من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في حكايات عجيبة عن الجن وما جرى لهم
روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ: «أن إبليس لعنه الله يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأعظمهم فتنة أدناهم منه مجلسا، فيجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثم يجيء أحدهم فيقول: فرقت بينه وبين أهله فيقول: نعم أنت ابني فيدنيه منه».
(ومنها) ما حكي أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان ﵇ نادى جبريل ﵊: أيتها الجن والشياطين أجيبوا بإذن الله تعالى لنبيه سليمان بن داود فخرجت الجن والشياطين من المفازات ومن الجبال والآكام والأودية والفلوات والآجام وهي تقول: لبيك لبيك تسوقها الملائكة سوق الراعي غنمه حتى حشرت لسليمان طائعة ذليلة، وهي يومئذ أربعمائة وعشرون فرقة فوقفوا بين يدي سليمان فجعل ينظر إلي خلقها وعجائب صورها وهم بيض وسود وصفر وشقر وبلق على صورة الخيل والبغال والسباع ولها خراطيم وأذناب وحوافر وقرون فسجد سليمان لله تعالى وقال، اللهم ألبسني من القوة والهيبة ما أستطيع النظر إليهم فأتاه جبريل ﵇ وقال: إن الله تعالى قواك عليهم قم من مكانك فقام والخاتم في أصبعه فخرت الجن والشياطين ساجدة، ثم رفعت رؤوسها وقالت: يا بن داود إنا قد حشرنا إليك وأمرنا لك بالطاعة، فجعل سليمان ﵇ يسألهم عن أديانهم وقبائلهم ومساكنهم
وطعامهم وشرابهم وهم يجيبونه فقال لهم ما لكم صوركم مختلفة وأبوكم الجان واحد، فقالوا: إن اختلاف صورنا لاختلاف معاصينا واختلاطه بنا ومناكحتنا مع ذريته، فنظر سليمان ﵇ فرأى المردة يهمون بالفساد، والملائكة يحولون بينهم وبين ذلك بالأعمدة فصفد المردة وفرقهم في الأعمال المختلفة من عمل الحديد والنحاس وقطع الأحجار والصخور وأبنية الحصون وأمر نساءهم بغزل القز والإبريسم والقطن ونسج البسط والنمارق، وأمر بعضهم بعمل المحاريب والتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات فاتخذوا له قدورا من الحجارة كل قدر تأكل منها ألف نسمة، وأشغل طائفة منه بالطحن، وطائفة بالخبز وأخرى بالذبح والسلخ، وطائفة بالغوص في البحار لاستخراج الجواهر واللآلى، وطائفة لحفر الآبار والقني وشق الأنهار، وطائفة لاستخراج الكنوز من تحت الأرض، وطائفة بالمعدنيات واستخراجها من المعدن، وطائفة برياضة الخيل الصعاب، فأشغل كل طائفة منهم بأمر صعب ليقل فسادهم ويكون قوة ملكه.
وقال وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه: كان سليمان ﵊ إذا شرب الماء كلحت الشياطين في وجهه وهو لا يراهم لأن الكوز كان يمنعه، فكره ذلك منهم فاتخذ له صخرا لجني الأواني من القوارير كان يشرب ولا يمنعه ذلك رؤية الشياطين ثم أمره أن يتخذ له مدينة من القوارير لا تحجب سقوفها وحيطانها شيئا، فبنى مدينة على طول عسكر سليمان ﵊ وعرضه، وجعل لكل سبط من الأسباط فيها قصرا في طول ألف ذراع وعرض مثله، وفي كل قصر دور ومجالس وبيوت، وعرف للرجال والنساء، ثم بنى مجلسا في طول ألف ذراع، وعرضه كذلك ليجلس فيه العلماء والقضاة، ثم بنى سليمان ﵇ قصرا رفيعا عجيبا في طول خمسة آلاف ذراع وعرضه مثله، وزخرفه بأنواع القوارير ورصعه بأنواع الجواهر، وكان سليمان ﵊ إذا ركب الريح على بساطه في هذه المدينة يرى كل شيء كان على بساطه خارج المدينة لصفاء القوارير حتى الطباخين والخبازين وجميع من ركب بساطه من الجن والإنس والخيل والخدم والحشم وكان الكل بمرأى من سليمان ﵊، والريح تمشي بأمره رخاء حيث أصاب.
وقال وهب بن منبه: لما رد الله تعالى على سليمان ملكه أمر الريح الصرصر حتى حشرت إليه شياطين الدنيا فرآهم سليمان ﵇ على صور عجيبة، منهم من كانت وجوههم إلى
أقفيتهم ويخرج النار من فيه، ومنهم من كان يمشي على أربعة، ومنهم من كان له رأسان، ومنهم من كانت رءوسهم رءوس الأسد وأبدانهم أبدان الفيلة، فرأى سليمان ﵇ شيطانا نصفه صورة الكلب ونصفه صورة السنور وله خرطوم طويل، فقال له: من أنت؟ فقال أنا مهر بن هفان بن فيلان فقال سليمان ﵇ ما عندك من الأعمال؟ فقال: عندي عمل الغناء وعصر الخمر وشربه وأزين الشرب والغناء لبني آدم فأمر بتصفيده، ثم مر به أخر قبيح الشكل أسود له سمج الكلاب والدم يقطر من كل شعره على بدنه، وهو قبيح الشكل جدا فقال له من أنت؟ قال: أنا الهلهال بن المحول فقال له: ما عملك؟ فقال: سفك الدماء فأمر بتصفيده، فقال: يا نبي الله لا تقيدني فإني حشرت إليك جبابرة الأرض، وأعطيك العهد والميثاق أن لا أفسد في مملكتك فأخذ عليه الميثاق ظافر، وختم على عنقه وأطلقه.
ومر به آخر في صورة قرد له أظافر كالمناجل، وهو قابض على بربط فقال له: من أنت؟ فقال: أنا مرة بن الحارث، فقال له: ما عملك؟ فقال: أنا أول من وضع هذا البربط وحركها فلا يجد أحد لذة الملاهي إلا بي فأمر بتصفيده.
قال أبو عبيدة: خرج عبيد بن الأبرص يريد الشام فلما كان ببعض الطريق عرض له شجاع يلهث عطشا، فعمد عبيد إلى راوية ونزل عن بعيره وسقى الشجاع حتى روي ثم مضى حتى أتى الشام وقضى حاجته وانصرف، فإذا في بعض الليالي أضل بعيره ونكب عن الطريق وساء ظنه وإذا هاتف يقول:
يا صاحب البكر المضل مذهبهدونك هذا البكر منا فاركبه
حتى إذا الليل تراءى عيهبهوأقبل الصبح ولاح كوكبه
فحط عنه رحله وسيبه.
فرأى بعيرا فاستوى على ظهره فلم يلبث أن رأى باب داره وكان على مسيرة عشرين مرحلة فأقبل يحط عنه الرحل وهو يقول:
يا صاحب البكر قد أنجبت من كرمومن فياف تضل المدلج الهادي
هلا بدأت لنا خلوا لنعرف منهذا الذي جاد بالنعماء في الوادي
ارجع حميدا فقد بلغت حاجتنابوركت من ذي سلام رائح غادي
فأجابه بقوله:
أنا الشجاع الذي أرويتني ظمأفي ضحضح خصب عن أهله صادى
وجدت الماء لما عز مطلبهنصف النهار على الرمضاء في الوادي
هذا جزاؤك منا لا تمن بهلك الجميل علينا إنك البادي
الخير يبقى وإن طال الزمان بهوالشر أخبث ما أوعيت من زاد
قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: وفدت إلى رسول الله ﷺ فأمسيت بواد وحدي فإذا شخص واقف علي فقال لي: انطلق قلت وأنا آمن؟ قال: نعم، فذهبت معه إلى جميع شيب وشبان فقالوا: إنسي؟ قال: إنسي، قالوا: أنشدنا فأنشدتهم:
ودع هريرة إن الركب مرتحل
فضحكوا وقالوا: شعر سجل، ادعه يا غلام فأقبل شخص كأنه رمح ورأسه مثل قلة، فقالوا: هذا إنسي أنشدنا من شعرك قال جرير: فحدثتهم إلى الصبح وعلموني دواء لا أحد يعرفه إلى اليوم فلما قدمت إلى رسول الله ﷺ وأخبرته به قال حدث الناس به.
وقد جرى ذكر الجن في مجلس عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال رجل من بني الحارث: خرجت عاشرة عشرة أريد الشام فتأخرت عن أصحابي حتى اختلط الظلام، فرفعت لي نار فقصدتها، فإذا بخيمة أمامها جارية جميلة فقلت لها ما تصنعين في هذا المكان؟ فقالت: أنا جارية من فزارة اختطفني عفريت وهو يغيب عني بالليل ويأتيني بالنهار، قلت لها: امضي معي، فقالت: إني أخاف على نفسي الهلاك فألححت عليها فأركبتها ناقتي وجعلت أمشي فسرنا حتى طلع القمر فالتفت، فإذا ظليم عظيم عليه راكب، فقالت: ها هو قد أتى فما تريد أصنع فنزلت، وأنخت راحلتي وخططت حولها وقرأت آية من القرآن وتعوذت بالله فتقدم إليّ وأنشد يقول:
يا ذا الذي للحين يدعوه القدرخل عن الحسناء رسلا ثم سر
إني أمر مالك حين فاصطبر
فأجبته وقلت:
يا ذا الذي للحين يدعوه الحمقخل عن الحسناء رسلا وانطلق
فلست في الجن بأول من عشق.
فبرز إلي في صورة أسود فتصارعنا فلم يغلب أحد منا صاحبه فقال لي: هل لك في خصال ثلاث؟ قلت: ما هي قال تجز ناصيتي وتعرض عن الجارية، قلت: ناصيتك أهون شيء علي، قال:
فتأخذ ما تشاء من الإبل، قلت: لا أبيع ديني بعرض الدنيا قال: فأخدمك أيام حياتي، قلت: ما لي إلى خدمتك حاجة فأنشد يقول:
بلي جسدي والحب يبلى جديدهولم يبل مني إذ بلي جسدي وحدي عليك
سلام الله يا دعد ما جرترياح الصبا في الغور يوما وفي نجد
فسرت بها إلى أهلها فزوجنيها أهلها ولي منها أولاد.
(وحكى) بعض الرعاة أنه نزل بواد بغنمه فسلب ذئب شاة من غنمه، فقام ورفع صوته ونادى يا عامر الوادي، فسمع صوتا يقول: يا سرحان رد عليه غنمه جاء الذئب بالشاة وتركها وذهب.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع