من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)
الوصف والتشبيه
وصفه أبو زيد الطائي في حكاية حكاها لعثمان بن عفان ﵁ وقد لقيه فقال:) أقبل يتظالع من بغيه، ولصدره غيظ، ولبلاعيمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض كأنما تخبط هشيما، أو يطأ صريما، ذا هامة كالمجن، وخد كالمسن، وعينان سجراوان كانهما سرجان، وقصرة ربلة، ولهزمة رهلة وساعد مجدول وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن، ومخالب كالمحاجن وفم أشدق كالغار الأخرق يفتر عن معاول مصقولة غير مغلولة، فهجهجنا به قرقر وبربر ثم زأر فجرجر، ثم لحظ البرق يتطاير من جفونه عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي واصطكت الأرجل، وجحظت العيون، وساءت الظنون، ولحقت الظهور بالبطون، وقد روى آخرون في حكايته وصفا آخر، وكان الوصفان مصنوعين على لسانه، إذ العرب قلما تسترسل في السجع.
وهو له عينان حمراوان مثل وهج الشرر كأنما نقرتا بالمناقر عرض حجر لونه ورد، وزئير رعد، هامته عظيمة، وجبهته سقيمة، نابه شديد، وشره عتيد، إذا استقبلته قلت أقرع، وإن استدبرته قلت أقرع، لا يهاب إذا الليل عسعس، ولا يجبن إذا الصبح تنفس ثم أنشد:
عبوس شموس مصلخد مكابرجريء على الإقدام للقرن قاهر
براثنه شثن وعيناه في الدجىكجمر الغصا في وجهه الشر طائر
يدل بأنياب حداد كأنهاإذا قلص الأشداق عنها خناجر
ومن التهويلات في الأسد نظما قول القائل:
إياك لا تستوش ليثا مخدراللهول في غسق الدجى دواسا
مراسا كأمراس القليل جدولهلا يستطيع له الأنام مراسا
شثن البراثن لمحاجن عطفتأظافره فتخالها أقواسا
لان الحديد لجلده... فإهابهيكفيه من دون الحديد لباسا
مصطكة أرساغة بعظامهفكأن بين فصولها أجراسا
وإذا نظرت إلى وميض جفونهأبصرت بين شفورها مقباسا
وقال آخر يصفه:
توق وقاك رب الناس ليثاحديد الناب والأظفار وردا
كأن بملتقى اللجين منهمذربة الأسنة أو حدا
وتحسب لمح عينيه هدوءورجع زئيره برقا ورعدا
تهاب الأسد حين تراه منهإذا لاقته في الغاب فردا
تصيد من الفرائس حين يبدووكانت قبل تأنف يصيدا
وقال الناشئ يصفه:
رب ذي شبلين قسورةقد أجم الحين في اجمه
لا يرى حيا يطيف بهلا ولا يدنو إلى حرمه
كمجن الحرب هامتهوكغفور النار غور فمه
وكجدل الجذع قصرتهوكهضيب صعب ملتزمه
وتظفر القد ساعدهوتلف رحب مبتسمه
وكوقب الشعب فعلتهوكلصب شعب ملتقمه
ولناب الناب مخلبهحين ينجيه بمختطمه
وكأن الموت معترضبين لحييه وملتثمه
وكأن البرق ما قدحتعينيه باللحظ من ضرمه
وكأن الرعد ما انتزعتنفسه بالزأر من سدمه
وكأجناد المخاشب مابين منبته إلى قممه
وكوشك الدهر خطفتهحين تلقيه على وجهه
وكأجال تسير إلىعمر إمضاء مغترمه
وكأن السيف منصلتاكرة إذ ذاد عن حرمه
وكأن السهم منخرقاحصره قصدا إلى نهمه
أن يكون رزق الورى قسمافجميع الناس من قسمه
وقال أبو الطيب المتنبي يصفه من أبيات:
ورد إذا ورد البحيرة وارداورد الفرات زئيره والنيلا
مخضب بدم الفوارس لابسفي غيله من لبدتيه غيلا
في وحدة الرهبان إلا أنهلا يعرف التحريم والتحليلا
وقعت على الأردان منه بليةنضدت بها هام الرفاق تلولا
ما قوبلت عيناه إلا ظنتاتحت الدجى نار الفريق حلولا
يطأ الثرى مترفقا من تيههفكأنه آس يجس عليلا
ويرد عفرته إلى يافوخهحتى تصير لرأسه إكليلا
وتظنه فيما يزمجر نفسهعنها لشدة غيظه مشغولا
قصرت فخامته الخطى فكأنماركب الكمي جواده مشكولا
ثم خرج إلى ذكر الممدوح، وقال عبد الجبار بن حمديس يصفه:
ليث مقيم في غياض منيعهأمين على الوحش المقيمة في القفر
يلحم شبليه لحوم فوارسويقطع كاللص السبيل على السفر
هزبر له في فيه نار وشفرةفما يشتوي لحم القتيل على الجمر
سراجان عيناه إذا أظلم الدجىفإن بات يسري باتت الوحش لا تسري
له جبهة مثل المجن ومعطسكأن على أرجائه صبغة الحبر
يصلصل رعد من عظيم زئيرهويلمع برق من حماليقه الجمر
له ذنب مستنبط منه سوطهترى الأرض منه مضروبة الظهر
ويضرب جنبيه به فكأنماله منهما طبل يحض على الكر
ويضمك في التعبيس فكيه من مدىنيوب صلاب ليس تهتم بالفهر
يصول بلف عرض شبرين عرضهاخناجرها أقصى من القضيب المبتر
يجرد منها كل ظفر... كأنههلال بدا للعين في أول الشهر
ثم خرج إلى ذكر الممدوح... وذكر كيف صرعه وقتله
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع