تجاوز إلى المحتوى

من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)

الوصف والتشبيه (١٢)

كاتب أندلسي يصف بقراً وحشية في رسالة طردية: عن لنا سرب نعاج يمشين رهوا كمشي العذارى، وينثنين زهواً تثني السكارى، تخلج بالكافور جلودها، وتضمخ بالمسك قوائمها وخدودها، وكأنما لبست الدمقس سربالاً واتخذت السندس سروالاً.

من كل مهضمة الحشا وحشيةتحمي مداريها دماء جلودها
وكأنما أقلام حبر كتبتبمداد هينيها طروس خدودها

فأرسلنا أول الخيل على آخرها، وخليناها وإياها، فمضت مضي السهام وهوت هوى السمام، فمالت في أسرابها يميناً وشمالاً، فكأنما أهدت لآجالها آجالاً فمن متقٍ بروقه وكابٍ أتاه حتفه من فوقه.

وقال الأخطل يصف ثوراً وذكر وادياً:

فما به غير موشى أكارعهإذا أحس بشخص ماثل مثلا
كأن عطارة باتت تطيف بهحتى تسربل ماء الورس وانتقلا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «هل تعرف اليوم من ماوية الطللا»
كأنه ساجد من نفح ديمتهمقدس قام تحت الليل فابتهلا
يلقي التراب برد فيه وكلكلهكما استماز رئيس المقنب الثقلا

وقال أيضاً يصفه في أبيات:

أو مقفر خاضب الإطلاق جاد لهغيث يظاهر في ميثاء مبكار
فبات إلى جنب أرطاة تكفئهريح شمالية هبت بأمطار
إذا أراد به التنغيص أرقهسيل يدب بهدم الترب موار
حتى إذا إنجاب عنه الليل وانكشفتسماؤه على أديم مصحر عار
للشاعر الأخطل، من قصيدة «تغير الرسم من سلمى بأحفار»
أنسن أصوات قناص أحس بهمكالجن يهفون من جرم وأنمار
فأنصاع كالكوكب الدري يتبعهغضبان يخلط من معج وإحضار

وقال عدي بن الرقاع يصف ثورين يعدوان:

يتعاوران من الغبار ملاءةبيضاء محكمة نسجاها
تطوى إذا وردا مكاناً جاسياًوإذا السنابك أسهلت شرها

والوصف البديع لسرعة عدوه قول الطرماح يصف ثوراً:

يبدو وتضمره البلاد كأنهسيف على شرف يسل ويغمد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

وأما الأيل فإن أصحاب البحث عن طبائع الحيوان يقولون أن ذكره من عصب لا لحم فيه ولا غضروف، ولا عظم، وإن قرنه مصمت لا تجويف فيه، والأنثى تقلق لنزو الذكر قلقاً شديداً، ولهذا لا تثبت لنزوه إلا في الفرط مرة واحدة، وإذا حملت لا تضع إلا على السب، والطرق لهرب السباع من الجادة المسلوكة، وإذا وضعت أكلت الجعدة لإصلاح لبنها، وهي تحب الكينونة في القمر، وتأتي بولدها إلى أماكن الماء، وتعرفه المواضع التي ينبغي أن يهرب إليها إذا احتاج إلى الهرب، وهي صخور فيها صدوع، وتجويفات، ليس لها مدخل واحد، وتقف على ذلك المدخل وتقاتل بجهدها كل حيوان يطلب ضرر ولدها، والأيل يسمن جداً، فإذا سمن اختفى في موضع لا يعرف خوفاً أن يصاد لسمنه، وهو مولع بالحيات يطلبها في كل موضع فإذا انجحرت منه أخذ في فمه ماء ثم نفخه في الجحر فتخرج له ذنبها فيأكلها حتى ينتهي إلى رأسها فيتركه خوفاً من السم، وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه يدخل الأصبع فيهما، فتجمد تلك الدموع وتصير كالشمع يتخذ ترياقاً لسم الحيات، وهو البادزهر الحيواني، وإذا لسعته أكل السراطين فيبرأ، وكذلك يأكل التفاح الحامض إن كان زمانه، أو ورق شجره فيبرأ، ولا تنبت له القرون إلا بعد أن يمضي عليه سنتان من عمره وإذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين، وفي الثالثة يتشعب، ولا تزال الشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، وحينئذ يكونان كالشجرتين على رأسه ثم بعد ذلك يلقي قرونه في كل مرة ثم تنبت، وإذا نبتا له تعرض بهما للشمس ليصلبا وإذا صارا كالشجرتين منعاه الإحضار، فلا يكاد يفلت إذا طردته الخيل وهو إذا ألقاهما انجحر حتى ينبتا لأنهما آلته وليس له سلاح غيرهما يدافع بهما عن نفسه كالترس للجبان لأنه لا ينطخ بهما إلا إذا صلحا لذلك زعم أرسطو: أن هذا النوع يصاد بالصفير والغناء، فهو ينام ما دام يسمع ذلك، والصيادون يشغلونه بالتطريب ويأتون إليه من خلفه فإذا رأوه مسترخية أذناه وثبوا عليه، وإن لم يكن فليس لهم إليه سبيل وإذا اشتد عليه العطش من أكل الحيات أتى غدير الماء، واشتمه ثم انصرف عنه يفعل ذلك أربعة أيام، ثم يشرب في اليوم الخامس، وإنما يمتنع عن شرب الماء لخوفه على نفسه من سريان السم في الجسد مع الماء.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في طبائع الحيوان الوحشي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.