تجاوز إلى المحتوى

من «التمام في تفسير أشعار هذيل» لابن جني (ت ٣٩٢هـ)

شعر أبي صخر

قال " من الطويل ":

تعزيت عن ذكر الصبا والحبائبِ

فيها:

ولو انهم قالوا لقد كنت مرةعرفت ولم أنكر جواب المجاوب

قال: أراد كنت تحبهن فكيف تنهانا. إذا استضعف من جهة السماع ومن طريق القياس جميعا حذف خبر " كان " وقلما مَرَّ بي منه، ووجه ضعفه من قبل القياس أن خبر " كان " إنما لزمها ليفاد منه الحدث المخترم منها، ألا ترى انك إذا قلت: " كان زيد قائما "، فإنك إنما استفدت الحث الذي هو القياس من قائم لا من " كان "، ف " كان " خبرها جميعا يفيدان ما يفيده الفعل مجردا بنفسه. فكما لا يجوز انفكاك الفعل من دلالة الحدث إلا في هذه الأفعال التي لزمها أخبارها أعواضا مما جردت منه من أحداثها، أعني كان وأخواتها من نحو: أصبح وأمسى وبقية الباب، فكذلك لا يحسن حذف خبر " كان " لما ذكرت لك، وليس كذلك خبر المبتدأ لانه لم يؤت به عوضا من حذف مخترم فيلزم ترك حذفه كما يترك خبر الحديث من المثال المصوغ لتحصيل الحدث في أحد الأزمنة وهي المثل التي يسميها النحويون الأفعال. فهذا وجه امتناع حذف خبر " كان " وأخواتها من طريق القياس، فإن جاء فيها شيء من ذلك فهو لامرين، أحدهما: انه في الأصل خبر المبتدأ وقد ساغ واطرد حذف خبره، والآخر: انه قد شابه المفعول بانتصابه بعد المرفوع، والمفعول سائغ شائع حذفه.

وفيها:

فإن يلبسوا بُرْدَ الشبابِ وخالهوأغتدِ في أطمار أشعت شاحبِ

عين " الحال " ياء لانه من الخيلاء قال: والخال ثوب من ثياب الجُهَال.

وفيها:

قصار الخطى شم شُموس عن الخناخدال الشَّوى فتح الأكفِّ خراععبِ

شُموس: شامسة كقاعد وقعود، كسَّره على حذف الزيادة، ويجوز أن يكون جمع " شَموس "، فقد كسروا " فَعِيلة " على " فُعول "، أنشد الفراء " من الوافر ":

وذبيانية أوصت بنيهابأ كذبَ القراطفُ والقطوفُ
للشاعر معقر بن حمار البارقي، اقرأ القصيدة

وقال: هو جمع قطيفة، ومثله: منيئة ومُنُوء، وسفينة وسفوف، و " فَعول " أخت " فَعيل " كسروا أيضا " فَعول " على " فُعول ".

كمورِ السُقي في حائر غَدق الثرىعذاب اللمى يُحبين طَلَّ المناسبِ

قال: السُقي، التي تسقي الماء، ينبغي أن يكون " السقي " جمع سُقيا،

وهو على حذف المضاف كأنه قال: كمور ذوات السقي، ثم أقام المضاف إليه مقام المضاف وفيها:

فلا تغتبط يوما بدنيا ولو صفتولا تأمنن الدَّهرَ صَرْفَ العواقبِ

نكر " دنيا " وهي تأنيث الأدنى، وأنت لا تقول في الصغرى صُغرى، ولا في الكبرى كبرى لكنه لما كثر استعمالها اسما شبهت بغيرها من الصفات نحو الرجعي والعذري والعمري، وقد قال العجاج:

في سعي دنيا طالما قد مَدّت

وحكي ابن الأعرابي فيها الصرف، وقال أيضا: شهبوها ب " فُعْلَل ". الصرف يدل على تنقل حالها وبعدها عن حكم أخواتها.

وفيها:

فَحرّ على سيف العراقِ ففرشهفأعلام ذي قوس بأدهم ساكبِ

عين " السيف " ياء كما ترى، ويدل عليه قولهم في جمعه: أسياف، فهذا كنيق وأنياق، وريق وأرياق، قالوا ومنه قولهم: درهم مُسيّف، لأنه لا كتابة حوله كما أن السيف أجرد لا يُنبت شيئا، ومنه عندي قولهم: السيف، لانصلاته وانجراده.

فلمّا علا سودّ البصاقِ كفاتُهتُهيب الذرى منه بِدُهْمٍ مقارب
فجلل ذا عَير فالإسناد دُونَهوعن مخمص الحُجاج ليس بناكب

ويروى: ذا عنز، وكلاهما جبل، والبقة الحرة. إن شئت جعلت جواب " لمّا " تهيب وكان لفظ المضارع في معنى الماضي كأنه قال: أهابت وجعلت على هذا قوله: فجلل عطفا على " أهابت " الذي تهيب في موضعه، وإن شئت جعلت " يهيب " حالا منه وجعلت الجواب قوله: " فجلل "، واعتقدت زيادة الفاء. أي: فلما كان ذلك جلل، وزيادة الفاء مشهورة قد مضى صدر منها في صدر هذا الكتاب. وأما قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب " ففيه دليل على جواز تقديم خبر " ليس " عليها، ألا ترى أن " عن " هنا متعلقة بناكب الذي هو خبر " ليس " وقد قدمه عليها، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل، ومثله قول الله سبحانه: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم)، ف " يوم " متعلق بمصروف، ويحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون " يوم " متعلقا بما دل عليه: (لَيْسَ مَصْروفا عَنْهُمْ). ألا ترى أن معناه: يوم يأتيهم يحيق ويقع بهم كما أن قوله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لا بُشْرى يومئذ للمُجرمين) في معنى: يوم يرون الملائكة يساؤون ويحزنون، والآخر: أن يكون (يوم يأتيهم) متعلقا بنفس " ليس "؛ لانه إذا جاز أن ترفع وتنصب للفظها كذلك يجوز أن يتعلق الظرف بها أيضا للفظها. قال لي مرة أبو علي ﵀: الظرف يعمل فيه الوهم مثلا، وكذلك أيضا يكون قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب "، في معنى عن مخمصهم لا ينكب فيتناوله ما دل عليه قولهم " ليس بناكب "، وإن شئت أيضا علقته بنفس " ليس " لأن حرف الجر يجري مجرى الظرف في تناوله أضعف العوامل، ألا ترى إلى قولهم: " هذا مارٌ بزيدٍ أمسِ " فتعلق الباء باسم الفاعل وإن كان ماضيا، ولكن كما جاز أن تعلق به أمس كذلك جاز أن تعلق به الباء، وقد مر بي للجحاف " بن حكيم " السلمي " من الطويل ":

أبا مالك هل لمتني مُذ حضضتنيعلى القتل أم هل لامني لك لائم

وفيها:

يميل قفازاً لم يك السيل قبلهأضَرَّ بها فيها جباب الثعالبِ

" القفاز ": الصخور واحدتها قفازة، ويروى " قفاز "، وهو مكان، ويروى " جحاش الثعالب " أي أولادها. أراد لم يكن السيل فحذف النون لالتقاء الساكنين وكان قياسه إذ كان موضعا تتحرك فيه النون إن يقرها لقوتها بالحركة ولا يحذفها، ألا ترى أنّ من قال: " لم يك زيدٌ قائما " إنما يقول: لم يكن الرجل قائما، فيحرك النون ولا يحذفها على أنه قد جاء نحو هذا محذوفا، روينا عن قطرب في كتابه الكبير " من الرمل ":

لم يك الحق سوى إن هاجهرسم دار قد تعفّى بالسّرَر

أراد: ولم يكن الحق، فحذف، وأن كانت النون متحركة، ووجه ذلك عندي شيئان، أحدهما: أن يكون قَدّر حذف النون قبل مجيء الساكن بعدها، فلما جاء الساكن من بعد أمضاه على سبق الحذف إلى ما قبله كما قال أبو بكر في قول من قال: " هذا القاضِ " بلا ياء إنه حذف الياء قبل

دخول اللام أقرّ الحذف بحاله لأنه ألحقها حرفا قد حذفت ياؤه، ومثله قوله أيضا في قوله " من الوافر ":

وطرتُ بمنصُلى في يعملاتدوامي الأيدِ يخبطن السريحا

إنه الحق اللام " أيد " فأقر حذف الياء على ما كان عليه، وقوله أيضا في قوله " من الكامل ":

كنواحِ ريش حمامةٍ نجديةومسحتِ باللثتين عصفَ الأثمد
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «كنواح ريش حمامة نجدية»

ألحق الإضافة بعد أن حذف الياء فبقيت بحالها محذوفة، فهذا وجه، والآخر: أن يكون لم يعتد حركة النون لالتقاء الساكنين فعلم إنه متى حركها لم يغن عنده شيئا وكانت حركة التقاء الساكنين في حكم السكون بدلالة قولهم: اردد الباب، واحلل الحبل، وغير ذلك. ومثل الحذف ها هنا مع الحركة أيضا قول بعض بني أسد " من الطويل ":

فاِلاُّ تك المرآة أبدت وسامةًفقد أبدت المرآة جبهة ضيغم

وفيه ضرورة أخرى وهي إنه حذف النون مع إدغام اللام فيما بعد، وذا أشد، ألا ترى إن من قال في بني العنبر: بلعنبر، وفي بني الحارث: بلحارث، لم يقل في بني النجار: بنّجار، لئلا يجمع بين الإعلالين: الحذف والإدغام؛ ووجه جوازه عندي على قلته وضعفه إن إدغام حرف

التعريف لا يكاد يُعتد ألا ترى إنه قد يدغم في أماكن كثيرة لو كان غير لام التعريف فيها لم يدغم نحو التبْن، فتدغم لامه في التاء ولو كانت غير لام التعريف لم يدغم نحو: التفت والتفات والتقاء، وكذلك الطلب، فتدغم، وتقول: " هل طلبت؟ " فلا تدغم وكذلك الثقال، فتدغم، وتقول: هل ثبت؟ فلا تدغم، فلما كثر إدغام لام التعريف في الأماكن التي يظهر فيها غيرها كانت المعاملة كأنها مع الأكثر الذي هو الإظهار، وسقط فيه لما ذكرنا حكم الإدغام، فصار لذلك قوله: لم يك السيل، كقوله: لم يك المطر، فلم يبق فيه حكم للإدغام وبقى الاعتذار من الحذف.

وفيها:

رفعت له صَدْري وأيقنت أنهأزامل نجم حاله غير كاذب

" الأزامل ": الأصوات. القول فيه عندي إنهم سموا الصوت أزملاً من الزميل وهو الرديف، والتقاؤهما إن الرديف يأتي بعد الراكب كما إن الصوت تتبعه حَنَّةٌ إن كان ذا حنين أو صدى يعارضه تابعا له ولاحقا به، فمن هناك التقاؤهما.

وفيها:

ليروي صدى داود واللحد دونهوليس صدى تحت العِداء بشارب

ينبغي أن يكون لام " الصدى " ياء لاستمرار الإمالة فيها، وأما " داود "

فيجوز همز واوه للزوم الضمة لها فتقول: " داؤد " فإن كسّرته بعدما همزته فقياسه عندي إن تقر همزته بحالها ولا تردها إلى الواو وإن كانت الضمة قد زايلتها فتقول: دوائيد بوزن دواعيد، وكذلك أيضا تجيز في طاووس إن تهمزه فتقول: طاؤوس، فإن كسرت قلت: طواويس. وليس الهمز لاكتناف ألف التكسير الواوان لو كان ذلك لصحت الواو لبعدها عن الطرف بالياء كما صحت في طواويس لبعدها عنه بالياء، لكن لما دخل العين من الهمز في الواحد، فإن قلت: فكيف أقررت الهمزة وقد زالت الضمة التي عنها كان وجوبها؟ قيل: إن العين إذا قلبت همزة جرت لقوة العين مجرى الهمزة الاصلية، ولذلك قال سيبويه في تحقير قائم: قويئم، قال: فأجريته مجرى همزة سائل، وعلى ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم في قلب أدؤر: آدُر ولم يقل مع زوال الضمة: أوْدر، أفلا ترى كيف أجرتها العرب لأنها عين مجرى همزة أرؤس إذا قلت آرُس، فعلى هذا تقول في داود إذا همزته دوائيد بون دواعيد فأعرف ذلك. وأما قوله " دونه " فإنه ظرف في موضع الحال من " اللحد " أي: ويروي اللحد معترضا دونه أو حائلا دونه كقولك: " مررت بزيد وعمروٌ عنده "، ف " عنده " في موضع نصب لكونه حالا من عمرو وذلك أن الظرف يجري صفة على النكرة، وما جرى على النكرة صفة جرى على المعرفة حالا كقولك، مررت برجل قائم، ومررت بزيد قائما. قال أبو سعيد: والعداء الصخر الذي يوضع على القبر. لام " العداء " واو لأنه يعدو عنه ما يلم به أي يثنيه ويصرفه، ولأن بعضهم قد قال فيه: " عِدْوٌ " بوزن: جرو.

ولكن يقر العين والنفس أن ترىبعقدته فضلات زرق دواعب

نصب " النفس " بفعل آخر مضمر كأنه قال: يقر العين ويطيب النفس كقوله " من الكامل ":

فعلا فروع الأيهقان وأطلقتبالجلهتين ظباؤها ونعامها

أي: وأفرخت نعامها. وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد أبن يحيى " من الطويل ":

تراه كأنَّ الله يجدع أنفهوعينيه إن مولاه أمسى له وفر
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ومولى كمولى الزبرقان دملته»

أي: ويفقأ عينيه، وقرأت عليه أيضا عنه:

تسمع للأجواف منه صَرَداوفي اليدين جُسْأةً وبَددا

أي: وترى في اليدين جساوةً، والمشهور في هذا: متقلدا سيفا ورمحاً، وقرأت على أبي بكر أيضا عن أحمد بن يحيى:

علفتها تبناً وماء بارداًحتى شتت هَمّالةً عيناها

أي: وسقيتها ماءً بارداً. وأما " فضْلات " فإسكان عينها وهي اسم لا وصف ضرورة، أنشدنا أبو علي لذي الرمة " من الطويل ":

أبت ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحشاءَ قلبهخفوقاً ورفضات الهوى في المفاصل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

وقال الآخر " من الطويل ":

ولكنَّ نَظْراتٍ بعينٍ مريضةٍالآل اللواتي قد مضَلْن بنا مَثْلا

وقول الآخر " من الطويل ":

فراعَ ودَعْوات الحبيب تروع

وأنشدني بعض أصحابنا " من الرجز ":

عَلَّ صُروفَ الدهرِ أو دُولاتِهاتُديلنا اللمَّةَ من لَمّاتِها

فتستريحَ النَفس من زفْراتها

الغرض: زَفَراتها.

وفيها:

فعجلت ريحان الجنان وعُجّلوازمازيم فوّار من النار شاهِبِ

اراد: " فعجل لي ريحان الجنان، وعجل لهن زمازيم فوّار "، فقلب للعلم بالموضع، والقلب كثير منه قوله:

أسلموها في دمشق كماأسلمت وحشية وَهقا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

ما أمسك الحبلَ حافرُه

ومنه:

أوبلغت سوآتِهم هَجَرُ

ومنه: " إذا طلعت الشعري واستوى العودُ على الحِرباء "، وشاهب أراد أشهب، فبناه على " فاعل " وقالوا شيء ثاقل بمعنى ثقيل، قال وروينا عن الفراء:

ممكورة غرثي الوشاح السالستضحك عن ذي أشر غضارس

يريد: السلس، وقرأت على أبي سهل أحمد بن زياد بن محمد عن السكري " من الطويل "

بمنزلة أما اللئيم فسامِنٌبها، وكرام الناس بادٍ شحوبها

ومثله قول كثير " من الطويل ":

وصفراء رعبوب كأنّ وشاحهاعلى ناعم من غاب دجلة غاري

أراد: أغير، فهذا يجوز أن يكون فعلاً كقولهم: كبش صاف ويوم راحٌ، ويجوز أن يكون أراد غائرا فقلب، كشاكٍ ولاثٍ.

وقال أبو صخر أيضا " من الكامل ":

بكر الصبا منا بكور مزايل

فيها:

وعنائبٍ غَدَوية تندى ضحىًوغياطل للهو بعد غياطلِ

أراد: عنائب، يريد السراب، ويروي: جنائب يريد ريح الجنوب. يجوز أن يكون " عنائب " جمع عنبيّة يريد الخمر وكان يجب إذ كسر على مثل بُختيّة وبخاتي أن يكون عنابيّ إلا إنه في التقدير خفف فصار: عَنابٍ كمهريّة ومهارٍ، وبختية وبخاتٍ، فلما صار إلى عنابٍ قلبه فصار: عنائب، فقياسه على هذا إن لا يهمز لأنها ياء متحركة في الأصل إذا قلت عنابيّ أو خففت فقلت رأيت عنابي، وليست بهمزة عرضت في الجمع، ومثله من الجمع حمار مصريّ وحمير مصاريّ، روينا ذلك عن محمد بن حبيب، وزعم إنه أخبر به أبن الأعرابي فكتبه عن محمد حكاه له أبن حبيب عن أبي ثوبة، ومثله من المقلوب ما رويناه عن أبي علي يرفعه إلى يعقوب " من الطويل ":

لقد أورثتني يوم قَوّ حزازةمكان الشجا تجول تحت الترائق

أراد: التراقي جمع ترقوة، إلا إنه هكذا روى الترائق بالهمز، وقياس هذا أن يكون هذا عنائب بالهمز. و " غذوية " منسوبة إلى الغداة أول النهار وفيها:

جاوزتنا بقلي اللذات الصباوأذى وأقذار وشيب شامل

لام " أذى " ياء عندي لاطراد الإمالة فيه، ولأنها لام، والياء أغلب على اللام من الواو، وإن علقت اللام في " اللذات " بنفس " قلى " فلا ضمير

فيها لتعلقها بالظاهر، وإن جعلتها وصفا ل " قلى " ففيها ضمير لتعلقها بالمحذوف، ولام " قلى " ياء لقوله:

قالت سُليمى إنني لا أبغيهأراه شيخاً عارياً تراقيه
للشاعر ابو محمد الفقعسي، من قصيدة «قالت سليمى إنني لا أبغيه»
محمرة من كبر مآقيهمقوساً قد ذرئت مجاليه

يقلى الغواني والغواني تقليه

ولام " الصبا " واو لإنه من " صبوت ".

وفيها:

وبسحبة تغشى السواد وعشوةمالي عدمتك من رفيق خاذل

قال: سحبة غشاوة على بصره، ينبغي أن يكون " سحبة ": فُعْلَة من سحبت الشيء كأنه ينسحب على ناظره وهو قريب من لفظ " السُحْمة " ومن معناها؛ لأنه شيء يسودّ له ما أنار وأضاء من بصره، ولام " تغشى " ياء وليس من لفظ الغشاوة لقوله سبحانه: " ينظرونَ إليكَ نَظَرَ المغشيّ عليه من الموتِ "، ولا أحد يقول مغشو في هذا المعنى، ومنه قولهم: الغشى لغشاء الشيء ولا تحمله على قِنية لقلته.

وفيها:

يهذي وتشهره العيونُ ومُخُّهُرارٌ، وليس بما يريد بنابل

عين " رار " ياء لقوله:

أقول بالسبت فويق الديرإذ أنا مغلوب قليل الغير

والعظم مني باديات الرير

هكذا رووه بفتح الراء، ويقال: رار المخ واراره الله أي أذابه. قال " من الوافر ":

أرار الله نقيك في السُلامىعلى من بالحنين تعوّلينا
بل قد أتاني ناصح عن كاشحبعداوة ظهرت وزَغْر أقاول

قال: " زغر " كثرة، وهذا مما كنت قدمت ذكره من مقاربة اللفظ لمقاربة المعنى، ألا ترى إلى قرب الخاء من الغين وقد قالوا: زخر الوادي، إذا كثر ماؤه، فمعنى الكثرة شامل لهما إن الخاء أرطب صوتا من الغين فكأن الماء خصّ بها لذلك، وإذا تفطنت لذلك وجدت فيه معاني لطاقاً غامضة فلا ترين إن في هذا المذهب جوراً وتعسفاً، فإن في هذه اللغة من اللطائف ما يجفو هذا في جنبه فقد مر بنا كثير منه وسيأتيك في هذا الكتاب طرف من نحوه.

وتنلك أظفاري ويبرِك مسحليبَرْيَ الشَّيب من السِراء الذابل

ينبغي أن تكون لام " السراء " واوا وذلك لأنه الشجر الذي تعمل منه القسى، فإن شئت قلت لا يتخذ إلا من أسرى الخشب وأجوده، كما تقول من إكرامه، وإن شئت كان من سراة الشيء لأنه ينبت في سراة الجبل وهو أعلاه، وسراة من الواو لقوله " من الطويل ":

وأصبح موضوع الصقيع كأنهعلى سوات النيب قطن مندف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»

وفيها:

تجلو عن أوجه جنَّةٍ وكشوحهاأو عن مها بلق بجوٍّ باقِلِ

ألف " مها " واو لأنه في الأصل البلَّور، ويقال البَلّور، ثم شُبّه النجوم بها وبقر الوحش أيضا لبياضهما، ويدل على إن ألف " مها " بدل من واو إنه من معنى الماء لبياض البلُورة وصفائها، وقد قالوا: موهتَ عليّ، إذا حَسَّنَ حديثه وجعله كأن عليه ماءً، وقالوا في تكسيره: أمواه، وتحقيره: مُويه، وقالوا: ماهت الرَكيّة تموه، وقالوا: تماه، وحكي أبو زيد ماهت تميه ميهاً. وظاهر هذا إنه من الياء لا من الواو، وينبغي أن يكون بدلاً للياء من الواو لضرب من التخفيف، وأصل هذا أن يكون ماه يميه من الواو " فَعِل يَفْعِل " كحسب يحسب في الصحيح كما قال الخليل ذلك في تاه يتيه، وطاح يطيح إنهما " فَعِل يفعِلُ " من الواو، فلما جرى في الكلام ماه يميه، أشبه لفظه لفظ باع يبيع، فقال في مصدره ميهاً اتباعاً للفظ وجنوحا إلى خفة الياء، ف " المها " إذنْ مقلوب، ومثاله " فَلَعْ " من الماء. وحكى صاحب الكتاب: مًهاة ومًها لماء الفحل، وهذا أيضا عنده مقلوب لأنه من الماء ماء الفحل نفسه، وقوله عن أوجه بوجوب التخفيف يدل على إن الشعر قد يبنى على أحد الأمرين: التخفيف البتة، والتحقيق البتة، وفي هذا شاهد لإجازة ما حظره الخليل وأجازه أبو الحسن من إن يجوز: أيسيء مع يسوء قافيتين في قصيدة، ألا ترى إنه إذا بنى البيت على تحقيق الهمزة كما بناها هذا الآخر على تخفيفها البتة، صحَّ الرويان فلم يختلفا، ونظير هذا مما بُني فيه الشعر على التخفيف البتة ما أنشدناه أبو علي ﵀ لذي الرمة " من الطويل ":

من آل أبي موسى ترى الناس حولهكأنهم الكروان أبصرن بازيا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي بالزرق الرسوم الخواليا»

فقوله: منال وزنه " فَعول " فلو حققت فقلت: " من آل " لكان وزنه " مفعول " وهذا لا يجوز في الطويل، وهكذا رووه " من آل " بالتخفيف ومثله بيت الأعشى:

هؤلي ثم هؤلي كلاً أعطيت نعالاً محذوةً بمثال

فقوله: " كل لنع طي " وزنه " فاعلاتن "، ولا بُدَّ فيه من تخفيف الهمزة، وقد تقصيت هذا الموضع في كتابي " المُعْرِب " وهو كتاب تفسير القوافي عن أبي الحسن. و " جنة " ينبغي أن يكون جمع جان، كُسّر " فاعل " على " فِعْلَة " كما كسر " فعيل " عليها في صبيّ وصبية وعليٍّ وعليه، وقد يكون مصدرا لقوله سبحانه: " أم به جِنّةٌ " أي: جنون. وقوله: " باقل " يريد " مبقل " يقال: أبقل فهو باقل، وأورس فهو وارس، وأغضى فهو غاض، وأدلى فهو دالٍ، وذلك فيما جاء على " أفْعَل " فهو فاعل، وقد قالوا: مُبقل، قال دُؤاد بن دًؤاد، وقد قال له أبوه: يا بني ما أعاشك بعدي؟ فقال:

أعاشني بعدك وادٍ مُبْقِلُأكُلُ من حَوذانه وأنْسِل

وقال أبو صخر أيضا:

أرقت لطيف من علية عامدِونحن إلى أذَراء خُوضٍ هواجدِ

قال: أذراؤها ما أُستذري به أي استتر به من الريح، لامه واو؛ لأن واحده الذرا مقصور، وهو من لفظ " الذروة " ومعناها، وقوله " علية " هي من تأنيث " علي " جعلت علماً، فقد يجوز أن تكون من قول القطامي " من البسيط ":

أمْسَتْ عُلَيّةُ يرتاح الفؤاد لهاوللرواسم فيما دونها عمل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

تصغير عَلية هذه، وأصله عُليّية، فلما اجتمعت ثلاث ياءات وسطاهن مكسورة ثَقُلَتْ فحذفت الآخرة كما قالوا في تحقير أحوى: أُحَيّ، وفي تحقير سماء: سُميّة، وحكى أبو الحسن أن قوما ذهبوا في نحو: عطاء وعُطيّ، إلى إن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى، قال: وهو وجه، أو كلاماً هذا نحوه، فهذا وجه في تكسير " عُلَيّة ". ووجه ثان. وهو أن يكون تحقير " علوة " فيكون كشكوة وشُكيّة؛ ف " عُلية " على هذا فُعَلية، وفي القول الأول " فُعيّة "، ومن رأى أن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى فوزنها أيضا " فُعلية "، فأما في كيل التحقير من غير تحرير التصريف فوزنه " فُعَيلة " في جميع الأقوال، فإن قلت فقد قال في اللامية " من البسيط ":

ألمحةّ من سنا برق رأى بصريأم وجه عالية اختالت به الكِلَلُ

فلا يجوز أن يكون " عُليّة " تحقير " عالية "، إلا إن تحمله على تحقير الترخيم كقولك في فاطمة: فُطيمة، وكأنّ هذا أوجه من القولين الأولين؛ لأنه قد جاء بالتكبير مع التحقير في قصيدة واحدة، فحكم أحدهما على صاحبه.

وفيها:

قطعن مُلاّ قفراً سوى الرُمْد والمهاوغير صدّى من آخر الليل صاخدِ

قال: صاخد صائح، صَخَد يَصْخَد، لام " مُلا " واو لأنه ما أتسع من الأرض وقالوا: الملوان: الليل والنهار، والملاوة من الدهر ما اتسع من الدهر، وقوله " وغير صدى " محمول على المعنى لأن قوله " قفرا سوى الرمد " في معنى غير الرمد فحمل المعطوف على المعنى كما قال أبو الحسن في قول الله سبحانه: " أو كالذي مَرَّ على قريةٍ "، قال: قيل إنه محمول على المعنى لأن معنى قوله " تعالى ": ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربه "؛ أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مَرَّ على قرية، والحمل على المعنى كثير جدا في الإيجاب وضده، وقد ذكرنا صدرا منه وستراه.

وفيها:

ينوش بصلت الخد أفنان غيلةتدنت دواني عيصها المتقاودِ

عين " عيص " ياء كما ترى؛ لأنهم قد قالوا في تكسيره: أعياص، فأما قولهم: " اعتاصت الحاجةُ "، فمن العوصاء وهي الشدة، وذلك إنها إذا تعذرت اشتدت، وقد قيل فيها: العيصاء، فهذا من العيص كأنها نشبت فلمتنحلّ كما ينشب العيص بعضه في بعض، واجتمعوا كلهم على أمر عويص بالواو البتة، أنشدني بعض أصحابنا برواية لبعض جَرْم " من البسيط ":

وأُبْطِرُ الخصم ذا العوصاء حجَتُهحتى يلجلج بين العي والحصر
وضَمَت على رَقو أغن من التقادميث الرُبا حُرٍّ فُضول المجاسد

قالوا: الرقواء الكثيب، شبه عجيزتها به، لام " النقا " من الرمل فيها قولان: الياء والواو، لقولهم: نَقَيان ونَقَوان.

بأطيبَ نَثْرا من سُليمى وغرّةإذا ما سقى كأس الردى كل راودِ

ذكرَّ فعل الكأس لأنه إنما يريد الردى نفسه، وهو مذكر ولا كأس في الحقيقة هناك، ونظيره كثير.

فما روضة بالحزم طيبة الثرىولتها نجاء الدلو بعد الأباردِ

قالوا: الحزم أغلظ من الحزن، فهذا مما عرفتك من تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، فكما أن الميم أقوى لفظا من النون فكذلك الحزم أغلظ من الحزن، ولهذا صرفوا " الحَزْنَ " فاستعملوه في الحزن لأنه عرض وهو دون الجوهر، ولم يستعملوه بالميم إلا في الغليظ من الأرض، ولام " النجاء " واو لأن واحده " نَجْوٌ " وقد جمعوه " نُجُوا، أنشد الرواة " من الوافر ":

أليس من البلاء وجيب قلبيوإيضاعي الهموم مع النُجُومِّ

وليس في كلامهم " فُعول " جمعا ولامه واو صحيحة إلا أحرف وهي هذا نَجْوٌ ونُجُوّ وحكى سيبويه: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة جمع نحو، وحكى أبو زيد في الصدر: " بَهْوٌ وبُهُوٌ، وحكى ابن الأعرابي: أَبٌ وأُبُوّ، وابْنٌ وبُنُوٌ، وأنشد للقاني يمدح الكسائي " من الطويل ":

أبي الذمُّ أخلاق الكسائي وانتميمن المجد أخلاق البُوِّ السوابقِ

وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":

هل القلب عن بعض الدجاجة نازع

فيها:

وإذْ لم يَصِحْ بالبين وبينهاأساحمُ منها مُسْتَقِل وواقعُ

كَسَّرَ الصفةَ تكسير الاسم، يريد غربانا سُحْما أي سودا، وكأنه استعمله أيضا كما قالوا: الأحامرة جمع أحمر، وكما قالوا: الأساود والأداهم والأجارع.

وفيها:

فأدِّ لها ما استودعتك مُوَفَّرا بأحسن ما كانت تُؤدى الودائعُ " بأحسن " في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: فأدِّ لها ذلك أحسن ما تُؤدى الودائع، كقولك: قمت أحسن قيام، وجلست أحسن جلوس، فالباء على هذا زائدة.

وفيها:

إذا رمتُ يموما صَرْمَها لم يَزْل لهانصيحٌ يُصاديتي من القلب شافعُ

لام " يصاديني " عندي بالياء، وذلك أن معناه: يداريني، وكأنه يعارضه مرة منهنا ومرة منهنا من " الصدي " الذي يعارض الصوت ولام " الصدي " ياء لاستمراره الإمالة فيها، وقالوا: هو يصاديه ويداريه ويُداليه ويُداجيه ويفانيه، فلام " يصاديه " ياء كما مضى، وكذلك يداريه كأنه يختله بالرفق به فهو من قوله " من الطويل ":

فإن كنت لا أدري الظباء فاتنيأدُسُّ لها تحت التراب الدواهيا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «فإن كنت لا أدري الظباء فإنني»

ومن هنا لم يجز عندنا أن نطلق على القديم سبحانه: أنه دار، كما يقال فيه عالم وذلك أن معنى " دريت الشيء " من معنى " دريت الصيد "، وذلك أن معنى " دريت به " أي: تأتيت لعلمه ومعرفته وتلفظت فيه كما تتأتّى للصيد فتختله وهذا معنى منزّه عنه عن القديم سبحانه، وأما " داليته " فمن الواو في قوله:

لا تقلواها وأدلواها دلواأن مع اليوم أخاه غَدْوا

فمعنى " أدلواها " أي: أرفقها بها، ومعنى " داليه " رفقت به، وهذا واضح، كل شيء ظلمه قال " من الطويل ":

فما شبه كعب غير أغتم فاجر " أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنف

وكذلك معنى " يداجيه " أي يساتره بالعداوة ولا يجاهره بها، وأما " يفانيه " فهو في معنى " فنيت " وذلك أنه يروم أن يُفنى رأي صاحبه وعزمته وبصيرته ليدهاه ويختله فهو من معنى " الفنا "، وليس في " فَنَيْتُ " ولا في الفناء ولا في يفنى دليل على أحد الحرفين، إلا أنني قد كنت قدمت أن معنى " فناء الدار " راجع إلى معنى: تنيت السيئ، وذلك أنها تفنى عند حدها وتثنى به عن امتدادها واستطالتها، والثاء وفق الهاء بالهمس أيضا لام، والياء أغلب على اللام من الواو، ويُوَنّس بالحلال شيئا أنهم قالوا: ثناء الدار، بالثاء في معنى فِناء.

وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":

ألمّ خيال طارقٌ متأوِّبلأم حكيم بعدما نمتُ موصبُ

وفيها: وأهلي بواد من تهامة غائر بأسفل هضيمة أراك وتنضُبُ " تنضب " عندي من: نَضب ينضَبُ، إذا بعد لأنه من شجر البر لا الريف كما قيل: شَوْحَط فهذا " فَوْعَل " من شَحطَ يشحط كما أن ذاك " يفْعُلُ " من نَضَبَ يَنْضبُ، وأما الأراك ف " فَعال " من أرك بالمكان يأرك أُروكا أي أقام به، وذلك لانه شجر ثابت أصيل في مكانه، وليس بجميع الشجر تمكنه ثباته.

وفيها: ومندونها قاع البقيع فأسقفٌ فبطن العقيق فالخبيتُ فعُنْبُبُ

يجب أن يكون عين " الفاع " واوا لقولهم في تكسيره: أقوُع وأقواع، وكسروة أيضا على قيعة وقيعان، واما " عُنْبُب " ف، " فُعءلُل " تجعل النون اصلا لمقابلتها الاصول نحو باء " حُبْرُج "، وعين " بُعْثُط " فهي إذن كنون " صُنْتُع " وإن كان اشتقاقه من " عبَّ الماء يُعبُّ " لكثرة ماء هذا الوادي فهو " فُنْعُل ".

هجان فلا في اللون شام تثينهولا مَهَق يغشى الغسيقات مُغربُ

قال: الغسيقات الشديدات الحمرة، عين " شام " وهي جمع شامة ياء لقولهم رَجل أشْيَمُ، وامرأة شيماء، حكى ذلك أبو زيد.

سراجُ الدُجى تغتلّ بالمسك طِفْلَةفلا هي مِتفال ولا اللون أكْهَبُ

قال: تغتل من الغالية تغلغلت وتغليت، أما تغليت فلا يدفع أن يكون من الغالية لاعتلال لاميها، وأما تغللت فليس من الغالية لصحة لامه، ولكنه من الغَلَل وهو الماء الجاري في أصول الشجر وهو من قولهم: انغلّ في موضع كذا، أي: دخل فيه، ومنه الغلالة من تحت الدرع لأنها غُلَّت تحته وعليه بقية الباب، وأما " الغالية " فلامها تحتمل الحرفين جميعا، أما الواو فلأنها تغلو قيمتها، وأما الياء فلأنها كأنها تغلي لحدة رائحتها.

دَميثة ما تحت الثياب عميمةهضيم الحثا بكْرُ المَجَسَّةِ ثَيِّبُ

عين " ثيب " واو لأنها من ثاب يثوب أي رجع كأنها رجعت عن حال إلى أخرى.

فكأن لها أُدّى وريقة ميعتيوليدا إلى أن رأسي اليوم أشيبُ

قال: يريد " وُدّى " وهي لغته، قال والرّيق من الرَوق وهي أوله. ينبغي أن تكون " أنْ " هذه مخففة من الثقيلة لا التي تنصب الفعل، " فتلك " تختص بالفعل وهذه بعدها الاسم المبتدأ وخبره " أشيب " فإنما هي ك " أنْ " في قوله " من البسيط ":

في فتية كسيوف الهند قد علمواأنْ هالك كل من يحفى وينتعل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «معلقة الأعشي»

فكذلك هذا البيت كأنه قال: إلى أنه رأسي أشيب، وأما الريق فمحذوف بمنزلة مَيْت من ميّت.

وفيها:

ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتناومن دون رَمسينا من الأرض مَنكِب

لام " الأصداء " ياء لاستمرار الإمالة في الصدى، وقد تقدم هذا.

وقال أبو صخر أيضا يمدح أبا خالد عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد " من البسيط ":

أرائحٌ أنت يوم اثنين أم غاديولم تُسَلِّمْ على ريحانة الوادي

حكى سيبويه: " هذا يوم اثنين مباركا فيه "، واستدل بانتصاب الحال بعده على تعريفه، وينبغي أن يكون بيت أبي صخر هذا على تلك اللغة، وفيه على هذا تعريفان، أحدهما: باللام تعريف الحارث والعباس، والآخر:

تعريف العلمية والوضع كزيد وبكر كما أن عروبة والعَروبة للجمعة كذلك قال " من الطويل ":

فبات عذوبا للسماء كأنمايوائم رهطا للعروبة صيّما
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم خيال من قتيلة بعدما»

وقال " من الوافر ": أؤمل أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار

أو التالي أخوه دبار أولافمؤنس أو عروبة أو شتلر

ومنه قولهم للمنية: شعوب والشعوب، وحكى أبو زيد: " ما ألقاه إلا فينة والفينة "، ونظائره كثيرة واسعة. وأما " الريحان " ففيه قولان، أحدهما: أن يكون أصله: ريّحان " فَيعلان " من الروح ثم قلب في التقدير فصار " ريّحان " كهيّبان وتيّجان، فلما اعتل وطال الزموه حذف عينه تخفيفا كما ألزموا حذفها باب كينونة وقيدوه، فصار ريحانا كما ترى، والآخر: أن يكون " فَعلان " إلا أنه قلبت واوه ياء استحسانا للتخفيف كما قلبت في الأريحية، وفي قوله " من الكامل ":

ولقد رأيتك بالقوادم نظرةوعلي من سدف العشي رياح

بفتح الراء، فريحان على هذا " فَعلان " ورياحين " فعالين "، وعلي القول الأول " ريّحان ": " فعيلان "، وعلى لفظه " فيلان " ورياحين " أفالين "، كما أن قوله " قياديد " من قوله "من البسيط":

بات يقحمها ذو أزمل وَسقتله الفرائش والسُلب القياديد

مثالها " فياليل "، وكما أن " أيانق " في قوله من جعل الياء عينا مقدمة " أعافا " في قول من جعلها عوضا من العين " أيافل " والعين محذوفة.

وفيها "

لولا رجاء نوال منك آمَلُهُوالدّهر ذو مِرر قد خَفَّ عوادي

أراد: لخف عوادي، كذا معناه ألا أنه حذف وصارت " قد " كالغموض منها، وليست عوضا البتة لجواز اجتماعها، وقال " من الطويل ":

فلولا رجاء النصر منك ورهبةعقابك قد صاروا لنا كالموارد

ومما اجتمعا في قوله " من المتقارب ":

فإني وجدِّك لو لم تجيءلقد قلق الخرْت إلا انتظارا

وحقيقة " قد " هنا إنها لتقريب الفعل مبالغة في المعنى، فكأنه قد كاد يهجم لولا ما علق به وجعل سببا لمنعه.

وفيها:

وحبَّذا بخلها عنا ولو عَرَضتدون النوالِ بعلات وألدادِ

قال: هو من قوله " هويلدة عن حاجته "، ومن قوله سبحانه: " وهو ألّدَّ الخصام "، هو عندي جمع " لدد " مصدر " ألد " وقد لضدِدت لددا، وإذا جمع المصدر فإنما ذلك لانه وضع على النوع، فأما حقيقة المصدر فلا يجوز تكسيره لاستحالة ذاك في المعنى إذا كان جنسا ولا غاية وراء الجنس في العموم والسعة فكيف يكسر ما لا نظير له وَهْما، وعدّى البخل ب " عن " وأنت لا تقول: بخلت عن كذا، وذلك لانه حمله على المعنى إذ كان معناه: وحبذا انصرافها وازورارها عنا قوله:

قد قتل الله زيادا عني

وقد تقدم ذكره.

وفيها: يُصبي تبسمها من لا يكلمها بمثلها يشتفى ذو النيقة الصادي عين النيقة واو أصلها: نوقة فقبلت للكسرة قبلها كقيمة وفيقة، يدلك على ذلك قولهم في " تفعَّل " منها: تنوّق، وإن كان الأفصح تأنق ألا أن " تنوّق " قد جاء، قال ذو الرمة " من الطويل ": " كأن عليها سحق لفق تنوقت بح حضرميات الاكف الحوائك ولام " الصادي " ياء لقولهم: صديان، يقال: صاد وصادية وصديان وصدٍ وصدية.

يا أطيب الناس أردانا ومبتسماكيف العزاء وقد زودتني زادي

لام " العزاء " تحتمل أمرين: الواو والياء، والواو أغلب، حكى أبو زيد في " فِعْلة " منها العِزْوَة، وحكى أيضا فيها التَعزوة ألا أنه لا دليل في هذا، وذلك أنك لو بنيت من " رميت " مثل " تَفْعُلةَ " على التأنيث لقلت: " تَرْمُوة " ومن " قضيت ": " تَقْضُوة "، تقلب لأمها للضمة قبلها، وأيضا فإن معنى قولهم: " عزّيت فلانا "، أنك سلّيته بذكر مصائب الناس غيره وأضفت حاله إلى حال من مصابه، كما قالت " من الوافر ":

وما يكون مثل أخي ولكنأسلّى النفس عنه بالتأسي

وقال سعران السلاماني " من الطويل ": ذكرت أبا أروى فبت كأني برد الأمور الماضيات وكيل وقال لبيد " من الطويل ":

فأن أنت لم ينفعك علمك فأنتسبلعلك تهديك القرون الأوائل

فمعنى " العزاء " اذن ما تراه " من " مقابلة الإنسان حاله بحال غيره ونسبته إياها، وهذا هو معنى قولهم: " عزوت فلانا إلى أبيه " إذا نسبته إليه، أنشدنا أبو علي " من الرجز ":

اطلب أبا نخلة مَنْ يأبوكافقد سألنا عنك من يعزوكماإلى أبٍ فكلهم ينفيكا

وعلى أنهم قد قالوا: عزيته إلى أبيه، والواو أعلى.

وفيها:

تخشى عوائده طورا وتنظمهنشط النواسج في أنيار حساد

قوله " أنيار " دلالة على أن عين النير ياء، وإنما ليست كعين " زير " لان ذاك من زاريزور، ولكن ليس في قوله " نيَّر " دلالة على كون العين باء، ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون " فيْعل " كتحيز لانه " تفعيل " من حاز يحوز، كتفيهق وكذلك قوله

هو الجواد ابن الجواد ابن سبلأنْ ديموا جاد وإن جادوا وبل

فظاهر الأمر في " ديّموا " أنه " فَيْعَلوا " لانه من دام يدوم وعلى أن ابن السكيت قد حكى: " دام المطر يديم دَيْما "، وهذا من الياء البتة، إلا أن يحمله متعجرفا على القلب، فقد حكى أبو زيد: " ماهت الركيّة تميه ميها "، وعلة ذينك عندي أنه بناه على " فَعِلَ - يَفْعِل " كحسب يحسب في الصحيح، فلما رأى الياء ثابتة في المضارع والكسرة في الماضي، وهو " مهت " جرى في اللفظ مجرى " بعت أبيع " فأنس بالياء وصارت كأنها أصل لأنها جاءت مجيئا لا يستعمل في ذوات الواو إلا فيما شذّ وعلى قول رجل واحد أعني الخليل، فلما شذ في الاستعمال وقل القائل به لم يكد يُعتْد به فمن هنا أشبهت " بعت - تبيع " فأجرى مصدره عليه فقيل " ميها " كما قيل " بيعا "، هذا عندي أولى من أن يهجم عليه باعتقاد استمرار القلب فيه ساذجا من غير ضَعَة مُسَوَغة وعلى أنه يجوز أن يكون لغتين قد تكثر إحداهما وتقل الأخرى كما قال أبو عثمان

في قولهم: " كدت تكاد كيدا وكودا " قال: " ولا يستعملون من " كَوْد " فعلا ".

والطرف في مقلة إنسانها غرقبالماء تذري رشاشاً بعد أجوادِ

لام " تذري " واو؛ لأنه من " الذِروة "، إلا إنك ينبغي لك أن تعلم أنه مما كنت قدّمت ذكره من باب السلب نحو: أعجمت الكتاب، وأشكيت الرجل وكذلك: أذريته عن الفرس أي سلبته ذروته كما سلبت المعجم استعجامه وكما اقلعت للمشتكي عما يشكوه فينبغي أن يضم " أذريت " على تلك الألفاظ المقدم ذكرها في هذا المعنى.

وفيها:

كما تثنى حُميا الكأس شاربَهالم يقض منها طلاه بعد إنفادِ

قال: " طلاه " لذته، قال: طلاه مثل ظماه ينبغي أن تكون لام " طلاه " ياء تشبيهاً بالطلى ولد الظبية للينه ونعمته ولام الطلى - ولد الظبية - ياء لقولهم في جمعه: طليان.

وفيها:

والمرسمون إلى عبد العزيز بهامعاً وشتى ومن شَفْعٍ وفُرّادِ

" اسم الرجل في سيره " قال أبو بكر محمد بن الحسن قلت لأبي حاتم: أتجيز " أرسم البعير "، قال: لا، إنما أقول: " رسم البعير فهو راسم " من إيل رواسم. قلت فما تصنع بقوله " من الطويل ":

أجدت برجليها النجاء " وكلفتغلامي بعيريَّ الرسيم فارسما

قال إنما أراد فارسم الغلامان بَعيريهما، وقد ترى بيت أبي صخر هذا يدل على " أرسم الرجلُ بعيره " كما قال أبو حاتم، وأرادوا " المرسموها " ثم زاد الباء ففصل ما بين الفعل ومفعوله بها كقول الله سبحانه: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهْلُكَة " وينبغي أن يكون انتصاب " معاً " و " شتى " على التمييز لا على الحال، ألا ترى أنه عطف عليه ما وجهه التمييز وهو قوله " ومن شفع وفراد " ودخول " من " في الكلام تؤذن بصحة التمييز، ويدلك على جواز دخول " من " على " مع " ما حكاه صاحب الكتاب من قول القائل " مِنْ معه "، وحكى غيره: " كنت معهم فانصرفت من معهم "، كما جاز أن تدخل " من " عليها مضافة كذلك أيضا يجوز دخولها عليها وتقديرها فيها مفردة بل كونها مفردة أقرب بها إلى التمكن، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: " ثُمَّ لنَنْزِعَنَّ من كلِ شيعةٍ أيُّهم أشَدّ " ولا: " أي أشد " لأنه بالإفراد إلى القياس وهو الإعراب، وأما الخليل وينس فكانا يقولان فيما حكاه عنهما: " أضرب أيٌّ أفضل " فيرفعان وذلك إنهما كانا يريانه مع الإضافة مُعرياً فأقرّاه على ذلك مع إفراده، وغرضنا نحن مذهب سيبويه لا غير وكان أبو علي ﵀ يستنكر قول من قال: إن الإضافة أحجى بإيجاب البناء من الإفراد، ألا ترى إن المضاف واقع موقع صدر الكلمة، وصدر الكلمة جزء منها، فهو بالحرف أشبه، وكان يستدل على أن الإضافة لا توجب الإعراب ببناء " أيُّهم " مع إضافتها وبناء " كم " في قولهم: " كم درهم لك " مع كونها مضافة. وقد يجوز أن تكون " من " في " شفع " زائدة على قول أبي الحسن بزيادتها في الواجب، فكأنه قال: " معاَ وشتى وشفعاً وفراداً " فينتصب حينئذ أن شئت على الحال، وأن شئت تمييزاً.

وفيها:

بجسْرَةٍ كفنيق الشَّوك مُدْمَجةأو دَوْسَرٍ مثل علج العانِ وَخّادِ

" العان " جمع عانة، وعين الفعل منها واو لقولهم في الجمع: عُون كقارة وقُور، وقالوا: استعان الرجل إذا حلق عانته، ويجب أن تكون عين العانة هذه واوا لقولهم في تحقيرها: عُوينة، وأما المعونة ف " مَفْعَلَة " من " العَوْنِ "، وقال بعضهم: هي " فَعُولَة " من " الماعون ". ويفسد هذا القول تكسيرهم إياها على " معاوِن "، ولو كانت " فَعولة " لوجب الهمز: " معائن " كجلوبة وحلائب، وليس أحد يقول: حلاوب، ولا عجاوز، وهذا واضح.

وقال " من الطويل ":

قطعتُ بهن العَيْش والدَّهرَ كُلَّهُفجّر ولو طلت إليك المناسِبُ

قال: " طلت " حسنُت، وأعجبت، من هذا عندي قولهم لامرأة الرجل: طلّته، لأنها تعجبه وتحسن في عينه.

وفيها:

فأقسم لا تنفك مني قصيدةتُثبّى لها ما صاح في الجو ناعب

لام " تثبى " واو عندنا لأن منه " الثُبّة " وهي الجماعة فمعنى تثبى له يكرر ذكرها شيئا بعد شيء، وأنشد:

كم ليَ من تدرِّاٍ مذَبأشوس أبّاء على المثبي

وقال لبيد " من الطويل ":

تثبّي بناء من كريم وقولهألا انعم على حسن التحية واشربِ

ووجه الدلالة من " ثبة " على أن اللام واو أن الثُبَة محذوفة اللام وقد وصى أبو الحسن بحمل ما حذفت لامه وأشكلت على الواو، قال لكثرة ذلك وإنه أكثر من الياء.

وما نزل الرُّكبان بالخّيفِ من مِنيثلاثاً وما خاضَ الظلامَ الكواكِبُ
حياتي وأن يصبح صداي يقفرةٍتَجُرُّ عليه المعصرات الحواصبُ
يرثني له الراوون من بعد موتتيثنائي يعيه مشرقٌ ومغاربُ

النص من طبعة مطبعة العاني ببغداد (١٣٨١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التمام في تفسير أشعار هذيل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.