تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل في ذكر بعض المتشيطنة

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل مخلوق منمنمته في المخطوط إن وُجدت.

وأشهرها الغول، زعموا أن الغول حيوان شاذ مشوه لم تحكمه الطبيعة، وأنه لما خرج مفردا لم يستأنس وتوحش وطلب القفار وهو يناسب الإنسان والبهيمة وأنه يتراءى لمن يسافر وحده في الليالي وأوقات الخلوات فيتوهمون أنه إنسان فيصد المسافر عن الطريق. وقال بعضهم: إن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع تصيبهم الشهب فمنهم من احترق ومنهم من وقع في البحر فصار تمساحا، ومنهم من وقع في البر فصار غولا. قال الجاحظ: الغول كل شيء من الجن يتعرض للفساد ويكون في ضروب الصور والثياب قال كعب بن زهير:

فما تدوم على حال تكون بهاكما تلون في أثوابها الغول
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»

وذكر جماعة من الصحابة ﵃ أنهم رأوا الغول في أسفارهم منهم عمر بن الخطاب ﵁ رأى الغول في سفره إلى الشام قبل الإسلام، فضربه بالسيف وذكر ثابت بن جابر الفهمي رحمة الله عليه أنه لقي الغول وجرى بينها ما ذكر فقال الشاعر المعروف بتأبط شرّا الفهمي في ذلك.

ألا من مبلغ فتيان فهمبما لاقيت عند رحا بطان
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «ألا من مبلغ فتيان فهم»
فإني لقد لقيت الغول تهوىبشهب كالصحيفة صحصحان
فقلت له كلانا نضو دهرأخا سفر فخلى لي مكاني
فشدت شدة نحوي فأهوىلها كفي بمصقول يماني
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «ألا من مبلغ فتيان فهم»
فأضربها بلا دهش فخرتصريعا لليدين وللحران
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «بأني قد لقيت الغول تهوي»
فقالت عد فقلت له رويدامكانك إنني ثبت الجنان
فلم أنفك متكئا لديهالأنظر مضبخا ماذا أتاني
إذا عينان في رأس قبيحكرأس الهر مشقوق اللسان
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «ألا من مبلغ فتيان فهم»
وساق مخدج وسرار كلبوثوب من علا وشنان

(ومنها) السعلاة وهي نوع من المتشيطنة مغايرة للغول. قال عبيد بن أيوب يذكرها:

وساخرة مني ولو أن عينهارأت ما ألاقيه من الهول حبت
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة
أبيت وسعلاة وغول بقفرةإذا الليل وارى الجن فيه أزنت

وأكثر ما توجد السعلاة بالغياض إذا ظفرت بإنسان ترقصه وتلعب به كما تلعب الهرة بالفأرة، رأيت رجلا من بلاد أصفهيد ذكر أن عندهم من هذا النوع كثير، وذكروا أن الذئب ربما يصطادهم بالليل يأكلها فإذا افترسها ترفع صرتها تقول أدركوني فإن الذئب قد أكلني، وربما تنادي من يخلصني ومعي مائة دينار يأخذها، والقوم يعرفون أنه كلام السعلاة ولا يخلصها أحد فيأكلها الذئب.

(ومنها) الغدار وهو نوع آخر من المتشيطنة يوجد بأكناف اليمن وربما توجد بتهائم مصر وأعاليها، يلحق الإنسان فيدعوه إلى نفسه فيقع عليه فإذا أصاب الإنسان منه يقول أهل النواحي أمنكوح أم مذعور، فإن كان منكوحا يئسوا منه لأن له قضيبا كقرن الثور يقتل الإنسان بغرزه فيه، وإن كان مذعورا سكن روعه وشع، والإنسان إذا عاين ذلك يخر مغشيّا عليه وربما لم يكترث لشجاعة نفسه.

(ومنها) الدلهاب وهو نوع آخر من المتشيطنة يوجد في جزائر البحار وهو على صورة إنسان راكب على نعامة يأكل لحوم الناس الذين يقذفهم البحر، وذكر بعضهم أن الدلهاب إذا تعرض لمركب في البحر وأراد أخذهم فحاربوه فصاح بهم صيحة خروا على وجوههم فأخذهم.

(ومنها) الشق وهو نوع آخر من المتشيطنة صورته كنصف آدمي زعموا أن النسناس مركب من الشق والإنسان يظهر للإنسان في أسفاره.

(وذكر) أن علقمة بن صفوان بن أمية خرج في بعض الليالي فانتهى إلى موضع يعرف بحومان فإذا قد تعرض له شق فقال علقمة إني مقتول، وإن لحمي مأكول، أضربهم بالهدلول

ضرب غلاب بهلول، فقال علقمة: يا شق أقبل ما لي وما لك عهد علي بفضلك تقتل من لا يقتلك فقال شق: هيت لك نفسي فاصبر لما قد حم لك فضرب كل واحد منهما صاحبه فقتله فوقعا ميتين وهو مشهور أن علقمة بن صفوان قتله الجن، والله تعالى أعلم.

(ومنها) المذهب ذهب بعض العباد أن لهم شيطانا يقال له المذهب يخدمهم ويريد أن يريهم العجب، وأن بعض العباد نزل به ضيف وأقام عنده أياما لم ير في صومعة العابد أحدا وكان يرى كل ليلة عند الإفطار منارة ومسرجة وخوانا عليه طعام فتعجب الضيف من ذلك وسأل العابد عنه، فأعرض عن جوابه فألح عليه فقال اعلم أن هذا منذ مدة يأتيني به شيطان يريد أن أحمله على كراماتي، وأنا أعلم أنه من الشيطان من أول يوم فعند ذلك انطفأ السراج وزال الطعام، والله الموفق للصواب.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.