من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الباب السابع عشر
في الأمثال في مرازي الدهر
؟ باب المثل في الأقدار والنوازل
قال أبو عبيد: قال شريح في الذين فروا من الطاعون: إنا وإياهم من طالب القريب "
ع: فر قوم من أهل الكوفة من الطاعون إلى النجف فقال شريح: " إن من بالنجف من ذي قدرة لقريب "، هكذا لفظ الرواية عن شريح؛ والنجف غلظ في الأرض مرتفع، وبه سمي هذا الموضع وهو على مقربة من الكوفة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: " كيف توقى ظهر ما أنت راكبه "
ع: الشاعر وهو المتلمس:
فإن لا تجللها يعالوك فوقها ... وكيف توقى ظهر ما أنت راكبه يقول: كيف تتوقى مما أنت محمول عليه وراكب له. ومثله لأفنون:
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقيإذا المرء لم يجعل له الله واقيا وقال أبو فراس في نحوه:
إذا كان غير الله لمرء عدةأتته الرزايا من وجوه الفوائد
كما جرت الحنفاء حتف حذيفةوكان يراها عدة للشدائد وقال ابن الرومي:
طامن حشاك فإن دهرك موقعبك ما تحب من الأمور وتكره
وإذا حذرت من الأمور مقدراًففررت منه فنحوه تتوجه ؟ باب الحين يجتلبه القدر على الإنسان
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " إن الشقي راكب البراجم ". وهذا المثل لعمرو بن هند وذكر خبره.
ع: كل من روى هذا الخبر من العلماء إنما قال: " إن الشقي وافد
البراجم " وهو المعلوم، وبتحريق عمرو بن هند لبني تميم سمي محرقاً، وقال أبو عبيد في آخر الحديث: ثم تحلل ابن هند عن يمينه بالحمراء بنت ضمرة النهشلية تمام المائة. وإنما هي الحمراء بنت نظلة، كذلك قال ابن الكلبي وغيره من الأخباريين وصح لي بعد هذا أن الصواب ما ذكره أبو عبيد لأن عمرو بن هند لما آلى ليحرقن مائة من بني دارم حرق تسعة وتسعين ووفى العدد بامرأة. فلما قدمت قال: من أنت؟ قالت الحمراء بنت ضمرة بن جابر، ساد كابراً عن كابر، وأنا أخت ضمرة بن ضمرة، السريع الكرة، البطيء الفرة. قال عمرو: لولا مخافة أن تلدي مثلك لصرفت النار عنك.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: " لا تكن كالعنز تبحث عن المدية "
ع: نظم هذا المثل أبو الأسود الدؤلي فقال:
فلا تك مثل التي استخرجتبأظلافها مديةً أو بفيها
فقام إليها بها ذابحومن تدع يوماً شعوب يجيها وقال الفرزدق:
فكان كعنز السوء قامت بظلفهاإلى مدية تحت الثرى تستثيرها وقال أيضاً:
رأيت ابن دينار يزيد رمى بهإلى الشام يوم العنز والله شاغله
بعذراء لم تنكح حليلا ومن تلج ... ذراعيه تخذل ساعديه أنامله قوله: يوم العنز أراد أنه جلب حينه على نفسه، وعذراء يعني جامعة.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " حتفها تحمل ضأن بأظلافها " وهذا المثل تمثل به حريث بن حسان الشيباني بين يدي النبي ﷺ لقيلة التميمية، وكان حريث حملها إلى النبي ﷺ.
ع: وكان من من حديثهما أن قيلة لما أراد عم بناتها أن يأخذهن منها خرجت تريد النبي ﷺ فبكت بنية منهن هي أصغرهن. قالت قيلة: (حديباء) كانت قد أخذتها الفرصة فرحمتها فحملتها معها. فبينما هما يرتكان إذ انتفجت أرنب فقالت الحديباء: الفصية والله لا يزال كعبك عالياً، فأدركني عمهن بالسيف فأصابت ظبته طائفة من قرون رأسه وقال: ألقي إليّ ابنة أخي يادفار، فألقيتها إليه. ثم انطلقت إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغي الصحابة إلى رسول
الله ﷺ: فبينما أنا عندها ليلة تحسب عيني نائمة إذ دخل زوجها من السامر فقال: وأبيك لقد أصبت لقيلة صاحب صدق، حريث بن حسان، فقالت أختي الويل لي، لا تخيرها فتتبع أخا بكر بين سمع الأرض وبصرها ليس معها رجل من قومها. قالت: فصحبته صاحب صدق، فقدمنا على رسول الله ﷺ، فصليت معه الغداة، حتى إذا طلعت الشمس، دنوت فقال رجل: (السلام عليك يا رسول الله) [فقال رسول الله: وعليك السلام] وهو قاعد القرفصاء، قال: فتقدم صاحبي فبايعه على الإسلام ثم قال: يا رسول الله اكتب (لي) بالدهناء، فقال: يا غلام اكتب له. قالت: فشخص بي، وكانت وطني وداري، فقلت: يا رسول الله، الدهناء مقيد الجمل، ومرعى الغنم، وهذه نساء بني تميم وراء ذلك. قال: صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان. وقال رسول الله ﷺ: أيلام ابن هذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجزة ؟
قال أبو سليمان الخطابي: أصل هذا المثل أن النعمان بن المنذر عمد إلى كبش فعلق في عنقه مدية، ثم أرسله ونذر أن يقتل من عرض له، فكان الكبش يسرح ولا يمس. ثم مر على أرقم بن علباء اليشكري وقيل على علباء بن أرقم اليشكري، فقال كبش يحمل حتفه بأظلافه، ثم وثب عليه فذبحه واشتواه، وقال شعراً طويلاً فيه:
أخوف بالنعمان حتى كأننيذبحت له خالاً كريماً أو ابن عم
؟ باب الشماتة بالجاني على نفسه الحين
قال أبو عبيد: ويقال في مثله " يداك أوكتا وفوك نفخ " وذكر أصله عن المفضل.
ع: وقال صاحب " العين " خلاف ما ذكر، قال: كان من شأن هذا المثل أن شاباً انتهى إلى جوار يستقين بالقرب فكان يلاعبهن ويأخذ بعض القرب فينفخ فيه ثم يوكئه فاطلع عليه أخ لجارية منهن فقتله غيرةً، فجاء أخو المقتول فوجده قتيلاً، فأخبر بما كان يصنع من ملاعبة الجواري فقال: يداك أوكتا وفوك نفخ؛ وعزى نفسه ورجع.
؟ باب الحين والشؤم يجلبه الإنسان أو غيره على من سواه
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الشؤم والحين قولهم: " كانت عليهم كراغية البكر " يعني بكر ثمود حين رماه صاحبهم فرغا عند الرمية فأنزل الله بهم سخطه. قال النابغة الجعدي لرجل من الأشعريين:
رأيت البكر بكر بني ثمود ... وأنت أراك بكر الأشعرينا ع: هذا الرجل هو أبو موسى الأشعري، وقال علقمة بن عبدة في ذلك أيضاً:
رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليب قال أبو عبيد: وكذلك عاقر الناقة نفسه صار مثلاً في الشؤم عند العرب، قال زهير بن أبي سلمى:
فتنتح لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضع فتفطم ويروى: فتنتح لكم، يقال: أنتجت الناقة فهي منتج ونتوج. وأراد أحمر ثمود فلم يكنه الشعر فقال: أحمر عاد. وقد قال بعض النساب إن ثموداً من عاد.
ع: أحمر ثمود هو قدار بن قديرة وهي أمه، وأبوه سالف، وهو الذي عقر ناقة صالح النبي ﷺ فأهلك الله بفعله ثمود، فقالت العرب: أشأم من أحمر عاد. وقول زهير: غلمان أشأم، يعني غلمان شؤم، كما قال علي ﵁: من فاز والله بكم فاز بسهم الأخيب، يعني بسهم الخيبة. وقال معن بن أوس المزني:
لعمرك ما أدري وإني لأوجلعلى أينا تعدو المنية أول يعني: وإني لوجل
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: ومن الأمثال في جلب الشؤم والحين قولهم: " على أهلها دلت براقش " قال: وبراقش اسم كلبة نبحت على جيش مروا ولم يشعروا بالحي الذي فيهم الكلبة، فلما سمعوا نباحها علموا أن
أهلها هناك، فعطفوا عليهم فاستباحوهم، فذهبت مثلاً.
ع: وقال أبو محمد بن [ذي] الدمينة إن براقش حصن باليمن معروف وهو الذي يقول فيه النباغة الجعدي:
تستن بالضرو من براقش أو هيلان أو ناضر من العتم ... قال: وكان لأهل براقش بئر خارج الحصن لا منهل لهم سواها، وكان من داخل الحصن إليها نفق، قال: فحصرهم عدو وحل على الماء دونهم وطال حصاره لهم وهو لا يدري من أين يشربون وهم يختلسون شربهم ليلاً واستراقاً حتى نزلت كلبة لأهل الحصن في البستج لتشرب فرآها بعض من يستقي من العدو فأنزل صاحب الجيش الرجال فدخلوا الحصن من النفق وأهله غارون فقتلوهم وافتتحوا الحصن وسمي الحصن براقش باسم الكلبة.
قال أبو عبيد: قال مؤرخ ومن هذا قولهم: " عير عاره وتده " عاره أهلكه. كما يقال: لا أدري أي الجراد عاره، أي ذهب به وأتلفه.
ع: قال غير أبي عبيد: قولهم " عاره وتده " هو من العور في العين. يقال: عرت عينه وعارها غيري، وهو أشبه بالمثل لأن الوتد قد يصيب العين فيعورها ولا وجه للإهلاك هنا.
؟ باب دول الدهر الجالبة للمحبوب والمكروه
قال أبو عبيد: من أمثالهم [في دول الدهر]: " من ير يوماً ير به " وبعضهم يقول: " ير يوماً تر به ".
ع: أول من قاله كلحب بن شؤبوب الأسدي، كان خباً خبيثاً يغير على طيء وحده، وإن حارثة بن لأم الطائي دعا رجلاً من قومه فقال له: أما تستطيع أن تكفيني هذا الخبيث؟ قال: نعم. ثم أرسل عشر عيون عليه فعلموا مكانه فانطلق عليه فاستيقظ فزعاً وقبض على حلق أحدهما فقتله، وبادر الباقون إليه فأخذوه وشدوه وثاقاً. وقال ابن المقتول واسمه حوذة: دعوني أقتله بأبي، قالوا: لا حتى نأتي به حارثة، فأتوه به فقال له حارثة: يا كلحب إن كنت أسيراً فطالما أسرت، فقال: " من ير يوماً ير به " وقال حوذة لحارثة: أعطنيه أقتله بأبي، قال: دونكه، وجعلوا يتكلمون وهو يعلك كتافه حتى انحل ثم وثب وهو يحاصرهم وتواثبوا على الخيل فأعجزهم على رجليه. وقال الراجز:
من ير يوماً ير بهوالدهر لا يغتر به ؟ باب حؤول الدهر وتنقله بأهله
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: " كل ذاتن بعلٍ ستئيم "
ع: قال يزيد بن الحكم الثقفي في قصيدته الأدبية الحكمية التي يعظ فيها ابنه بدراً ويوصيه:
كل امرئ ستئيم منهـ العرس أو منها يئيم
ما علم ذي ولد أيث ... كله أم الولد اليتيم قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: " أتى أبد على لبد " يعني نسر لقمان السابع، وفيه يقول النابغة الذبياني:
أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملواأخنى عليها الذي أخنى على لبد وقد ذكره لبيد في شعره أيضاً
ع: بيت لبيد هو قوله:
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل والعرب تزعم أن النسر يعيش خمسمائة عام ويزعمون أن لقمان بن عاد عاش عمر سبعة أنسر، كلما مضى عمر نسر منها أخذ فرخ نسر آخر، وأن آخرها
كان يسمى لبد وإنه لما استوفى سنيه فمات قال لقمان " أتى الأبد على لبد: ثم مات لقمان بعده. ولقمان أحد وفد عاد، وكان قد خير بين عمر سبعة أظب عفر في بلد وعر، وبين عمر سبعة أنسر كلما مر نسر عاد عمره إلى نسر، فاختار عمر الأنسر في حديث طويل.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي في نحو منه: " انقطع السلى في البطن " أي فات الأمر وانقضى وكذلك: " انقطع قوى من قاويه "
ع: السلى للماشية وهو الوعاء الذي يكون فيه الولد وهو من الناس المشيمة. وقال أبو زيد: هما للناس وإذا انقطع السلى في البطن هلك الحامل والمحمول به، وأما قوله " انقطع قوى من قاويه " فقول يخالفه فيه أهل اللغة إنما هو " انقطع قوب من قائبة " يعنون فرخاً من بيضة. وكذلك يقولون في الدعاء لا والذي أخرج قوباً من قائبة، أي فرخاً من بيضة، سميت قائبة لتقوبها أي تفرقها عن الفرخ. ولذلك سميت القوباء لتقشر الجلد عنها على وزن " فعلاء " فإن قيل على وزن " فعلاء " ذكر وصرف.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الذي ينزل به الأمر الشديد الذي يحتاج أن ينصب فيه ويتعني: " إحدى لياليك فهيسي هيسي ".
ع: هذه كلمة للعرب، يقولون للرجل: هيس هيس عند إمكان الأمر والإغراء به، قال رجل من طسم حين أوقعت بها جديس، وقد تقدم خبرهم موفى:
يا طسم ما لاقيت من جديس ... إحدى لياليك فهيسي هيسي لا تنعمي الليلة بالتعريس ... يخاطب ناقته وهو فار من جديس. قال الأموي: الهيس يفتح الهاء: السير أي ضرب كان، وأنشد الشطر.
قال أبو عبيد: ومن ذلك قولهم: " عش رجباً تر عجباً "
ع: كان أهل الجاهلية يرفعون مظالمهم إلى رجب ثم يأتون فيه الكعبة فيدعون الله ﷿ فلا تتأخر عقوبة الظالم، فكان المظلوم يقول للظالم: " عش رجباً تر عجباً "، فسئل عمر بن الخطاب ﵁ عن ذلك، وقيل نحن اليوم مع الإسلام ندعو على الظالم فلا نجاب في أكثر الأمر، فقال عمر ﵁: إن الله ﷿ لم يعجل العقوبة لكفار هذه الأمة ولا لفساقها فإنه تعالى يقول ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ (القمر:). ويروى " عش رحباً " بالحاء المهملة أي وقتاً واسعاً.
قال أبو عبيد: ومن الشدائد قولهم " رأى فلان الكواكب مظهرا " أي أظلم عليه يومه حتى رأى الكواكب عند الظهر.
ع: قد ذكرت ذلك الشعراء وأكثرت، قال طرفة:
إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر وأصل هذا أن اليوم الشديد العماس في الحرب يثور فيه النقع ويرتفع الغبار فإذا اتفق أن تجذبه الريح تلقاء الشمس وهي مشرقة أو مغربة ظهرت الكواكب في الأفق الآخر لأن الرهج يستر نور الشمس المانع من بدو الكواكب [فتظهر] في الأفق النائي عنها، وقد زعموا أن الكواكب ظهرت يوم حليمة فضرب ذلك مثلاً لكل شدة.
؟ باب اصطلام الدهر الناس بالجوائح
قال أبو عبيد: فإذا كثر أمر الجوائح عليه وطال حتى يمرن عليه ويبسأ به قيل: " أساف حتى ما يشتكي السواف " والإسافة ذهاب امال، يقول: قد اعتاده حتى ليس يجزع.
ع: يقال: بسأت بالرجل أبسأ به بسأ وبسوءاً، وبهأت به أبها بهأ وبهوءاً وهما واحد، وهو استئناسك به، والسواف: الهلاك، عام في كل شيء. يقال: رماه الله بالسواف أي بالهلاك.
؟ باب هلاك القوم بالحوادث
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في الهلاك قولهم: " وقع القوم في وادي جذبات " [قال]: وقد يقال ذلك فيهم أيضاً إذا جاروا عن القصد. قال الكسائي: ويقال أيضاً: " وقع القوم في وادي تضلل، وفي وادي تهلك وفي وادي تخيب " كله مثل المعنى الأول.
ع: أما قولهم في وادي تجذب فإنه الذي يجذبهم هكذا وهكذا بضلاله لا يهتدون فيه لوجهة فطوراً يشرقون وطوراً يغربون، وتارة يأخذون ذات الجنوب وتارة ذات الشمال. وأما قولهم: وادي تهلك ووادي تضلل ووادي تخيب فذلك من الضلال والهلاك والخيبة. وفي " البارع " عن أبي الصقر: سلك فلان في وادي تضلل؟ بكسر التاء والضاد؟ إذا تكلم فأخطأ أو عمل شيئاً فلم يصب وجهه وجار عنه.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي ومنه قولهم: " أخذوا طريق العيصين "
ع: هكذا رواه أبو عمر ابن احباب وغيره عن أبي علي العيصين؟ بالياء أخت الواو؟ كأنه تثنية عيص وهو الشجر املتف. ووقع في كتاب قاسم بن سعدان أخذوا طريق العبصين بالباء المعجمة بواحدة وكذلك قال علي بن عبد العزيز.
قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن قولهم سلك طريق العنصلين، إذا أخطأ الطريق، والصاد مفتوحة ولا تكون مضمومة؟ وقد حكى غيره فيها الضم كما قال:
عنصل وعنصل ومنصل؟ فقال الأصمعي: ذكر الفرزدق إنساناً في شعره فقال:
أراد طريق العنصلين فياسرت ... به العيس في نائي الصوى متشائم فظنت العامة أن كل من ضل ينبغي أن يقال له هذا. وطريق العنصلين حق وهو طريق مستقيم والفرزدق وضعه على الصواب.
وقال الزبير أو غيره من الرواة: طريق العنصلين طريق كثيراً ما يقتل فيه من سكله، وطريق العنصلين هو المعروف عند اللغويين، وأما طريق العيصين فلا أذكره إلا في كتاب أبي عبيد هذا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الهلاك: " أوت بهم عقاب ملاع " يقال ذلك في الواحد وفي الجميع.
ع: يعني أنه لا يقال عقابا ملاع وعقبان ملاع. وقال الزبير: ملاع موضع وقال اللغويون في قول امرئ القيس:
كأن دثاراً حلقت بلبونهعقاب ملاع لا عقاب القواعل
إن تفسير عقاب ملاع: سريع لأن الملع السرعة [يقال]: ناقة ملوع ومليع أي سريعة، فمعنى عقاب ملاع أن كلما علت في الجبل كان أسرع لانقضاضها يقول: فهذه عقاب ملاع، أي العالي، أي تهوي من علو، وليس بعقاب القواعل وهي الجبال القصار. هذا قول أبي بكر وروايته، وكذلك رواه محمد بن حبيب وغيرهما. وزعم قوم أن ملاع؟ لا يجرى؟ اسم للصحراء. وإنما قالوا ذلك لأن عقاب الصحراء أسرع وأبصر من عقاب الجبال. ورواه الأصمعي عقاب تنوفى، وهي ثنية من جبل طيء مشرفة.
قال أبو عبيد: وهذا مثل قولهم: " في الدهيم " أن أصلها كان إخوة قتلوا فحملوا على ناقة يقال لها الدهيم فجعلتها العرب مثلاً في البلايا العظام.
ع: كان من خبر الدهيم أن مالك بن كومة الشيباني لقي كنيف بن عمرو، وكان مالك نحيفاً وكان كنيف ضخماً، فلما أراد مالك أسر كنيف اقتحم عن فرسه لينزل إليه مالك فيبطش به فأوجره مالك السنان وقال: والله لتستأسرن أو لأقتلنك، فأدركهما عمرو بن الريان فاحتق فيه هو ومالك بن كومة؟ أي اختصما؟ فقالا: قد حكمنا كنيفاً، من أسرك يا كنيف؟ فقال: لولا مالك بن كومة لكنت في أهلي. فلطمه عمرو بن الريان فغضب مالك بن كومة وقال: أتلطم أسيري. إن فداك يا كنيف مائة بعير وقد وهبتها لك بلطمة عمرو وجهك، وجز ناصيته وأطلقه. ول يزل كنيف يطلب عمراً باللطمة حتى دله عليه رجل من عقيلة وقد ندت له إبل فخرج عمرو وإخوته في طلبها فأدركوها وذبحوا حواراً
واشتووه وجعلوا يأكلون فغشيهم كنيف في ضعف عددهم، فلما حسر كنيف عن وجهه قال له عمرو: يا كنيف إن في خدي وفاء من خدك وما في بكر بن وائل أكرم من خدي فلا تشبب الحرب بيننا وبينك. قال: كلا أو أقتلك وأقتل إخوتك، فقتلهم وجعل رؤوسهم في مخال وعلقها على ناقة لهم يقال لها الدهيم، فجاءت الناقة إلى الحي والريان جالس أمام بيته حتى بركت فقال: يا جارية هذه ناقة عمرو وقد أمطى هو وإخوته، فقامت الجارية. فجست مخلاة فقالت: أصاب بنوك بيض نعام فأدخلت يدها، فأخرجت رأس عمرو أول ما أخرجت ثم رؤوس إخوته فضرب حمل الدهيم مثلاً في البلايا العظام.
قال أبو عبيد: وقد روي هذا المثل عن حذيفة حين ذكر الفتن فقال:
أتتكم الدهيم ترمي بالنشف، والتي بعدها ترمي بالرضف ... ع: النشف: هي الحجارة التي يقذف بها البركان، وهي التي تحك بها الأقدام واحدتها نشفة، ويقال لها أيضاً نسفة؟ بالسين مهملة مفتوحة؟ لأنها تنسف ما على الأقدام من الدرن أي تسقطه ولذلك سمي أثر رجل الراكب من مركوبه النسيف لسقوط الشعر عنه، قال العبدي:
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزهانسيفاً كأفحوص القطاة المطرق
والرضف: الحجارة المحماة.
قال أبو عبيد: وفي حديث آخر عن حذيفة " الدهيما " وفي بعضه: " الرقطاء ".
ع: روى الشعبي عن صلة عن حذيفة: تكون أربع فتن آخرها الرقطاء المظلمة تسوقهم إلى الدجال. قال الحربي: أي شهرت في الفتن كشهرة الدجاجة الرقطاء في الدجاج.
؟ باب بلوغ الشدة ومنتهى غايتها في الجهد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " عدا القارص فحزر " أي تفاقم الأمر واشتد.
ع: أصل هذا المثل قول الراجز؟ والراجز معلوم لكني لا أذكره الآن -
يا عمر بن معرم لا منتظر ... بعد الذي عدا القروص فحزر يقول: لا منتظر بعد أن بلغ الأمر هذا المبلغ من الشدة. يقال: حزر اللبن والنبيذ، إذا بلغ الغاية من الحمضة.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " هذا أجل من الحرش " وأصله في احتراش الضباب.
ع: تزعم العرب أن الضب بينا هو يوماً يوصي ولده ويقول: يا بني إذا أتاك الحارش فافعل كذا، فإن فعل الحارش كذا فافعل كذا، إذا بحافر يحفر عنه جحره، فلما سمع ولد الضب وقع المحفار، قال: يا أبتي أهذا الحرش؟ قال: يا بني " هذا أجل من الحرش " والحرش صيد الضباب خاصة على وجه معروف عندهم. يضربونه مثلاً لكل من كان يخشى شيئاً فوقع فيما هو أشد منه.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الشدة قولهم: " القوم في أمر لا ينادى وليده " أي بلغ من الجهد أن يذهل المرأة عن صبيها أن تدعوه.
ع: الذي ذكره قول الأصمعي. وقال غيره: معناه أن هذا الأمر لعظمه لا ينادى فيه الصغار وإنما ينادى فيه الكبار الجلة. هذا قول أبي عبيدة. وقال غير هؤلاء: هذا المثل يضرب في موضع الكثرة والسعة أي متى أهوى الوليد بيده إلى أخذ شيء لم يزجر لكثرة الشيء عندهم، هذا قول الكلبي، قال: ثم جعلوا ذلك مثلاً لكل خصب وسعة. قال الشاعر:
فأقصرت عن ذكر الغواني بتوبةٍ ... إلى الله مني لا ينادى وليدها ونحو منه قولهم: " هم في خير لا يطير غرابه " يقول: يقع الغراب ولا ينفر لكثرة ما عندهم.
وقال أبو العميثل الأعرابي: الصبيان إذا رأوا عجباص تحشدوا له مثل القرد والحاوي فلا ينادون ولكن يتركون يفرحون والمعنى أنهم في أمر عجب. وقال الفراء: هذه لفظة تستعملها العرب إذا أردت الغاية وأنشد:
لقد شرعت كفا يزيد من مزيد ... شرائع جود لا ينادى وليدها وقال ابن الأعرابي: معناه أمر كامل ليس فيه خلل ولا اضطراب قد قام فيه الكبار واستغني بهم عن نداء الصغار.
قا أبو عبيد: وقد روينا قولهم: " قد بلغ الماء الزبى، وقد تجاوز الحزام الطبيين " عن عثمان بن عفان ﵁ كتب بهما إلى علي ﵁ وكان غائباً، وعثمان محصور في كلام قد ذكرناه في غريب الحديث.
ع: كتب عثمان إلى علي ﵄: أما بعد قد بلغ الماء الزبى وتجاوز الحزام الطبيين وطمع في من كان لا يدفع عن نفسه:
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق وقد فسر أبو عبيد معنى المثلين. وقد ذكرنا فيما تقدم من الكتاب هذا البيت وقائله وما اتصل بمعنى ذلك.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الأمر إذا انتهى فساده: " كدابغة وقد حلم الأديم " ثم قال: وقال المفضل إن المثل الخالد بن معاوية السعدي.
ع: قد ذكرنا خبره كاملاً عند ذكر أبي عبيد: " هم خير قويس سهماً " وهو خبر يجمع أمثالاً فأنظره هناك.
؟ باب الغيبة التي لا يرجى لها إياب
قال أبو عبيد: قال ابن الكلبي من أمثالهم في هذا قولهم: " إذا ما القارظ العنزي آبا ". قال: وهما قارظان كلاهما من عنزة، فالأكبر منهما هو يذكر (ابن عنزة والأصغر هو رهم بن عامر من عنزة) وذكر أبو عبيد خبره وأنشد في الخبر لخزيمة بن نهد:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا ع: وهذا بيت يحتاج إلى تفسير وتبيين معناه. وقوله أردفت: صارت ردفاً لها، يقال: ردفت الرجل وأردفته، أي صرت له ردفاً، فإن أردت أنك أركبته خلفك قلت: ارتدفته، يقول: إذا أردفت الجوزاء الثريا: [أي] إذا طلعت
الجوزاء إثر الثريا عند الفجر ثم لم يردفها نجم آخر لغلبة نور الشمس على النجوم فلذلك خص اجوزاء بالارداف دون غيرها. فإذا كان في ذلك الوقت رجع أهل البوادي إلى مياههم لانقطاع الحر وحاجتهم إلى المياه، قال: فعند ذلك أظن بآل فاطمة الظنون لأني لا أدري أين ينزلون معنا أم مع غيرنا، وقال قوم أراد بقوله: إذا الجوزاء أردفت الثريا جعلتها خلفها، وهذا لا يكون لأن الجوزاء لا تتقدم الثريا، فهذا كقولهم " حتى يشيب الغراب " و " حتى يبيض القار "، يقول: أنا لا أظن الشر بآل فاطمة أبداً. ذكر هذا المعنى الآخر محمد بن يزيد وصلة بيت خزيمة وهو أول الشعر:
ظننت بهم وظن المرء حوبوإن أوفى وإن سكن الحجونا
وحالت دون ذلك من هموميهموم تخرج الشجن الدفينا
أرى ابنة يذكر رحلت فحلتجنوب الحزن يا شحطاً مبينا ؟ باب الإسراف في القتل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " صمت حصاة بدم " وذكر معناه.
ع: فأما قولهم: " صمي صمام " و " صمي ابنة الجبل " فإن أبا عبيدة قال: ابنة الجبل هي الحصاة فهو مثل قولهم " صمت حصاة بدم " ويقال: بنت الجبل الحية، فيقال صمي صمام أي لا تجيبي الرقاة، ولذلك يقال في الداهية:
صمي صمام تشبيهاً بالحية. قال القتبي: يقال صمي ابنة الجبل عند الأمر يستفظع. قال امرؤ القيس:
بدلت من وائل وكندة عدوان وفهماً صمي ابنة الجبلوقال الكميت:
فإياكم إياكم وملمةً ... يقول لها الكانون صمي ابنة الجبل الكانون: الذين يكنون عنها، وقال ابن أحمر:
وردوا ما لديكم من ركابيولما يأتيكم صمي صمام
فراغ
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع