تجاوز إلى المحتوى

من «الشفاء في بديع الاكتفاء» لشمس الدين النواجي (ت ٨٥٩هـ)

القسم الثاني

ما كان الاكتفاء به بجميع الكلمة مزملاً بشعار التورية وهو نوع اخترعه المتأخرون وتلطفوا فيه إلى الغابة فمن ذلك قول الشيخ زين الدين بن الوردي وقد أضافه بعض الطلبة وصعد به إلى سطح عالٍ ولم يطعمه شيئاً وصار يتعهده بالماء من أول الليل إلى آخره:

أحل الضيوفَ على سطحِهوفرَّجهم في نجومِ السما
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «أحل الضيوف على سطحه»
وقطع بالجوعِ أمعاءهموإن يستغيثوا يُغاثوا بما

وقول الشيخ صدر الدين بن عبد الحق يهجو حماماً:

جهنم حمامُكم نارُهايقطع أكبادنا بالظمَا
وفيها عصاة لهم ضجةُوإن يستغيثوا يغاثوا بما

ومثله قول القاضي مجد الدين بن مكانس:

فرَّط في جنب الإله من أتىحمامَكم وكابدَ الحِمامَا
ولم يجد مآبه ذو حاجةٍحتى تلا: يا حسرتي على ما

الشيخ زين الدين بن الوردي من تضمينه لأبيات:

يا قابلاً كان ملتجأً وانفصلْكان وما انفك الفتى ولم يزلْ
بدت لهم وجنتيه ضراماحتى تلوا يا حسرتي على ما

أبو بكر بن حجة قال:

وقد فرَّطَت في نفيريوما شفي بقربهِ سِقاما
أصبر عسى يشفى بما ريقهقلت لهم يا حسرتي على ما

وقال المعز المرحوم الأميني الحمصي صاحب الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة عند هوده من الغربة فكان صحبته المقراليفي نجا كافل المملكة الشامية وقد ضل غالب العسكر في بعض الليالي عن الماء واهتدى هو الطريق وصلته إليه:

ضَلوا عن الماءِ إن سروا سحراًقومي فظلوا حيارى يلهثون ظما
والله أكرمني بالوردِ دونهمفقلت يا ليت قومي يعلمون بما

الصاحب فخر الدين بن مكانس:

من شرطنا إن أسكرتنا الطلاصرفا تداوينا بشرب اللمَا

لعاف مزج الماء في كأسِهالا وأخذ الله السكارى بما

وقلت متضمناً مكتفياً:

شكوت لمثلي السقاء ما بي من الجوىوقلت عسى يشفي فؤادي من الظما
فحتى لا أحظى بها وإلى متىأقضي زماني في عسى ولعل ما

وقال القاضي عماد الدين أخو قاضي القضاة القاضي الحنفي من قصيدة يمدح بها المقر المرحومي الأوحدي صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية:

أرختْ ذوائبها لنا في الأربعِلتظل فاستغنتْ بها عن بُرْقُعِ
وعدوت أسهرُ في الليالي شعرِهاوهو لفجر الفرق حتى مَطلعِ

وقال:

حكم الزمان بينهم وتشتتيوشماتةُ الأعداء أكبر محنتي
وبسيد الرؤساءِ رُمتُ تخلصامن محنتي فشددت رحل مطيتي
قعدتْ تمدُ خُطاهاوأقولُ عند عيَاها
الأوحدي الأوحدي لتغنمايا ناقتي فزمامكي بيدي دما

الشيخ برهان الدين أمين القيراطي:

خُط للحبِّ عِذَاراًزادني فيه هُيَامَا
قال مثله سريعاًأو فدعُه قلتُ لاما

وأنشدني سيدي أحمد بن مكتم ﵀ من لفظه في مليح اسمه إبراهيم:

إن إبراهيم أورىفي الحشا منه ضراما
ليت قلبي بلقاهنال برداً وسلاما

الضيف التلمساني من قصيد:

وإني الذي أضنيته وهجرتهفهل صلةُ أو عائد منك للذي

آخر:

لا تهجروا من لا تعودَ هَجَركموهو الذي للنأي وصلكم عدي
ورفعتم مقدارَه بالابتداحاشاكم أن تقطعوا صلة الذي

ومن ألطف ما يحكي عن الملك المعظم عيس بن الملك العادل أن أبن أبي عمير كتب إليه وهو ضعيف:

أنظر إلي بعين مولى لم يزلْيولي الندى وتلاف قبل تلافي
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «انظر إلي بعين مولى لم يزل»
أنا كالذي احتاج ما تحتاجهفأغنم دعائي والثناء الوافي

فنزل إليه الملك المعظم بنفسه ومده بثلاثمائة دينار وقال:

أنت الذي وهذه الصلة وأنا العائد

القيراطي في مليح مؤذن:

لي مليحُ مؤذنلم يمل ساعةً إلى
أنت ميت إذا غدافي آذان يقوله

وجمع الشيخ جمال الدين بن نباتة بين الاكتفاء والتضمين واللف والنشر والمطابقة والتورية في موضعين فقال يرثي ولداً توفي قبل الحول:

يا راحلاً عني وكانتْ لهفضائل للخير مرجوة
لم تكتمل حولاً وأورثتنيضعفاً فلا حَولَ ولا قوة
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا راحلا من بعد ما أقبلت»

شيخ الشيوخ الأنصاري مقتبساً:

إن دمعت عيني فمن أجلِهابكى على حالي من لا بَكَى
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
أوقعني إنسانها في الهَوىيا أيها الإنسان ما غرْك
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة

القيراطي من قصيد مقتبساً:

حسنَات الجدِ منه قد أطالت حسراتيكلما شاء فعالا قلت إن الحسنات

ابن نباتة مضمناً:

رشأ رشفت رضابه أم ثعلبما للمحب إلى وقاه بلوغ
عذب اللما متلون يعطيك منطرف اللسان حلاوةُ ويروغُ

الصلاح الصفدي مضمناً:

رشفتُ ريقَك حلواًولم يكن بي صبرُ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «رشفت ريقك حلوا»
وسوف أخص بوصلٍوأول الغثِ قطرُ

ابن تميم مضمناً أيضاً:

لما رأيتُ البدرَ في ساعديونرجسَ الأنجم قَد صوحَا
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
شقا ريقَ بدرِ الدجىمن قبل أن يَرشف شمسَ الضُحى

أبو بكر بن حجة مضمناً:

جاد النسيمُ على الوَبايبسي يديه وقالَ لي
أنا ما أقصر عن ندىًوكما علمتِ شمائلي

ابن حجة مضمناً في وصف مجموع:

يا سيدا أطالعُهإن راقَ معناه فَعُدْ
وافتح له بابَ الرضىوإن تجدُ عيباً فَسُد

وقال:

وبدرُ ثم جميلُمحجبُ بالدلالِ
إذا هممت بأنيأسلو هواه بدا لي

وقال مضمناً:

وشاعرُ فاسقُ أتى امرأةمن ذا شامة المليحِ فلا
وقال إذا عاينوه معتذراًتلجئ الضرورات في الأمور إلى

ابن نباتة في مليح ساقٍ وأجاد:

سقى وأعدني وصلاً أندُ بهعند المنام ولا والله ما وَصَلا
فيا له من ساقٍ مواعدُهكانت مواعيد عرقوب لها مثلا
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «سقى وواعدني وصلا ألذ به»

القيراطي مضمناً في وصف بادهنج:

بروحي أفدي بادهنجاً موكلاًبإطفاء ما يلقاه من ألمِ الجوى
إذا مدحت أوصافه قال مُنْشداعلى أنني راض بأن أحملَ الهَوى

وقال مضمناً أيضاً:

في خد من همتْ به شامةُما الند في نفحته نَدُها
والعنبر الورد غدا مائلاًلا تدعني الابيا عبدها

شمس الدين محمد المزين الدمشقي مضمناً في خادم معه وأجاد:

خادم لألأه يحكيه حسناًفهو كالبدر في الدجى يتلألأُ
قلت قصدي من الأيام مليحُهكذا هكذا وإلا فلا لا

وقلت وهي القافية الموعود بذكرها في القسم الأول الذي قبله:

لئن تاه قومُ بالعلا وترفَعواعلي وما للقطيعة والقَلا
فو الله لا أرضى بِملكهم ولاأرى لهم حكم علي ولاَ ولاَ

وقلت مضمناً في مليح اسمه فرج:

لقد تزايد همي مُذْ فرجُعني وصدري أضحى ضيقاً حرجا
ورحت أشكو الأسى والحالُ يُلذعنييا مشتكي الهم دعه وانتظر فَرَجَا

وقلت مضمناً في مليح لاعب شطرنج:

أراه لاعبَ شطرنج بما يغني عنينفسه وبشامات الخدود فُتِن
إذا دنا لقاطعي صحت من أسفٍما عودوني أحبائي مقاطعة

برهان الدين القيراطي مضمناً للمثل السائر:

مالتْ معاطفُها سكراً على دنفِكأنها من رحيق الثغر قد سَكِرتْ
جئت ما جئت قتيل البين حين أنتوغابت فقال الصُّبُ قد حضرت

وقلت أيضاً مضمناً للمثل السائر:

رامتْ وفَا وعَدي فمذ عانيتمعنفي ولتْ ولم تعطفِ
وزاد تهديدي فنادتُهمهما تشأ فأفعل ودعها تَفي

وكتبت مضمناً لبعض المخاديم أطلب منه كسوةً:

بِكُمْ قد صرت مُكتفياوأنتم سادتي رُكْني
وقد جاء الشتا حقاًوفي التلويح ما يغني

الصلاح الصفدي:

صدق حلى نسماتِ الصبَافي ما روت عَنكم ومَا شَكَا
وقال لا أخبر منها بماجاءت به قلنا ولا أزكى

القاضي مجد الدين بن مكانس وأجاد:

ويلاه من لعس يمر شَفَاًطيب الكسرى عن ناظري حبِسَا
يا قلب لا تقطع رَجاكَ ولاتشكو لأرباب الهَوى لعَسَا

وأحسن منه قوله:

وحقك قد أصبحت بالهجر في شَفَاًويا طالما بالوصل كنت منَعَّما
بكيت كثيراً إذا تنأى معذبيوقطع أشجار الوصالِ وَكلَّما

وقوله:

يقول لي كلْ لي ذهباً بَعدَماأسهر في هجرانِه لَيلا
أو أنثني للغيظِ بعد الرِضىفَكِلتُ في الحالِ له كيلا

السراج الوراق يهجو:

وقطب عند دخولي إليهوتم له القبح معنى وصورة
ولولا الضرورة ما زرتُهعلى الرغم مني وعند الضرورة

تتمته قول ابن هشام الهامي وعند الضرورة يؤتى الكنيف.

ومن الحكايات الظريفة أن الشيخ شرف الدين التنوخي اجتمع مع الشيخ شهاب الدين التلعفري في ليلة أنس عند الملك الصالح فاتفق أن قام الشيخ الدين لضرورة وعاد فأشار إليه الناصر أن يصفع التلعفري فلما صفعه نهض التلعفري على الفور وأمسك بلحية شرف

الدين وتعليق بها وأنشد ارتجالاً ويده فيها لا تفارقها:

قد صفعنا في ذا المحل الشريفوهو إن كنتَ ترتضي تشريفي
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة
فارث للعبد من مضيف صِفاعٍبأوسع الندا وإلا خريفِ

فأنظر إلى بديع هذا لاكتفاء وحسن هذا التقسيم ولطف شمائل هذه التورية وسرعة هذا الارتجال والله أعلم.

النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث: في أقسامه وأمثلته

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.