من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)
كتاب الياقوتة في العلم والأدب
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عَبد ربِّه: قد مضى قولًنا في مُخاطبة الملوك ومقاماتهم وما تفنَّنوا فيه من بديع حِكَمهم والتزلّف إليهم بحسن التوصل ولطيف المعاني وبارع مَنطقهم واختلاف مذاهبهم ونحن قائلون بحمد الله وتوفيقه في العلم والأدب فإنهما القُطبان اللذان عليها مَدار الدين والدنيا وفَرْقُ ما بين الإنسان وسائر الحيوان وما بين الطَّبيعة المَلَكية والطبيعة البهيمية.
وهما مادَّة العقل وسراج البدن ونُور القَلب وعماد الرُّوح وقد جَعل الله بلطيف قُدْرته وعظيم سُلطانه بعضَ الأشياء عَمَداً لبعض ومُتولِّدًا من بعض فإجالة الوَهم فيما تُدْركه الحواسّ تَبعث خواطر الذِّكر وخواطر الذكر تنبه رؤية الفِكْر وروية الفِكْر تثير مكامِن الإرادة والإرادة تُحْكم أسباب العمل فكلُّ شيء يقوم في العقل وُيمثل في الوهم يكون ذِكْرِا ثم فِكْرا ثم إرادة ثم عملا.
والعقل متقبل للعِلْم لا يعمل في غير ذلك شيئاَ.
والعلم علمان: علم حُمِل وعلم استُعمل فما حُمل منه ضرّ وما استُعمل نَفع.
والدليل على أن العقل إنما يعمل في تقبل العُلوم كالبصر في تقبل الألوان والسمع في تقبل الأصوات أن العاقل إذا لم يُعلَّم شيئا كان كمن لا عقل له والطِّفل الصغير لو لم تعرِّفه أدبا وتُلقنه كتابا كان كأبله البهائم وأضلِّ الدواب فإن زَعم زاعمِ فقال: إنا نجد عاقلا قليلَ العِلم: فهو يَستعمل عقله في قلّة علمه فيكون أشدَ رأياَ وأنبه فِطنةً وأحسنَ مواردَ ومَصادِرَ من الكثير العِلم مع قَلّة العَقْل فإنَّ حُجَّتنا عليه ما قد ذكرناه من حَمْل العِلْم واستعماله فقليل العِلْم يستعمله العَقل خَيرٌ من كثيره يحفظه القلب.
قيل للمُهلِّب: بِمَ أدركتَ ما أدركتَ قال: بالعِلم قيل له: فإن غيرك قد عَلم أكثر مما عَلِمتَ ولم يُدرك ما أدركت قال: ذلك عِلم حُمِل وهذا علم استُعْمل.
وقد قالت الحكماء: العِلمُ قائد والعَقل سائق والنَّفس ذَوْد فإذا كان قائد بلا سائق هلكت «الماشية» وإن كان سائق بلا قائد أخذتْ يميناً وشمالا وإذا اجتمعا أنابت طَوْعاً أو كَرْهاً.
فنون العلم قال سهل بن هارون يوماً وهو عند المأمون: مِن أصناف العلم مالا ينبغي للمُسلمين أن يَرْغبوا فيه وقد يُرغب عن بعض العِلم كما يُرغب عن بَعض الحلال فقال المأمون: قد يُسمِّي بعضُ الناسِ الشيءَ عِلماً وليس بعلمِ فإن كان هذا أردتَ فوَجْهُه الذي ذَكرتُ ولو قلتَ أيضاَ: إِنّ العلم لا يُدْرَك غوْرُه ولا يُسْبر قَعْره ولا تُبلغ غايتهُ ولا تُستقىَ أُصوله ولا تَنْضَبط أجزاؤُه صدقتَ فإن كان الأمر كذلك فابدأ بالأهمِّ فالأهمّ والأوكد فالأوكد وبالفَرْض قبل النَّفل يكن ذلك عَدْلا قصداً ومذْهباً جَمِيلاَ.
وقد قال بعضُ الحُكماء: لستً أَطلب العلْم طمعاً في غايته والوقوف على نِهايته ولكن التماسَ مالا يسع جَهلُه فهذا وَجهٌ لما ذكرت.
وقال آخرون: عِلْم المُلوك والنَّسب والخَبَر وعِلمُ أصحاب الحُروب درْس كُتبِ الأيَّام والسِّير وعِلم التجَّار الكِتاب والحساب فأما أن يُسمَّى الشيء عِلماً وًينهى عنه من غير أن يُسأل عما هو أنفع منه فلا.
وقال محمد بن إدريس رضي الله عنه: العِلم علمان: عِلم الأبدان وعِلم الأديان.
وقال عبد الله بن مُسلم بن قُتيبة: من أراد أن يكون عالماً فليطلب فنًا واحداً ومن أراد أن يكون أديباً فَلْيتسع في العلوم.
وقال أبو يوسُف القاضي: ثلاثة لا يَسلمون من ثلاثة: مَن طلب الدِّين بالفلسفة لمِ يَسلم من الزَّنْدَقَة ومَن طلب «المالَ» بالكِيمياء لم يَسلم من الفَقْر ومن طلب غرائبَ الحديث لم يَسلم من الكذب.
وقال ابن سِيرين رحمه اللهّ تعالى: العِلْم أكثرُ من أن يُحاط به فخُذوا من كلِّ شيء أحسنه.
وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: كَفَاك من عِلم الدِّين أن تَعرف مالا يسع جهلُه وكفاك من عِلم الأدب أن تَرْوِي الشاهد والمَثل قال الشاعر: وما من كاتب إلا ستبقى كِتابتهُ وإن فنيت يدَاه فلا تكتب بكفِّك غير شيء يَسرّك في القِيامة أن تَراه وقالوا: مَن أكثر من النَّحْو حَمّقه ومن أكثر من الشعر بذَّله ومن أكثر من الفِقه شرَفه.
وقال أبو نُواس الحسن بن هانئ: كم من حَديث مُعْجِب عندي لكا لو قد نبذتَ به إليك لسركا ممَّا تَخَيَّره الرواة مُهذّب كالدُّرِّ مُنتظماً بِنحْرٍ فَلَّكَا أَتتبع العُلماءَ أكتبُ عنهمُ كيما أُحدِّثَ من لقيتُ فَيَضْحكا الحض على طلب العلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال الرجلُ عالماً ما طَلب العِلم فإذا ظَنَّ أنه قد عَلِم فقد جَهل.
وقال عليه الصلاةُ والسلام: الناسُ عالمٌ ومُتعلِّم وسائرهم هَمَج.
وعنه صلى الله عليه وسلم: إنّ الملائكة لتَضَع أجنحتَها لطالب العِلم رِضاً بما يَطلب وَلمِدَاد جَرت به أقلامُ العُلماء خيرٌ من دماء الشّهداء في سبيل الله.
وقال داود لابنه سُليمان عليهما السلام: لفَّ العِلْم حولَ عُنقك واكتُبه في ألواح قَلبك.
وقال أيضاً: اجعل العِلْم مالَكَ والأدب حِلْيتك.
وقيل لأبي عمرو بن العَلاء: هل يَحْسُن بالشَيخ أن يتعلًم قال: إن كان يَحسن به أن يعيش فإنه يحسن به أن يتعلم.
وقال عُرْوة بن الزُّبير رحمه اللهّ تعالى «لبنيه»: يا بنيَّ اطلبوا العِلم فإن تكونوا صِغار «قوم» لا يُحتاج إليكم فعسى أن تكونوا كبارَ قوم آخرين لا يستغني عنكم.
وقال ملك الْهِند لولده وكان له أربعون ولداً: يا بني أكثِروا من النظر في الكتب وازدادوا في كل يوم حرفاً فإن ثلاثةً لا يَستوْحشون في غُربة: الفقِيه العالم والبَطَل الشجاع والحُلوُ اللسان الكثير مخارج الرأي.
وقال المُهَلّب لبَنِيه: إياكم أن تجلسوا في الأسواق إلا عند زَرَّاد أو وَرَّاق أراد الزرَّاد للحرب والورَّاق للعلم.
وقال الشاعر: نِعْمَ الأنيسُ إذا خلوْتَ كِتَابُ تَلْهو به إن خانَكَ الأحبابُ لا مُفْشِياً سرّا إذا استودعتَه وتُفاد منهُ حكمةٌ وصَوَابُ وقال «آخر»: ولكلِّ طالب لذّة مُتنزَه وألذُّ نُزهة عالمٍ في كُتْبهِ ومَرَّ رجل بعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وهو جالس في المَقْبرة وبيده كتاب فقال له: ما أَجلسك هاهنا قال: إنه لا أوْعظَ «مِن» قبر ولا أَمتع من كتاب.
وقال رُؤْبة بن العجَّاج: قال لي النسِّابة البَكْري: يا رُؤبة لعلك من قوم إن سَكَتُّ عنهم لم يَسأَلوني وإن حَدَّثتُهم لم يَفْهموني قلتُ: إني أرجو أن لا أكون كذلك.
قال: فما آفة العلم ونَكَده وهُجْنته قلت: تُخبرني قال: آفتُه النسيان ونَكَده الكذب وهُجْنته نشره عند غير أهله.
وقال عبد اللهّ بن عبَّاس رضوان الله عليهما: مَنْهومان لا يَشبعان: طالِب علم وطالب دنيا.
وقال: ذَلَلتُ طالباً فعَزَزْتُ مطلوباً.
وقال رجل لأبي هُريرة: أُريد أن أطلب العِلْم وأخاف أن أضيِّعه قال: كفاك بترك طَلَب العِلم إضاعةً له.
وقال عبد اللهّ بن مسعود: إن الرجل لا يُولد عالماً وإنما العِلم بالتعلّم.
وأخذه الشاعر فقال: تَعَلم فليسَ المرء يُولد عالماً وليس أخو عِلم كمن هو جاهلُ ولآخر: ولآخر: ولم أر فرعاً طال إلا بأصْلهِ ولم أرَ بَدْءَ العِلم إِلا تَعَلّما وقال آخر.
العِلْم يُحْي قُلوبَ الميِّتِين كما تَحْيا البلادُ إذا ما مَسَّها المَطَرُ والعِلم يَجْلو العَمَى عن قَلْب صاحِبه كما يُجَلِّي سوادَ الظُّلْمة القمَر وقال بعضً الحكماء: اقصِد من أصناف العِلم إلى ما هو أشهى لنفسك وأخفُّ على قَلبك فإنّ نفاذَك فيه على حَسب شَهوَتك له وسُهولتِه عليك.
في هذا الباب
- فضيلة العلم
- انتحال العلم
- تحامل الجاهل على العالم
- عويص المسائل
- التصحيف
- طلب العلم لغير الله
- باب من أخبار العلماء والأدباء
- البلاغة وصفتها
- فصول من البلاغة
- آفات البلاغة
- باب الحلم ودفع السيئة بالحسنة
- باب السودد
- باب الطيرة
- فساد الإخوان
- باب في الكبر
- باب في التواضع
- باب في الغلو في الدِّين
- رد المأمون على الملحدين وأهل الأهواء
- باب من أخبار الخوارج
- باب من كلام المتكلمين
- باب في الحياء
- أدب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم
- باب أدب النبي لأمته صلى الله عليه وسلم
- باب في آداب الحكماء والعلماء
- الأدب في المماشاة
- باب السلام والإذن
- باب في تأديب الصغير
- باب الاعتضاد بالولد
- باب في التجارب والتأدب بالزمان
- باب الأدب في تشميت العاطس
- باب الإذن في القبلة
- باب الأدب في العيادة مَرِض
- باب الأدب في إصلاح المعيشة
- باب الأدب في المؤاكلة
- باب الكناية والتعريض
- الكناية عن الكذب في طريق المدح
- باب في الكناية والتعريض في طريق الدعابة
- باب في الصمت
- باب في المنطق
- التَمتمة في المنطق
- باب في الإعراب واللحن
- باب في اللحن والتصحيف
- باب نوادر من النحو
- باب في الغريب والتقعيب
- باب في تكليف الرجل ما ليس من طبعه
- باب في ترك المشاراة والمماراة
- باب في سوء الأدب
- باب في تحنك الفتى
- باب الحنكة والحذق والتَجربة
- باب في الرجل النفاع الضرار
- باب في طلب الرغائب واحتمال المغارم
- باب في فضل المال
- الخضاب
النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع