فقال رواه الطبرى على خطأ والصولى كثير السماع فمن هذا لا يحكى إلا صوابا. حدثنى القاضى بذلك وقال لنا الراضى بالله كأنى بالناس يقولون أرضى هذا الخليفة بأن يدبر أمره عبد تركى، حتى يتحكم فى المال ويتفرد بالتدبير؟ ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد قبلى، وأدخلنى فيه قوم بغير شهوتى، فسلمت إلى ساجية وحجرية يتسحبون على ويجلسون فى اليوم مرات، ويقصدوننى ليلا.
ويريد كل واحد منهم أن أخصه دون صاحبه، وأن يكون له بيت مال وكنت أتوقى الذماء فى تركى الحيلة عليهم، إلى أن كفانى الله أمرهم.
ثم دبر الأمر ابن رائق فدبره أشد تسحبا فى باب المال منهم، وانفرد بشربه ولهوه. ولو بلغه وبلغ الذين قبله أن على فرسخ منهم فرسانا قد أخذوا الأموال واجتاحوا الناس فقيل لهم اخرجوا إليهم فرسخا لطلبوا المال وطالبوا بالاستحقاق، وربما أخذوه ولم يبرحوا ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، بل على أسبابى وآمر فيه بأمر فلا يمتثل ولا ينفذ ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألنى فيه كلب من كلابهم فلا أملك رده، وإن رددته غضبوا وتجمعوا وتكلموا فلما جاء هذا الغلام جاء من لا يقول لى صنعتك أو أجلستك كما كانوا يقولون بل اجترأنا عليه بالاصطناع، ووجدته إن تعدى أحد من أصحابه لم يرض إلا بقتله والمبالغة فى عقوبته. وإن بلغه أن عدوا قد تحول فى ناحية نهض اليه فسبق خبره من غير اعتساف لى بطلب مال ولا تلبث لوفاء استحقاق، فرضيت ضرورة به وكان أوفق لى وأحب إلى ممن قبله، وكان
الاجود أن يكون الأمر كله لى كما كان لمن مضى قبلى، ولكن لم يجر القضاء بهذا لى! وكان دعا بجكم مرات ما منها مرة إلا وهو ينفق عليه فى خلعه.
وما يحمله معه عشرين ألف دينار وزيادة عليها من صوانى ذهب وفضة وعنبر وندومسك وكافور وبلور.
وعلم أن عادته فى داره وحشمه ألا يشرب الماء إذا جاءه حتى يذوقه بين يديه الذى جاء به يصب منه فى إناء معه فيشربه ثم يناوله إياه فكان يستعمل الراضى معه هذا إذا حمل اليه لون وضع بين يدى الراضى أولا فأكل منه ثم وضع بين يدى بجكم وكذلك النبيذ وجميع ما يوضع بين يديه، وكان يستعفيه من هذا فلا يعفيه.
ولقد قبل فى آخر دعوة دعاه فخذه ويده فضمه الراضى اليه وأخرج من أصبعه خاتمين فوضعهما فى أصبعه أحدهما يشبه الجبل فى حمرته وكبره، فنظر ابن حمدون إلى ونظرت اليه واغتممنا أن يكون الجبل فى يد غيره ففطن لنا، فلما انصرف بجكم قال لنا قد رأيت نظر كما وقت الخاتم وأحسبكما ظننتماه الجبل ليس به ولكنه أقرب فص فى الدنيا شبها به.
ولقد قال لى بجكم بعد موت الراضى، وأنا معه بواسط، وعلى رأسه من خدم الراضى جماعة: إن هؤلاء حدثونى أن الراضى أراد أن يقبض على فى بعض دعواته، أفكان كذا؟ فقلت له: الأمير يعلم أن الراضى لا يرجى فى هذا الوقت ولا يخاف، وبالله ما استبنا منه ذلك فى حال
صحوه ولا سكره ولا جده ولا هزله. وما كان إلا محبا للأمير مغتبطا به، ولقد كان يتصنع فى مدح ابن رائق حين كرهه ويقرظه ويصفه فما كان يخفى علينا ضميره فيه هذا من قبل ان يظهر لنا ما فى نفسه عليه فقال لى صدقت والله وكذب هؤلاء، وما يدريهم؟ كان الأمر عندى كما قلت ثم حدثته بما قد ذكرته من قول الراضى «أنا أعلم أن الناس يقولون». فضحك وقال ما كان إلا نهاية فى عقله ودهائه وملقه،- يريد بجكم هذا وإن لم يلفظ بهذا اللفظ- ولكنى أعتب عليه بانه كان شديد الجبن يؤثر لذته وشهوته على رأيه. فعجبت والله من عقل بجكم، جاء والله بعيبيه اللذين ما كان فيه غيرهما ثم حدثته أنا كنا نقف على مكاتبته الأمير سرا ليأذن له فى المصير إلى بغداد ويشكو إليه ما كان يجرى عليه من ابن رائق فيكتب اليه «عليك بالوفاء لمن اصطعنك، وأحسن اليك» إلى أن كتب اليه الامير «أعوذ بالله أن يكون مولاى يريد قتلى كما يريده ابن رائق لأنه أعطانى جيشا بمال معلوم ثم لم يوفنى استحقاقهم، وهذا يبقى على دمى» وأنه لما ورد عليه كتاب الأمير بهذا كتب اليه: «والله ما أحب أن يتأذى بشىء أقل جندك وأتباعك لموضعك عندى، وما يستحقه شجاعتك ومناصحتك فكيف أحب ما ذكرته فيك وإذ صار الامر إلى هذا، وجعلت وصيتى لك بالتمسك بالوفاء وحسن العهد سببا لزوال أمرك فما أحب هذا، افعل ما يصلحك» فلما قرأ الأمير هذا الكتاب أقبل إلى بغداد. فقال كان كذا والله
ما جئت حتى جاءنى هذا الكتاب. قلت ثم وقفنا فى وقت من الأوقات أن الأمير اتهمه بأنه كاتب فى أمره بعض من يصلح للمكاتبة فى مثله وأن ذلك اتصل به فوجه إلى الأمير «قد علمت الحال التى كنت عليها لابن رائق فى كراهتى له فى آخر أيامه وما أجرى اليه مما يستوجب به إزالة أمره ومكاتبتك لى فيه بما كاتبت. فان كنت مع تلك الحال أذنت لك فى مكروهه، أو تغير عليه مع سخطى وغضبى فإنى سأكاتب فيك على بعد ما بينكما، وأنا فى هذا الوقت مغتبط بك راض بجميع فعلك وأمرك» فضحك بجكم فقال كذا كان وأزال هذا جميع ما بقلبى مما توهمته وعلمت أنه صادق فيه.
قال الصولى: وما رأيت الراضى يقرظ أحدا تقريظه الأمير أبى بكر محمد بن طغج فإنه كان يصفه ويرضى جميع ما هو عليه، وإذا جاءته هدية من قبله استحسن جميعها وفرق علينا منها. وكان يقول إذا ذكره «رجل كبير العقل حسن الطاعة، يشبه أجلاء الموالى الماضين وما أدرى بما أكافئه» ثم أمر فكتبت عنه كتب بأنه قد سماه الأخشاذ وأمره أن يسميه به جميع الناس.
ولما جاءته هديته فى آخر أيامه التى كان فيها الخدم الذين يغنون ويرقصون قال «لقد خصنى بما لم يملك مثله خليفة قط- وكان ربما قال بغير حضرة من لا يثق به- لو كان مثله عندى وكان جيشه مكان هذا الجيش! فانه أشبه بجيش آبائى، وأشد تمسكا بطاعتى» ولقد ذكره يوما فقرظه ووصفه وكان قد تغير لابن رائق تغيرا أبداه
لى وللعروضى حتى يقرئنا رقاعا له اليه وجواباته له، وربما أقرأنا أهاجى قد هجاه بها فقال بعقب وصفه للأمير الأخشاذ وذمه لمن ذم كيف كنت حدثتنى عن عمارة بن عقيل مع خالد بن يزيد الشيبانى، وتميم بن خزيمة بن خازم التميمى؟ فقلت له:
حدّثنى القاسم بن اسمعيل أن عمارة حدثه أنه أضاق فصار إلى تميم بن خزيمة وهو تميمى من رهطه، فسأله فاعتل عليه فجاء إلى خالد ابن يزيد الشيبانى وهو من ربيعة بعيد النسب منه فسأله فأعطاه وأكرمه واعتذر اليه فقال عمارة يفضل خالدا عليه:
أأترك إن قلّت دراهم خالدزيارته إنّى إذا لمليم
فليت بثوبيه لنا كان خالدوكان لبكر بالثّراء تميم
فيصبح فى قومى أغرّ محجّلويصبح فى بكر أغمّ بهيم
ولعمارة أهاج فى تميم ومدح لخالدين يزيد كثير.
فقال لى الراضى لما سمع هذا «فليت!» يريد فليت لى الأخشاذ بابن رائق، وهذا ظريف مما كان يقوله ولكنه ينبىء عن جميعه، وكذلك صنعت فى أشياء اختصرتها لئلا يطول الكتاب بها ولم يزل الراضى ذكيا عاقلا مذكان صبيا قرأ يوما أبياتا من الشعر فى الغزل، فقال لى اعمل فى نحوها فعملت:
يا مليح الدّلال رفقا بصبّيشتكى منك جفوة وملالا
نطق السّقم بالذّى كان يخفىفسل الجسم إن أردت سؤالا
قد أتاه فى النّوم منك خيالفرآه كما اشتهيت خيالا
يتحاماه للضّنى ألسن العذل فأضحى لا يعرف العذّالا
فقال لى سأعمل فى نحوها فتنحى وأخذ دواة وعمل بحضرتى:
قلبى لا يقبل المحالاوأنت لا تبذل الوصالا
ضللت فى حبّكم فحسبىحتّى متى أتبع الضّلالا
قد زارنى منكم خيالفزدت إذ زارنى خبالا
رأى خيالا على فراشىوما أراه رأى خيالا
فلحن هذا الشعر بعض الطنبوريين، وغنى فيه فحدثه يوما مضحك كان يدخل اليه، أنه حضر مجلسا غنى فيه بهذا الشعر فقال هو هذا لسيدنا الأمير. فقال كاتب كان فى المجلس هو لفظ الصولى وشعره فحلفت على ذلك فأقام على قوله. فقال له «عرفنى هذا الكاتب» فظن أنه يريد سوءا فيه. فقال «لعلك توهمت أنى غضبت من قوله لا والله، ولكنى استحسنت علمه بالشعر لأن الصولى علمنى الشعر وأنا أتبع ألفاظه وأنحو مذهبه فلما قال هذا ما قال وهو لا يعرف حقيقة أمرى، علمت أنه لم يقل هذا إلا عن علم بالشعر، فأحببت بذلك أن أحسن اليه، إذ كانت فيه هذه الفضيلة» فعجبت من حسن عقله وتمييزه.
وكنا يوما بين يدى الراضى، وهو يشرب فلغط الجلساء فجذب الدواة والدرج وكتب فيه شيئا وناولنيه فإذا فيه:-
لما برمت براحى وانقضى الأدبقرنتها بأناس شانهم إرب
تراهم الدّهر لا يروون من لغطعلى المدام فلا التذّوا ولا شربوا
ولم يزل الراضى نحو سنتين من خلافته، لا يشرب النبيذ ونشربه نحن بين يديه. وربما شرب الجلاب وأنا مصوب له ذلك مساعد عليه حتى أغواه أصحابنا فقال «إنى أعطيت الله عهدا أن لا أشربه أبدا» وكتب رقعة بلفظه بيمينه وعرضها على الفقهاء، فوجد رخصة فوجه بألف دينار إلى لأتصدق بها عنه وشرب:
وقال لى يوما أنشدنى تشبيب قصيدتك البائية فى ابن فرات فانه عندى أحسن تشبيب سمعته قط فأنشدته
سيّدى أنت إنّنى بك صبّبين أيدى الهموم والشّوق نهب
وشفيعى إليك أنّى محبوقديما أحبّ من لا يحبّ
بعث الحبّ لى سقاما فأعدىبى حزنا مداوما ما يغبّ
ليس لى نيّة أسلّى بها النّفس لما قد رأى ولا لى قلب
ضاع صبرى وأخلفتنى ظنونكاذبات يلذّها من يصبّ
غير أنّى أرحت من قول لاحهو همّ على الفؤاد وكرب
عذل العاذلون فيك وقالواما على من أحبّ مثلك عتب
لك خدّ مورّد الّلون سهلوفم طيّب المجاجة عذب
وجبين تلألأ الحسن فيهكهلال تكشّفت عنه حجب
وجفون مفتّرات مراضوحديث المؤنّث اللّفظ رطب
وقوام للرّيح فيه احتكاريتثنّى تثنّى الغصن شطب
أخصب الحسن فى جميعك إلّاأنّ حظّى من كلّ ذلك جدب
لهف نفسى عليك لو أنصفالحب لذلّ الغداة لى منك صعب
لا أسمّيك خيفة بل أعدّىعنك طرفا دموعه فيك سكب
وعددت الهوى علىّ ذنوباإن يكن ذا فحسن وجهك ذنب
ايمر الزمان صفحا علينالم ينل طائل ولم يقض نحب
ظلمتنى كظلمك السّنّ حتّىشاب رأسى ودعوة الشّيب سبّ
سلبتنى ثوب الشّباب الثّلاثون وللشّيب بعد ذلك سلب
وأحالت دهما على الرّأس شهباليس يجزى بخيله اللهو شهب
إن يكن سار عامدا لدمشقوطوانى كما طوى الشّمس غرب
فهو للقلب حيث ما مال ذكروهو للطّرف حيث ما دار نصب
حسن رأى الوزير عوّض فيهفهو للجود والمكارم ربّ
وهى طويلة. فجلس طويلا، ثم أنشدنى ما عمل ولم يقطعه بعد فإذا هو
أشهد الله أنّنى بك صبّلفؤادى من شدّة الوجد وجب
حار فى الجسم يوم ودّعت دمعفاض منه مع التّستّر غرب
يا عليلا فدته منّى نفسبين أيدى الإشفاق والشّوق نهب
سلب القلب والمنى وافدالسّنّ وقد كان قبله لى قلب
إن أمته فى هواك فالموت دائىأنت فى البعد للّواحظ نصب
فوقتك الرّدى حشاشة نفسلم يجرها من التّباعد قرب
ثم قال لى قد أغرت عليك، فقلت له إن رأى سيدى أن ينعم على ويقطع عمله لهذه الأبيات، ففعل. ثم قال لى بعد عرفنى بما أردت بقطعى الأبيات؟ قلت إن أبياتى جهدت نفسى حتى جاء تشبيهها كما وصفه سيدنا وترتجل أبياتا فينشدها الناس معها فيرون أبياتى أجود، وما أحب أن يرى الناس لعبد شيئا أفضل مما يملكه مولاه من أشباهه.
وحدثنى الراضى قال لما قتل القاهر مؤنسا وبليق وابن بليق أنفذ رءوسهم إلى مع الخدم يهددونى بذلك وأنا فى حبسه لأنى كنت فى حجر مؤنس، ففطنت لما أراد وقلت ليس الا مغالطته، فسجدت شكر الله وأظهرت للخدم من السرور ما حملهم على أن جعلوا التهدد بشارة
وجعلت أشكره وأدعو له فرجعوا بذلك وكتبت اليه:
بقيت أمير المؤمنين على الدّهربرغم الأعادى نافذ النّهى والأمر
شفيت غليلا كان لولاك قاتلاوخفّفت همّا ضاق عن حمله صدرى
وقمت بحقّ الله فى قتل معشرسعوا فى البلاد بالفساد وبالكفر
وثأر أخ ساد الأنام ولم تكنلتغفل عن ثأر عراك ولا دثر
ولست بليث أفلتته فريسةوقد علقت بالنّاب منه وبالظّفر
ولا حيّة ينجو بنفث لديغهاولا صارم يهوى لضرب ولا يبرى
فعشت لدين الله تجبر وهنهوبلّغت أقصى ما هويت من العمر
ويا ليتنى أسعدت فيك بنظرةأوفّى بها حقّ المحامد والشّكر
فلما قرأها دعانى فقال ما شفيتك فأظهرت السرور وأكثرت الدعاء فنفعنى والله ذلك عنده، وحال عما أراده بى إلى غيره.
وكان الراضى وعدنى وهو امير أن يشرب ليلة، وأنا أحتال فى المصير إليه سرا، فصرت إلى داره بالمخرم ليلا فلم أصل، واشتغل بزائر زاره فلم يشرب، وكتب إلى من الغد:
وليلة من سيّئات الدّهرتوقّد الشّوق بها فى صدرى
توقّد النّار بذاكى الجمرأنسيت ما أشربه لذكرى
مغرى بنسيانى وطول هجرىذا سطوة ونخوة وكبر
وقدرة يجهل فيها قدرىثمّ أتى مزورة بالعذر
أفديه من واف ومن ذى غدريبخل عنّى بقليل نزر
فاعذر فهذا خبرى وأمرىمتى أرى سرّى يحثّ جهرى
بوصل بدر فاضح للبدريسكرنى باللّحظ قبل سكرى
يا طالبا قتلى لغير وتريهنيك هجر منك يفنى عمرى
ولما هزم بجكم لابن رائق خرج إلى الشام، وصار أميرا مكانه دعانى الراضى فأنشدنى:
أبعد ما قد حلبت الدّهر أشطرهمحاربا لخطوب حكمها جارى
وفلّقت حيلى هام الرّجال أرىوالغيب يخمد ما أذكيت من نار
صممت عن صبوات يستجيب لهاناس بأوتار لهو ثأر أوتار
وفلّ لذّات لهوى جيش عارفتىوقلّم العزم منى نقر أوتارى
حتّى رحضت بتحريضى العدوّ علىقتل العدوّ ثياب الذّلّ والعار
كذاك من تنهض السّادات همّتهلا يغمض العين مغلوبا على ثار
وربّ خطب دجا ذلّ الجبان لهوقد فراه بأنياب وأظفار
لم يحتنك ليله حتّى صدعت لهصبحا من الرّأى لا يعشى به السّارى
فقل لمن يلهب الإهمال غرّتهاستغن عن صدق إيقاع بإنذار
ولا تمرّنّ حبلا للخلاف فقدرأيت نقضى وإحكامى لإمرارى
لا تبسطّن رماحا لازجاج لهاإلى سيوف مطيحات بأعمار
فإنّها حين تدنيها لملحمةتبرى بكلّ رقيق الحدّ بتّار
وعش بنيّة صدق تستدرّ بهارسل الحياة بعرف لا بإنكار
أو فاسحبنّ ذيول الذّلّ مقتسراوانظر بطرف خفى الّلحظ غدّار
لا يخرم المرء فى ورد يحاولهحتّى يوجّه فيه وجه إصدار
ثم قال لى كيف تراه؟ فحلفت أنه ما قال فى جودته خليفة قط ولكن فيه شىء يغيره، قال وما هو قلت قولك:
حتى رحضت بتحريضى العدو علىقتل العدو
اجعله بتحريضى الولى على قتل العدو، فقال صدقت والله خرج الكلام على ما فى نفسى فغيره فقال إنما عنيت ذهاب الساجية والحجرية بابن رائق، قلت أخاف أن يتأول أنه لبجكم وابن رائق لأنك عملته بعقب أمرهما قال صدقت وكنت عملت أبياتا على قافية الشين:
غشيتنى من الهموم غواشلعذول يلوم فيك وواش
لو يلاقوا الّذى لقيت منالوجد لشوق بين الجوانح ناش
ثمّ بالسّرّ عندهم دمع عينىإنّ سرّ المحبّ بالدّمع فاشى
من عذيرى لظالم أنا منهفى زمان الوصال للهجر خاشى
أخذ القدّ من قضيب رطيبوحكى أعين الظّباء العطاش
فأنشدتها الراضى فى إمارته، فعمل فى قافيتها ومعناها:
نحول الجسم من واشودمعى للهوى فاشى
لأنّىّ فى زمان الوصل من هجرك لى خاشى
لإصغارك للشّكوىوإصغائك للواشى
فأوحشت بإدناءوآنست بإيحاش
عرانى سقم ناشبهجر منكم ناشى
وعملت أيضا:
حبّ لأحمد قد فشابين الجوانح والحشا
يهتزّ فى حركاتهمثل القضيب إذا مشا
خدّاه من برد الدّجاوالمقلتان من الرّشا
لمّا ظفرت بوصلهوملكت منه ما أشا
أحلى البرّية أو علىعين الّذى يهوى غشا
وتناومت عين الرّقيبلحثّ أقداح الوشا
وفشا الحديث بحبّناوالحبّ يحسن إن فشا
عبث الوشاة بوصلناحسدا فقبّح من وشا
فعمل هو:
أقرح القلب والحشامفتن لحظه رشا
ملك الجسم حبّهفبراه كما يشا
لا يجازى على الوصال ولا يقبل الرّشا
شئت أن يرحم المحبّ وهيهات ما أشا
يا هلالا إذا بداوقضيبا إذا مشى
افش وصلا فإنّهجرك لا كان قد فشا
وكان الراضى بالله وصلنا وهو فى الزبيدية، وأقام بها أياما وعملت له فيه قرية كما يعمل للملوك، أنفق عليها مال، ثم فرقها علينا ووهب لنا ثيابا. فلما عبر بلغه أن الناس تكلموا فى إعطائه لنا وإسرافه فى أمرنا فقال:
لا تعذلى كرمى على الإسرافربح المحامد متجر الأشراف
أجرى كآبائى الخلائف سابقاوأشيد ما قد أسّست أسلافى
إنّى من القوم الّذين أكفّهممعتادة الإخلاف والإتلاف
ولما ملك بجكم واسط فى آخر خروجه إليها وفعل بابن رايق ما
فعل وقتل، أنشدنى الراضى:
يا عمدة السّلطانوليث هذا الزّمان
ومشترى الحمد منّىبأوفر الأثمان
فككت أسرى منكفّ طارق الحدثان
فصرت أسبق جرياوقد ملكت عانى
فأنت حرب عدوّىوسلم من والانى
والسّيف مثل لسانىإذا تعايا لسانى
تسرّنى كلّ وقتفى غيبة وعيان
فشكرك الدّهر لا شكرغيرك شانى
ومن كرم الراضى وشريف أخلاقه أن ابن حمدون كان يبارى على بن هارون المنجم فى الشرب بين يديه، وإذا شرب أحدهما خماسية قبل صاحبه رفعها ليراها الراضى ففعل ذلك مرارا كثيرة، إلى أن ضجر الراضى فقال كأنها قوارير بول ترفع بين يدى طبيب وهو مع ذلك لحلمه وكرمه يضحك لما يفعلانه ويثيب عليه إلى أن فعلا ذلك يوما فقال لهما وقد تلاحيا: لا عليكما الأمر عندى سواء فى فعل جميعكم من زاد فى شربه فإنما فعل ذلك سرورا بنا ونشاطا لمجلسنا وإنما بقى على نفسه لخدمتنا وأحب به مطاولتنا فقبلنا الأرض بين يديه وحلفنا
أنه ما جلس مجلسا أكرم عشرة منه لعبيده، وأقبلنا عليهما فقلنا: أبقى لكما الآن شىء بعد هذا فقصرا عن كثير فعلهما ذلك مما تركاه فى وقت:
ومن كرمه أنه كان كلما أراد الشرب وضعت بين أيدينا صوان فيها خماسيات مطبوخ ومغاسل وكيزان ماء ليشرب كل واحد منا ما يريد، ولم يكن يفعل ذلك الخلفاء إلا خصوصا بالواحد بعد الواحد، وبالجماعة فى وقت من الدهر. وإن كان الخدم الشرابية يجيئون بالأقداح فيناولونها الجلساء فيشربونها ويردونها عليهم، وربما أرادوا من الخدم ماء لأقداحهم فيما كسونهم فيه، وكان يأمر بأن يوضع بين أيدينا الفواكه الرطبة واليابسة فننال منها كما ننال فى بيوتنا، وما كانت الخلفاء تفعل بجلسائها ذلك إلا فى الحين إن فعلوه.
وكان كثيرا يقول لكرمه ووفائه ومحبته أن يؤكل طعامه: أمر النبيذ اليكم اشربوا ما شئتم وأمر الأكل إلى لا بد من مطالبتكم به حتى تاكلوا معى، ويمدح من يزيد أكله بين يديه وينفعه ذلك عنده.
ولقد تعشينا ليلة بين يديه فجاءونا بخبز سميذ كبار ما راينا أحسن مما خبز فعزل العروضى رغيفا وقال نوبتى فى غد فى بيتى، وقد استحسنت هذا الرغيف وأريد أكله فى غد فاستبنت أنه قد سر لما فعل العروضى.
وجاءت جامات فيها بوارد فعزلت جاما وقلت: ما ذقت والله أطيب من هذه الباردة وأنا كالشعبان وأريد أن آكلها فى غد مع العروضى فإنا شريكان وفرغنا من الأكل وجلسنا ورفع الرغيف والجام، ثم وضع بين العروضى الرغيف بعينه وفوقه دراهم قد ملأته ووضع بين يديه
جام فيه دراهم مثل ما فى الرغيف فضج الجلساء لذلك وسألوا أن يفعل بهم مثل ذلك فقال إلا أن هذين استطابا طعامنا فأزلا منه لغد ما يقصر عن كفايتهما فأحببنا أن نتمم أمرهما بما فعلناه ولم يكن لكم سبب فى مثل هذا فنفعل بكم كما فعلناه بهما. فانصرفنا ولم يأخذ أحد شيئا غيرنا وأعطينا الرغيف والجام كما رفعا، فكان فى الجام ألفا درهم وكذلك على الرغيف.
ولما ورد قتل ياقوت على الحجرية اضطربوا اضطرابا شديدا واجتمعوا إلى الراضى بالله وقالوا قبضت على ابنه أبى بكر لغير ذنب فحبسته، ثم قبضت على أخيه أبى الفتح ثم كتبت إلى ابن البريدى فى قتله، فجلس لهم وأحضر القاضى، وأحضر معه من العدول أبا الحسن الهاشمى بن أم شيبان، وابن عمه عبد الوهاب، وجلس الراضى لهم ليلا. فدخلوا إليه وهو على كرسى، فلغطوا وكان الصغار اشد كلاما وأبسط ألسنا من كبارهم وقوادهم. فتركهم حتى تكلموا بكل ما أرادوه وأخرجوا ما فى أنفسهم، ثم أقبل عليهم رابط الجأش ذرب اللسان فكلمهم أحسن كلام، وقال: إن كان هذا الأمر قد صح عندكم. فعرفونى من أى وجه صح لأعرفها كمعرفتكم؟ وإن كان ظنا فالظن يخطىء ويصيب، وإنما ظننتم هذا بمجىء أخ البريدى أبى الحسن إلى الدار هذه الأيام، وإنما كان يجىء بكتب أخيه يشكو معاملة ياقوت، ثم أخرج فصولا من كتب، فدفعها إلى القاضى فقرأها عليهم. وفيها جوابات من ياقوت إلى ابن البريدى، وقد أنفذها ابن البريدى إليه ثم قال له
ما قبلت فى ابن البريدى إلا رأى محمد بن ياقوت، والآن فقد وقفتم على الخبر، وأنا أعزلهم وأنفذ الجيوش إليهم، وأخرج معكم إن أردتم ثم كلمهم القاضى وفرقهم.
وكنت وهو أمير بعد اعتللت فى يوم نوبتى عنده، فكتبت رقعة أعتذر فيها بالعلة لتخلفى عن خدمته فوقع إلى:
وصلت رقعة فأوصلت الوحشةلمّا أتت بشكوى الأنيس
بدّل القرب بالبعاد فبدّلتبيوم السّرور يوم عبوس
فكتبت الجواب:
وصلت رقعة الأمير الرّئيسغرّة الدّهر والخطير النّفيس
فأزالت ما كنت أشكو وأهدتلى نعيما وأذهبت كلّ بوس
وأتى الشّعر مبرئا وشفاءوأنيسا يفوق كلّ أنيس
حسن اللّفظ مطربا كلّ منيسمع إطراب زابدات الكؤوس
قد جلاه الطّبع المغاث بحذقلعقول الورى جلاء العروس
أضحك الله بالأمير زمانىولقد كان قبله ذا عبوس
صرت مذ قدّر الاله جلوسىمعه سيّدا لكلّ جليس
ضاق شكر العبيد عن برّ مولىمثل ضيق الغفران عن إبليس
وكنا يوما نشرب بين يديه، فرأيت من ذكائه وسرعة خاطره ما جعلت أعجب منه، وذلك أنه سأل عن شعر فقال أحمد بن يحيى هو لدعبل فقلت أنا هو لمحمد بن الحجاج البغداذى فلاحانى. فقلت له:
إن أقرب من أنشدناه لمحمد أبوك عن أبى هفان، وكان ذكره فى كتبه فأمسك وضحك الراضى، وقال فأنشدنيه، فأنشدته وهو مقبل على يسمع:
زمنى بما طاب سقيت زماناما كنت إلّا روضة وجنانا
أصلحتنى بالجود بل أفسدتنىوتركتنى أتسخّط الإحسانا
من جاد قبلك كان جودك فوقهلم أرض قبلك كائنا من كانا
وليس الشعر هكذا، إنما قال:
من جاء بعدك كان جودك فوقهلم أرض بعدك كائنا من كانا
فلم أستحسن أن أنشده بعدك فى أول البيت وبعدك فى آخره فأنشدته كما ذكرت، فقال: محمد بن يحيى الصولى يحيل الشعر إذا أنشده، ما كذا قيل، فقال له فكيف الشعر فأنشده:
من جاد بعدك كان جودك فوقهلم أرض بعدك كائنا من كانا
ففطن أنى قلبت اللفظ عمدا لما فيه، وأن هذا مما لم يفطن له أحمد فقال له: تلك رواية الصولى، وهذه روايتك أنت فقال كذا والله يا سيدى قال الشاعر. وكذا أنشدنى أبى. فقال له: قد علمت كما أنشدك أبوك ايضا لنفسه! إن كنتم قريش فمه! فسكت وانقطع الكلام.
وكان إذا ذكر أبيات يحيى بن على هذه يشتد غيظه ويقول أقوالا يسمعها سائر الجلساء، لا أحب ذكرها، ويسرنى منه بأن يقول قد شفى القلوب ابن المعتز بجوابه وأنشدنى يوما العروضى جوابا ليحيى فى غير شعر عمله أحسن والله فى بعضه. ولكنى لا أذكره للطعن الذى فيه.
واعتللت وهو أمير فتأخرت عن خدمته، والنوبة التى كانت على فكتب إلى رقعة فيها:
يا عليلا جعل السّاعة إذ غاب شهورا
ولقد كان بهالدّهر إذ جاء قصيرا
لعلوم لا أرىالدّهر له فيها نظيرا
صرف الله الأذىعنك ولقّاك سرورا
فكتبت الجواب:
يا أميرا ما رأينامثله فضلا أميرا
يا أبا العبّاس يا شمساويا بدرا منيرا
يا كبير العقل والآداب مذ كان صغيرا
والّذى نكذب إنقسنابه يوما نظيرا
قد أتى عبدك شعرمنك خلّاه حسيرا
بعد سبق من خطارالشّعر من كان خطيرا
حسن اللّفظ يحاكىرصفه الدّرّ النّثيرا
ملأ الجسم شفاءوحشا القلب سرورا
كان من عارض شكواى ومن دهرى مجيرا
ليس ما يذخره عندى من الشّكر يسيرا
سوف أهدى منه روضاجاورت منك غديرا
كم عسير عادلى منحسن نعماك يسيرا
قد يرى العبد وإنقلّ بمولاه كثيرا
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع