من «الشفاء في بديع الاكتفاء» لشمس الدين النواجي (ت ٨٥٩هـ)
القسم السادس
ما كان الاكتفاء فيه ببعض الكلمة موشحاً ببديع التورية غير خارج عن الوزن إذا قصد شق التورية الآخر واقعاً في البيتين معاً لسلامة قافيتهما وهو خاتم الأقسام ولب اللب وخلاصة الخلاصة وهو أبلغ في المعنى وألطف من النوع الذي قبله لما يقع للمتقدمين ولا للمتأخرين بل ولا للشيخ جما الدين بن نباتة ولا من ناصره وإنما نظمه أعيان العصرين وتلاعبوا بمعانيه البديعة حتى بلغوا فيها النهاية
وأجروا أجياد أفكارهم في ميادين الأدب فلم تفتهم غاية وادعى كل منهم أنه مخترعه وأنه له أولى
وكُلُّ يدعي وصلاً بليلىوليلى لا تقرُّ لهم بِذَاكا
والذي يغلب على الظن أنه من مخترعات مولانا قاضي القضاة صدر الدين علي بن الأدمي الحنفي سقى الله ثراه كما ذكره لي فمن ذلك ما كتب به إلى غرس الدين خليل بن بشارة وكان بديعاً في الحسن بارعاً في الجمال مشهوداً بصحبة المشار إليه:
يا مُتهمي بالسُّقْمِ كُنْ منجديولا تُطِل رَفضيَ فإني عليل
أنت خليلي فبحَق الهوىكن لشجوني راحماً يا خليل
قال ابن حجة: أنشدهما لي قاضي القضاة متقاضياً في الجواب على هذا الطريق فنظمت بين يديه وأنا في ذلك المجلس:
يقولون صفْ أَنفاسَه وجبينَهعسى للقا يصبو فقلت لهم صَبَاح
وغالطت إذا قالوا أَتَاح وِصَاَلهوإلا إلى للقلب قلت لهم أباج
قلت: لما أنشدني ابن حجة هذين البيتين قلت له أن أباح لا يتعدى باللام وإنما يتعدى بنفسه فبهت ولم يدر، فقلت له أن كان ولا بد فينبغي أن يقال وإلا أتى قرباً فقلت لهم أني أخ فأصلحه وكتبه كذلك وهذه عادتي معه في غالب نظمه القديم والحديث حتى إني أصلحت له أشياء نظمها من فوق الثلاثين عاماً ومن أراد ذلك فعليه بكتابي المسمى (بالحجة في سرقات أبن حجة) على أن في تكرير قوله يقولون فقلت لهم وقالوا وقلت لهم من العلاقة ما يقلقل الجبال والله، أعلم.
ونظم سيدي أبو الفضل ابن أبي ألوفا قدس روحه في هذا النوع قوله:
قد تغطَّينا فروحوا بِنَافهذا الوقتُ وقتُ الروَاح
وإن نأى الساقي فُنوحوا مَعِيعوناً فإني لا أطيق النواح
وقوله أيضاً:
من عقرب ومن حيةِ السعيلقد مِتَّ بلسعِ الهوام
قالوا نداوي قلبَه إن ندمفقلت وهل يرجى لفان دوام
لا أعلم قائله:
إن حُرَّمتْ خمرُ عدتُ مرةًفإن لي فيك خمراً حلالا
أو جئت ألقى ربعكم خالياًعللت روحي بعدكم بالطلال
ونظم القاضي مجد الدين بن مكانس، فقال:
قمْ منشداً في الجميع شعري الذينظمته أشكو الجفا والمَلاَل
وقل إذا استحلاه ذواقُهمهذا لعمر الله سحر حَلاَل
وقال والبيت الثاني ليس من هذا النوع:
ويا قومُ إن خاطبكم جاهِلُفي صبوتي يوماً فقولوا سلام
وإن يقُلْ ليس كلامي لَكُمشيئاً فقولوا حقاً كَلام
وقال الأديب الفاضل غرس الدين خليل بن الغرس:
إن جاءكم صبُ فأكرموا مثواه تجزون خيارَ الثواب
وجاوبوا العذالَ عم غدامن دمعِه لا يستطيع الجواب
وقال في هذا النوع:
لقد صاح الوجهُ على ما مَضىفيا رعى الله زمانَ الصِبا
وبت أرعى النجم لكننيأهفو إذا هب نسيم الصَبا
وتذاكرت بعد ذلك مع الشيخ شهاب الدين بن حجر في هذا النوع وأنشدتهما له فقال: أنه نظم هذا المعنى قديماً وأنشدني:
نسيمكم ينعشني والدُجىطال فمن لي بمجيء الصَباح
ويا صباح الوجهِ فارقتُكمفزاد همي مذ فقدت الصَباح
ففكرت ساعة وأنشدته في الحال:
قد كنت لا أصبو إلى شادِنضل فُؤادي نحواً وغَوان
فصرتُ بعدَ العزِ في ذلةٍمنذ تعشقتُ وزادَ الهَوان
فاعتذر وقال إنما ذكرت ذلك حكاية للحال لأني أتهمتك بما خرجت من عنده ونظمت في ذلك اليوم عدة مقاطيع من هذا النوع كما سنذكرها أن شاء الله تعالى. على أن المتأمل إذا نظر إلى كل من
المقطوعة، وجد بينهما من الفرق ما لا يخفى إلا على أكمه، لا يعرف الصواب وشتان بين قولي فيل رعى الله زمان الصباح وبين قوله فزاد همي مذ فقدت الصباح وبين قولي أهفو إذا هبت نسيم الصباح وقوله فمن لي بمجيء الصباح ومن الغريب أن الشيخ الدين الهيتمي أخبرني أن ابن حجة أخبره أن بين نظم بيته الأول والثاني خمس سنين فسبحان المانح ما هي إلا مواهب الهبة.
والأبيات التي نظمتها في هذا النوع قولي:
رعى الله أيامَ الوصل فقد مَضَتْوحالتْ في حبِ ذا الرشا الأحوال
وكابدتُ أهوال الغرام وهَوْلهفأفنيت عُمري في مكابدة الأهوال
وقولي:
خليليّ هذا ريح عزةَ فاشفياأجفاني فيا لله من شَرَك الأجفا
فجفني حقاً طيبَ المَنام وجفنهاإليه وإن سالتْ به أدمعي طوفا
وقولي:
رمت التغزل في أجفانه فَبَدابمذاره فوق وردِ الوجنتينِ طَرَى
وقال قلبي لا تحفل لعزلِهماوحض عارضه بالمداح فهو حَدَى
ثم جاورت بعد ذلك بمكة شرفها الله تعالى فورد علينا يمني موله بفن الأدب وامتدح ابن عجلان بقصيدة بديعة وأجازه إجازة سنية وكان يخالف إليّ ويذاكرني
فلما كان اليوم الثاني من ذي الحجة وأراد الناس الخروج إلى منى ذكر لبعض أصحابه أنه دخل مكة من غير إحرام لجهله بالمناسك فقال له: أن الحج والعمرة واجبان عليك فتخير.
ولم يدر ما العمل ولا يحرم به فكتب إلى صورة فتيا وهي:
يا معادن العلم ومن لم يزلْيهدي إلينا الدرّ والجَواهرا
قد ضاق وقتُ العَبدِ عن حجةٍوعمرة مفردة ما تَبرَى
فأذعن أهل مكة لبلاغة هذين البيتين وحسن تركيبهما واشتمالهما على تمام. فلما وقفت عليهما كتبت ارتجالاً مع حسن التنغيم وبديع الاكتفاء والجناس والتورية.
يا ضيفَ بيت الله نلتَ المُنىمنذُ تَحَصْنْتَ بأُمِ القُرَا
لبَّ بحجٍ واعتمار وقُلْلله ما أحسنَ هذا القِرَا
ورأيت مقطوعة للشهاب الحجازي قريباً من ذلك وهو:
رمت قراءة فَجَلا طلعةًفي طرّةٍ ترقى بِأُم القُرَا
أَبصرتُ ليلاً ونهاراً مَعَايا قومُ ما أَحسنَ هذا القِرَا
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع