تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

سُكينة تنقد الشعراء

أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن بندار الشيرازي بقراءتي عليه في المسجد الحرام بين باب بني شيبة وباب النبي تجاه الكعبة، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن لال الهمذاني، حدَّثنا أحمد بن الحسين بن علي، حدَّثنا أبو الحسن حامد بن حماد بن المبارك، حدَّثنا إسحاق بن سيار، حدَّثنا الأصمعي عبد الملك بن قريب، عن أبيه، عن لبطة بن الفرزدق بن غالب، قال: اجتمعَ أبي وجَميلُ بن معمر العذري وجريرُ بن الخطفي ونُصَيب مولى عمر وكُثيِّر في موسم من المَواسم، فقال بعضهم لبعض: والله لقد اجتمعنا في هذا الموسم لأمرِ خيرٍ أو شرٍّ، وما ينبغي لنا أن نتفرَّق إلا وقد تتابع لنا في الناس شيءٌ نُذكَرُ به. فقال جرير: هل لكم في سُكَينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب نقصدها فنُسلِّم عليها؛ فلعلَّ ذلك يكون سببًا لبعض ما نُريد؟ فقالوا: امضوا بنا. فمضينا إلى منزلها، فقرعنا الباب فخرجت إلينا جاريةٌ لها بريعةٌ ظريفة، فأقرأها كلُّ رجلٍ منهم السلام باسمه ونسبه، فدخلت الجارية وعادت فبلَّغتهم سلامها، ثمَّ قالت: أيُّكم الذي يقول:

سَرَتِ الهمومُ فبِتنَ غيرَ نِيامِوأخو الهمومِ يَروم كُلَّ مرامِ
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»
عفَّت معالمَها الرواسمُ بعدناوسجالُ كل مُجلجلٍ سجَّامِ
دَرَسَ المنازلُ بعد منزلةِ اللوىوالعيشُ بعد أولئك الأيام
طرقتك صائدة القلوب وليس ذاحين الزيارة فارجعي بسلام
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»
تُجري السواكَ على أغرَّ كأنهبَرَدٌ تحدَّر من مُتونِ غمامِ
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»
لو كنتِ صادِقةً بما حدَّثتِنالوصلت ذاك وكان غير تَمامِ

قال جرير: أنا قلته. قالت: فما أحسنتَ ولا أجملتَ، ولا صنعتَ صنيعَ الحُرِّ الكريم، لا سترَ الله عليك كما هتكتَ سترك وسترها، ما أنت بكَلِفٍ ولا شريفٍ حين رددتَها بعد هُدوء العين، وقد تجشَّمت إليك هول الليل، هلَّا قلت:

طرقتكَ صائدة القلوبِ فمرحبًانفْسي فداؤك فادخلي بسلامِ

خذ هذه الخمسمائة درهم فاستعِن بها في سفرك.

ثمَّ انصرفت إلى مولاتها وقد أفحمتنا، وكلُّ واحد من الباقين يتوقَّع ما يُخجِلُه، ثمَّ خرجت فقالت: أيُّكم الذي يقول:

ألا حبَّذا البيت الذي أنا هاجِرُهفلا أنا ناسيه ولا أنا ذاكِرُه
فبورك من بيتٍ وطال نعيمهولا زال مَغشيًّا وخُلِّد عامِرُه
هو البيت بيتُ الطَّول والفضل دائمًاوأسعد ربي جدَّ مَن هو زائره
به كل مَوشيِّ الذراعَين يرتعيأصول الخُزامى ما تيقَّن طائرُه
هما دلَّتاني من ثمانين قامةًكما انقضَّ بازٍ أقتمُ الريش كاسرُه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فلما استوت رِجلاي في الأرض قالتا:أحيٌّ نُرَجِّي أم قتيلٌ نحاذِرُه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فأصبحتُ في أهلٍ وأصبح قصرُهامُغلَّقةً أبوابُه ودساكرُه

فقال أبي؛ يعني الفرزدق: أنا قلته. قالت: ما وُفِّقتَ ولا أصبتَ، أما أيست بتعريضِك عن عودة عندك محمودة؟ خذ هذه الستَّمائة فاستعن بها. ثمَّ انصرفت إلى مولاتها، ثمَّ عادت فقالت: أيُّكم الذي يقول:

فلولا أن يُقالَ صَبَا نُصَيبٌلقلتُ بنفسيَ النشءُ الصغارُ
بنفسي كُلُّ مهضومٍ حشاهاإذا ظُلِمَت فليس لها انتصارُ
للشاعر تميم الفاطمي، من قصيدة «ومشرقة وجنح الليل قار»

فقال نُصيب: أنا قلته. فقالت: أغزلت وأحسنتَ وكَرُمت، إلا أنك صبوت إلى الصِّغار وتركت الناهضات بأحمالها. خذ هذه السبعمائة درهم فاستعن بها.

ثمَّ انصرفت إلى مولاتها، ثمَّ عادت فقالت: أيُّكم الذي يقول:

وأعجبتْني يا عَزَّ منكِ خلائقٌكِرامٌ إذا عُدَّ الخلائق أربعُ
دُنوُّكِ حتى يَذكُر الجاهلُ الصبىومدُّكِ أسباب الهوى حين يطمعُ
وأنكِ لا يَدري غريمٌ مطلتِهأيشتدُّ إن لاقاكِ أم يَتضرَّعُ
وأنك إن واصلتِ أعلمت بالذيلديكِ فلم يوجد لك الدهرَ مطمعُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تقطع من ظلامة الوصل أجمع»

قال كُثَيِّر: أنا قلته. قالت: أغزلت وأحسنت. خذ هذه الثمانمائة درهم فاستعن بها.

ثمَّ انصرفت إلى مولاتها، وخرجت فقالت: أيُّكم يقول:

لكل حديثٍ بينهن بَشاشةٌوكل قتيلٍ بينهن شهيدٌ
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
يقولون جاهِد يا جميلُ بغزوةٍوأي جهادٍ غيرَهن أريدُ
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
وأفضل أيامي وأفضل مشهديإذا هيجَ بي يومًا وَهنَّ قُعُودُ

فقال جميل: أنا قلته. قالت: أغزلت وكرُمتَ وعَفَفتَ. ادخل.

قال: لما دخلتُ سلَّمت، فقالت لي سُكينة: أنت الذي جعلتَ قتيلنا شهيدًا وحديثنا بَشاشة، وأفضل أيامك يوم تنوبُ فيه عنَّا وتُدافع، ولم تتعدَّ ذلك إلى قبيحٍ. خذ هذه الألف درهم وابسُط لنا العذر، أنتَ أشعَرُهم.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.