تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

سُكينة والفرزدق

بنفسي مَن تَجنِّيه عزيزٌعليَّ ومَن زيارَتُهُ لمَامُ
ومَن أُمسي وأُصبِح لا أراهويطرُقني إذا هجع النِّيَامُ
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»

فقال: والله لئن آذنتِني لأُسمعنَّكِ من شعري ما هو أحسن من هذا. فقالت: أقيموه. فخرج، فلما كان من الغد عاد إليها فقالت: يا فرزدق! مَن أشعَرُ الناس؟ قال: أنا. قالت: ليس كما قلت؛ أشعر منك الذي يقول:

لولا الحياء لهاجَني استعبارُولزُرتُ قبرَك والحبيب يُزارُ
للشاعر محمود المشهداني، من قصيدة «الجريرية»
كانت إذا هجرَ الضجيع فراشَهاخُزِنَ الحديثُ وَعفَّتِ الأسرارُ
لا يُلبِثُ القُرَناء أن يتفرَّقواليلٌ يكُرُّ عليهمُ ونهارُ
للشاعر جرير، من قصيدة «لولا الحياء لعادني استعبار»

قال: والله لئن أذِنتِ لي لأُسمِعنَّك من شعري ما هو أحسن من هذا. فأمرت به فأُخرِج، فلما كان الغد غدَا عليها وحوْلها جَوارٍ مولَّدات عن يمينها وعن شمالها كأنهنَّ التماثيل، فنظر الفرزدق واحدة منهن كأنها ظبيةٌ أدْماءُ، فمات عِشقًا لها وجنونًا بها، فقالت: يا فرزدق! مَن أشعَرُ الناس؟ قال: أنا. قالت: ليس كذلك؛ أشعر منك الذي يقول:

إن العيون التي في طرفها مرضٌقتلْنَنا ثمَّ لم يُحْيينَ قتلانا
للشاعر خلفان بن مصبح، من قصيدة «هذا الربيع بنور الحسن وافانا»
يَصرعنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حَراكَ بهوهُنَّ أضعف خلقِ الله أركانا
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط ولو طوعت ما بانا»

فقال: يا ابنةَ رسول الله! إن لي عليك حقًّا عظيمًا لمُوالاتي لك ولآبائك، وإني سِرْتُ إليك من مكة قاصدًا لك إرادة التسليم عليك، فلقيتُ في مدخلي إليك من التكذيب لي والتعنيف، ومنعكِ إيَّاي أن أُسمِعَك من شعري ما قطع ظهري وعِيلَ صبري به، والمنايا تغدو وتَرُوح، ولا أدري لعلِّي لا أُفارق المدينة حتى أموت، فإذا مُتُّ فمُرِي من يدفنني في دِرعِ هذه الجارية. وأومأ إلى الجارية التي كَلِف بها. فضحكت سُكينة حتى كادت تَخرُج من بُرْدِها، ثمَّ أمرت له بألف درهم وكُسًى وطيبٍ وبالجارية بجميع آلتِها، وقالت: يا أبا فراس! إنما أنت واحدٌ مِنَّا أهل البيت، لا يسؤك ما جرى، خُذ ما أمَرْنا لك به بارك الله لك فيه، وأحسِن إلى الجارية وأكرِمْ صُحبتها. وأمرت الجواري فدفعنَ في ظهورهما. فقال الفرزدق: فلم أزل والله أرى البركة بدعائها في نفسي وأهلي ومالي.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.