من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
المرقِّش الشاعر وأسماء
ورجع مُرقش، فقال إخوتُها: لا تخبروه إلا أنها ماتت، فذبحوا كبشًا فأكلوا لحمه ودفنوا عظامه، ولفُّوها في ملحفة ودفنوها، فلمَّا قَدِمَ مرقشٌ عليهم أخبروه أنها ماتت، وأتوا به موضِعَ القبر، فنظر إليه، وكان بعد ذلك يَعتاده ويزوره.
وإنهما نزلا كَهفًا بأسفلِ نجران، وهي أرضُ مُرَاد، ومع الغفلي امرأته وليدة مرقش، فسمع مرقشٌ زوج الوليدة يقول لها: اتركيه، فقد هلك سَقمًا وهلكنا معه جوعًا وضَرًّا، فجعلت الوليدة تبكي من ذلك، فقال لها زوجُها: إن أطعتِني وإلا فإني تاركك. وكان مرقش يكتب، وكان أبوه دفَعه وأخاه حرملة وكانا أحبَّ ولده إليه إلى نصراني من أهل الحيرة، فعلَّمهما الخط، فلما سمع مرقشٌ قول الغفلي للوليدة كتب على مؤخَّرِ الرحل:
يا صاحبيَّ تلبَّثا لا تعجَلا!إن الرَّواح رهينُ أن لا تفعلا
فلعلَّ لبثَكُما يُقرِّب نائيًاأو يسبُقُ الإسراعُ شيئًا مُقبِلا
يا راكبًا إمَّا عَرَضْت فبلِّغاأنس بن سعدٍ إن لقيتَ وحَرْملا
لله درُّكُما ودَرُّ أبيكُماإن أفلتَ الغفَليُّ حتى يُقتلا
من مُبلِغُ الأقوامِ أن مُرقشًاأضحى على الأصحاب عِبئُا مُثقلا
وكأنما يَرِدُ السباعُ بشلوهإذ غاب جَمعُ بني ضُبَيعةَ مَنهَلا
قال: وانطلق الغفليُّ وامرأته حتى رجَعا إلى أهلهما، فقالا: مات المُرقش. ونظر حرملة إلى الرحل وجعله يُقلِّبه، فقرأ الأبيات، فدعاهما وخوَّفهما، وأمرهما أن يَصدُقاه ففعلا، فقتَلهما، وقد كانا وصَفَا له الموضع، فركب في طلب المُرقش حتى أتى المكان، فسأل عن خبره، فعرف أن مرقشًا كان في الكهف ولم يزل فيه حتى إذا هو بغنم تنزُو على الغار الذي هو فيه، وأقبل راعيها إليه، فلمَّا بُصرَ به قال: من أنت وما شأنك؟ فقال له مرقش: أنا رجلٌ من مراد، فمَن أنت؟ قال: راعي فلان، وإذا هو راعي زوج أسماء، فقال له مرقش: أتستطيع أن تُكلِّم أسماء امرأة صاحبك؟ قال: لا، ولا أدنو منها، ولكن تأتيني جاريتها كل ليلة فأحلُبُ لها عنزًا فآتيها بلبنها. فقال له: خُذ خاتمي هذا، فإذا حلبتَ فألقِه في اللبن فإنها ستَعرفه، وإنك مصيبٌ به خيرًا لم يُصِبه راعٍ قط إن أنت فعلت ذلك.
فقال زوجها: وما هذا الخاتم؟
قالت: هذا خاتم مُرقش، فأعجل الساعة في طلبه، فركب فرسه وحَمَلها على فرسٍ وسارا حتى طرقاه من ليلته، فاحتمَلاه فمات عند أسماء، وقال قبل أن يموت:
سما نحوي خيالٌ من سُلَيمَىفأرَّقني وأصحابي هُجُودُ
فَبِتُّ أُديرُ أمري كلَّ حالٍوأذكُرُ أهلَهَا وَهمُ بَعيدُ
على أن قد سما طرفي لنارٍيُشَبُّ لها بذي الأرطَى وقودُ
حواليها مهًا بيضُ التراقيوآرامٌ وغزلانٌ رُقودُ
نواعمُ لا تُعالِجَ بؤس عيشٍأوانس لا تروح ولاترودُ
يرُحنَ معًا بطاء المشي رُودًاعليهن المجاسِدُ والبُرودُ
سكنَّ ببلدةٍ وسكنتُ أخرىفقُطِّعت المواثِقُ والعهودُ
فما بالي أفي وَيُخانُ عهديوما بالي أُصادُ ولا أصيدُ
ورُبَّ أسيلة الخدَّين بِكْرٍمُنَعَّمَةٍ لها فرعٌ وجيدُ
وذو أشَرٍ شتيتُ النبت عذابٌنقيُّ اللون برَّاقٌ بَرودُ
لهوتُ بها زمانًا في شبابيوزارَتها النجائِبُ والقصيدُ
أناسًا كلَّما أخلقت وصلًاعناني منهم وصلٌ جديدُ
فدُفن في أرض مراد.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع