تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

جُمْهُور الْأَغْرَاض السلطانيات (٢)

وَمن ذَلِك

الْمقَام الَّذِي شأو فسيح المدا، وتتراكض فِيهِ جِيَاد الباس والندا، وأخبار فخره، يرْوى صحائفها كل من رَاح وَغدا. وَنِيَّته فِي نصر الْإِسْلَام يعرفهُ عوارف النعم الجسام يَوْمًا وَغدا. مقَام مَحل أخينا الَّذِي مَقَاصِد وده سافرة الْغرَر، وآيات مجده خالدة الْأَثر، ومكارمه هامية الدُّرَر، ومواعيد نَصره على أَعدَاء الْإِسْلَام، يتشوف الدّين إِلَى ميقاتها المنتظر، ورايات جلالته لَا تونى من ضعف الْخَبَر، وصنايعه فِي سَبِيل الله، يرفل الْإِسْلَام مِنْهَا فِي رايق الحبر.

السُّلْطَان الكذا بن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا. أبقاه الله عالي الْمجد، كريم الْقَصْد، رافلا فِي حلل الْفَخر والسعد، مُعظم مقَامه السَّامِي المصاعد، الْمثنى على مجده الأثيل الْقَوَاعِد، ووده العذب الْمَوَارِد، وفضله الْوَاضِح الشواهد، الْأَمِير عبد الله بن يُوسُف بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن فرج بن نصر. سَلام كريم بر عميم، يخص أخوتكم الفاضلة، ومملكتكم الحافلة، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله، ولي الْحَمد وَأَهله، الَّذِي تخلص المودات الصادقة من أَجله، ويستعان بحوله وقوته فِي الْأَمر كُله، فَلَا يخيب من اعْتمد على كرمه، أَو عول على فَضله، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، خيرة أنبيائه، وَخَاتم رسله، الَّذِي نأوي عِنْد الْفَزع الْأَكْبَر إِلَى ظله، ونرتجي النجَاة فِي التَّمَسُّك بحبله، ونستجير بجاهه على شَدَائِد الدَّهْر وأزله، ونتوسل إِلَى الله بعزة قدره لَدَيْهِ ورفعة مَحَله، فسلك من الإسعاد على أوضح سبله، وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه وعترته وَأَهله، المقتدين بِهِ فِي قَوْله الْكَرِيم وَفعله. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم من عنايته أوفى الحظوظ والأقسام، وعرفكم عوارف الآلاء الجسام، وأنجح [فِي نصركم] على أعدائه الْكَافرين، أمل أهل الْإِسْلَام، حَتَّى ترتسم [حَسَنَات جهادكم] فِي صحف الْأَيَّام.

من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله سُبْحَانَهُ، ثمَّ بِمَا عندنَا من الِاعْتِدَاد بمقامكم الأسمى، مهد الله سُلْطَانه، إِلَّا الْخَيْر المديد الرواق، والصنع الباهر الْإِشْرَاق، والأمن المنسحب على الْآفَاق، وتشيعنا إِلَى مثابتكم الْعلية مُحكم الْمِيثَاق، ومورد ثنائنا على مكارمكم السّنيَّة عذب المذاق، وَلَا نزال نجتلى

من مخاطباتكم الْبرة أزهار الْبَيَان، من فَوق الأوراق، ونقتني من أنفاسها إثمد الأحداق، ونثني بِمَا خولكم الله تَعَالَى من الْمجد الَّذِي أحرزتموه بِالِاسْتِحْقَاقِ، وجريتم فِيهِ جرى الْجِيَاد على الأعراق. وَإِلَى هَذَا أيدكم الله بالنصر على أعدائه، وعرفكم عوارف الْعِنَايَة الإلهية فِي مختم كل أَمر وابتدائه. فإننا ورد علينا كتابكُمْ السافرة عَن محيا الدّين فصوله، الْقَائِمَة على كريم الْعَهْد أُصُوله، النَّاطِق بِلِسَان الْفضل الْمُبين محصوله، اجتنينا مِنْهُ رَوْضَة نمت صوادح الْبر بأفنانها، وحلة نم طيب الخلوص من أردائها، تعرفُون بِمَا كَانَ من وجهتكم الَّتِي اتخذتم فِيهَا الحزم طَرِيقا، والعزم مصاحبا ورفيقا، والتوكل على الله سُبْحَانَهُ قبيلا وفريقا، وَإِن ركابكم لم يلو على من تلوم، وطرق عزمكم مَا اغضى وَلَا هوم. فَلم تقفكم الأطواد، وَقد سمت صياصيها [وشابت بالثلج نَوَاصِيهَا، حَتَّى ألحقتم أدانيها بأقاصيها، وحللتم بسجلماسة، حُلُول الإصراخ والبدار، والمعاجلة المسقطة للأعذار، وطلعتم بآفاقها طُلُوع النَّهَار، وأعدتموها إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من التَّمْهِيد والقرار، ووفد بهَا عَلَيْكُم من سميتم من الْأَشْيَاخ الْكِبَار، ووجوه الْقَبَائِل الْأَحْرَار، على اخْتِلَاف الصِّفَات، وتباين الأقدار، وَأَنَّهُمْ وردوا من قبولكم على أعذب المشارب، وشملهم صفح مقامكم الرفيع الْجَانِب، وانتظموا فِيمَن حف بكم من الجيوش والكتائب، وَأَنْتُم صرفتم إِلَى الأحواز المراكشية صُدُور الركائب، وشرعتم فِي صلَة الْعَزْم الدائب. واستوفينا مَا قَرَّرَهُ مقامكم الْأَعْلَى بِمُقْتَضى الود الْكَرِيم الْوَاضِح الْمذَاهب، ورأينا أَن الَّذِي يحمل أخوتكم

الْكَرِيمَة على تعريفنا بجزيئات أحوالها فِي مقَامهَا الرفيع وارتحالها، على انتزاح حلالها، [وشواغل جلالها] إِنَّمَا هُوَ الود الَّذِي زكتْ شُهُوده، وَثبتت عقوده، وعذب فِي الله وُرُوده، فأطلقنا فِي الثَّنَاء على مقامكم أَعِنَّة اللِّسَان، وأطنبنا فِي ذكر فواضلكم العميمة، ومقاصدكم الحسان، وَقُلْنَا نعم الود الَّذِي أصبح على مرضاة الله قَائِم الْبُنيان، فَلَو استعرنا لِسَان بديع الزَّمَان، وَغَيره من فرسَان الْبَيَان، لما وَفينَا بعض شكركم الفسيح الميدان، الْكَرِيم الْأَثر والعيان. وَاعْلَمُوا أَن ذَلِك الْقطر، وصل الله لَهُ، عوائد التَّمْهِيد، وعرفه عارفة الْيمن المديد، إِذا سكن زلزاله، وَحسنت عواقبه. وكرم مَاله، وصلحت باجتماع الْكَلِمَة أَحْوَاله، عَادَتْ على بِلَادنَا عوائد الْأمان، وأغضى عَن هَذَا الْقطر جفن الزَّمَان، وَعلم الْعَدو أَن نَاصِر الْإِسْلَام، يُمكنهُ الدفاع عَن أرجائه، والتفرغ إِلَى تيسير رجائه، مَعَ الأحيان، فَمن الله سُبْحَانَهُ، نسل أَن يعرفنا من تِلْكَ الْجِهَات الْعلية المؤملة، مَا يكون فِيهِ سُكُون الأقطار، وتمهيد الديار، والصنع الْكَفِيل بعز الْإِسْلَام، وثبار الْكفَّار. وَأما مَا لدينا من الِاعْتِدَاد بمقامكم الْعلي الْمِقْدَار، وَالثنَاء على فَضلكُمْ المتألق الْأَنْوَار، فشيء تضيق عَنهُ أَلْسِنَة الأقلام، وبطون الْأَسْفَار، فواصلوا تعريفنا بِمَا يتزيد لديكم، ويتجدد من الْأُمُور عَلَيْكُم، يكون ذَلِك صلَة لما عودتم من مكارمكم الفائقة وفواضلكم السَّابِقَة. وَالله تَعَالَى يشْكر مجدكم، ويبلغكم من نصر الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين قصدكم بمنه، وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وَمن ذَلِك

الْمقَام الَّذِي وسع [بالأمتين] عدله وإحسانه، وتكفل بجبر الْقُلُوب

وتيسير الأمل الْمَطْلُوب علمه وَلسَانه، واشتمل على المكارم المتعددة شَأْنه، وَقَامَ على الْفضل الْمُبين، والمآثر الرائقة الجبين برهانه، مقَام مَحل أخينا الَّذِي حكمه عدل، وشيمته مجد وَفضل، وَملكه لنصر الله إِيَّاه أهل، وحقوقه على أهل الْإِسْلَام لَا يصدعها جهل، وسيل مكارمه لَا حب سهل. السُّلْطَان الكذا، ابْن السُّلْطَان الكذا، ابْن السُّلْطَان الكذا، أبقاه الله، مخولا من التَّوْفِيق أَسْنَى الْمَوَاهِب، سالكا نظره فِي السداد أوضح الْمذَاهب، متغمدا جَوَانِب الْإِسْلَام بألطافه الْعَجَائِب، ذاخرا من نَصره إِيَّاه جيوش عزم، تسير أَمَام الْكَتَائِب، صارفا إِلَيْهِ من وُجُوه سياسته، مَا يقْضى بِحِفْظ الشَّاهِد مِنْهُ وَالْغَائِب، مُعظم مِقْدَاره الَّذِي فاق الأقدار، ووضح فَضله فَأشبه النَّهَار، وموقر ملكه الَّذِي حَاز الفخار، وَعم فَضله الأقطار فلَان.

أما بعد حمد الله الَّذِي آلاؤه العميمة لَا يقْلع مدرارها، وألطافه الْخفية لَا تَلْتَبِس آثارها، وعناياته بِمن وقف عَلَيْهِ رجاؤه تشرق أنوارها، الَّذِي أقامكم لنصر كلمة الْإِسْلَام، ليحمي ذمارها، ويعلو منارها، فآراؤكم لَهُ تتعدى السداد أنظارها، وعزائمكم تنْتَظر مقطع الوفا شفارها، ومكارمكم تَعب فِي سَبِيل الله بحارها. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، وسيلتنا الَّذِي عظم عِنْد الله مقدارها، وعمدتنا الَّتِي فِي التعويل على شَفَاعَته من هَذِه الْأمة استبصارها، وملجأها الَّذِي تمد إِلَيْهِ أيديها وأبصارها. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، شموس سَمَاء الدعْوَة الحنيفية وأقمارها، الَّذين كَانُوا غيوثا تستسقى أمطارها، وليوثا يرهب زأرها، وأعلاما تمهد سنَن الِاقْتِدَاء أَخْبَارهَا. وَالدُّعَاء لإيالتكم الْعليا بالعز الَّذِي تعمر بِهِ أقطارها، والسعد الَّذِي يتسنى بِهِ أوطارها. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عناية تكرم أسرارها، وسعادة تجنى فِي سَبِيل الله ثمارها.

من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله سُبْحَانَهُ. إِلَّا الْخَيْر المنسحب البرود، واليسر المنتظم الْعُقُود. وَالْحَمْد لله. وَنحن نعتمد من مقامكم على الظل الْمَمْدُود، والمورد الْمَقْصُود. وَإِلَى هَذَا وصل الله لكم أَسبَاب السُّعُود وإنجاز الوعود، فإننا وصلنا كتابكُمْ يسطع أرجه نشرا، وتزف عزته بشرا، تعرفُون بِمَا كَانَ من لحاق الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّا يحي بن رحو، بمثابتكم الْعلية وَشَرحه مَا انْتهى إِلَيْهِ عمله فِي تِلْكَ الْقَضِيَّة، ووقوفه عِنْد مَذَاهِب الْعدْل المرضية، وَمَا ظهر لكم من شمائل الْأمة النَّصْرَانِيَّة، من دغل الطوية، والحيدة عَن الْمذَاهب الجلية، وَإِنَّكُمْ آثرتم الْحق طَرِيقا، وارتضيتم الْعدْل فِي جنب الْعَدو صديقا، وأمرتم بخلاصهم من الشكايات الَّتِي تَقْتَضِي عَلَيْهِم إِيمَانهم، وطلبتم بِمَا يثبت للْمُسلمين بِمثل ذَلِك مِمَّا يَقْتَضِيهِ ضمانهم، وتوجيه من يُبَاشر هَذَا الْغَرَض، الَّذِي تفضلتم بإبرام عقده، وإتمام قَصده، فقابلنا هَذِه الْمَقَاصِد الْكَرِيمَة، الَّتِي لم تدع سَبِيلا فِي الوفا إِلَّا نهجته، وَلَا مَطْلُوبا إِلَّا أنتجته بالشكر الطَّوِيل المديد، وَالثنَاء الغض الْجَدِيد، وَالدُّعَاء لمقامكم بصلَة التَّوْفِيق والتسديد، وَاعْلَمُوا أيدكم الله، أَن النصرى كَمَا تقدم، أمه تجَادل فِي الْحق بعد بَيَانه، وتتمسك بالحبال الرثيثة بعد وضوح برهانه، وَلَو كَانُوا على آثاره من إنصاف، واتصفوا من الانقياد للْوَاجِب بِبَعْض اتصاف، لم يَكُونُوا أهل بَاطِل مُعْتَقد، وزيغ منتقد، ولاكن أبلغ عدلكم الْأُمُور مُنْتَهَاهَا، وتمم أَسبَاب النصفة ووفاها، وَنحن ناظرون فِي تعْيين من يُبَاشر مَا ذكرْتُمْ حَسْبَمَا بِهِ أشرتم، وَعِنْدنَا من الشُّكْر الجزيل مَا يقصر عَنهُ اللِّسَان، وَمن الثنا على هَذِه الْأَغْرَاض الْكَرِيمَة مَا لَا يُدْرِكهُ الِاسْتِحْسَان، فَمَا زَالَت أَعمالكُم فِي سَبِيل الله كَرِيمَة الْخَوَاتِم والفواتح شاهدة بِمَا لكم عِنْد الله

من التَّجر الرابح، كافأ الله قصدكم المتكفل برعي الْمصَالح. وَإِن تشوقتم إِلَى أَحْوَال النصرى، فَهِيَ على حسب مَا عرفناكم بِهِ فِي كتاب أصدرناه إِلَى مقامكم قبله، نؤكد الود وتقرره، ونشرح من ذكر ونفسره، وبحسب مَا يتزيد عندنَا نعجل أعلامكم، ونطالع بمتزيده مقامكم. وَالله تَعَالَى يعمر بالعز أيامكم، ويبشر بالنصر على أعدائه أعلامكم. وَهُوَ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم. وَالسَّلَام يعْتَمد أخوتكم الفاضلة، ومجادتكم الحافلة، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وَمن ذَلِك

الْمقَام الَّذِي يكل لصلاح الْأُمُور نظره الْجَمِيل، ويعدلها كلما هَمت أَن تميل، وتبلغ هَذِه ... المستمسكة بأسبابه الْقَصْد والتأميل، ويلاحظ من مصلحها الْكثير والقليل، وَيذْهب عَن مَذْهَب أمانها التَّأْوِيل وَالتَّعْلِيل، ويؤويها من جناب رعيه الظل الظليل، مقَام مَحل أخينا الَّذِي على وداده الِاعْتِمَاد، وَإِلَى جميل نظره الِاسْتِنَاد، وَبِه الِانْتِصَار إِذا وَقع العناد، وَمن جِهَته التَّمْهِيد إِذا قلق المهاد، وَمن تِلْقَاء تَدْبيره العلاج، إِذا تطرق إِلَى كَون الْهُدْنَة الْفساد، فمكارمه قد وضحت مِنْهَا الأشهاد، ومفاخره يعرفهَا الحسام العضب والقنا المياد، وعزماته [يدخرها الْجِهَاد، وفضائله يعرفهَا الْعباد والبلاد، السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا أبقاه الله مُؤَمل النّظر، كريم الْخَبَر وَالْخَبَر كَفِيلا] عدله يرْعَى الْمصلحَة ودرء الضَّرَر، وَلَا زَالَت سعوده متألقة الْغرَر، ومكارمه هامية الدُّرَر، مرجوا للنصر المنتظر، حميد المساعي مرضِي السّير، محروسا مقَامه من الْحَوَادِث والغير، مُعظم قدره، وملتزم بره المطنب بملء اللِّسَان فِي حَمده وشكره، الْعَارِف بكبير مجده، وأصيل فخره. فلَان.

أما بعد حمد الله المتوالي حَمده، المتوالي إنعامه ورفده، الَّذِي جعل التواصل فِي ذَاته سَببا لَا يفصم عقده، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد الرفيع قدره، الْكَرِيم مجده، رَسُول الله الرَّحْمَة الَّذِي اشرق بدعوته غور المعمورة ونجده، الدَّاعِي إِلَى الدّين القويم، والصراط [الْمُسْتَقيم الَّذِي لَا يضل قَصده، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه الَّذين أنْجز بنصرهم وعده، وَرفعت بهم أَرْكَان مِلَّته، بعد مَا ضم عَلَيْهِ ضريحه الطَّاهِر ولحده] وَالدُّعَاء [لمقام أخوتكم الْعَالِيَة] بالسعد الَّذِي لَا يبلغ حَده، والنصر الَّذِي يمْضِي فِي الْأَعْدَاء حَده، والتأييد الإلهي الَّذِي لَا يَتَقَلَّص ممتده. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا باهر الْأَنْوَار، ومجدا عالي الْمِقْدَار، وصنعا تجْرِي بمصاعدته أَحْكَام الأقدار، وتتصرف وفْق إِرَادَته، حَرَكَة الْفلك الدوار، وأجرى مجْرى أُمُور هَذِه الْبِلَاد الغريبة والأقطار، من تدبيركم الحميد الْآثَار، ونظركم الْجَمِيل الْأَعْمَال وَالْأَخْبَار، على مَا يَقع من الْإِسْلَام موقع الِاخْتِيَار، ويتكفل بتأمين الْحَال والديار.

من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، والاعتماد عَلَيْكُم بعد الله وثيق السَّبَب، وَاضح الْمَذْهَب، والتشيع لكم [كَفِيل للدّين بنيل الأرب] وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، [فإننا إِن] عَقدنَا سلما عقدناه بريحكم الَّتِي] يحذر الْعَدو وهبوبها] وَإِن شننا حَربًا استغثنا بعزماتكم، الَّتِي تنَال بهَا الْملَّة مطلوبها، وَإِن ضمنا عَنْكُم أمرا، صدق الضَّمَان، وَإِن وثقنا بكم انْقَادَ الزَّمَان، وَرَأى مَا يسره الْإِيمَان. فأحوال الْمُسلمين فِي هَذَا الْقطر، على جميل نظركم مُعْتَمدَة،

وعناياتكم فِي كل يَوْم متجددة، فَكلما توقع فِي أَسبَاب هدنتها مرض، عرض مِنْكُم على الأسى الطَّبِيب، أَو حذر من عدوها مَكْرُوه، صرفت الْوُجُوه مِنْكُم إِلَى الْوَلِيّ الحبيب، فوجوه لحظكم سافرة على حَال المغيب، وَهِي وَإِن كَانَت بعيدَة مِنْكُم، توجبون لَهَا بدينكم حق الْغَرِيب، وَإِن هَذَا الصُّلْح الَّذِي تسنى فِي أيامكم وانقاد [إِلَيْهِ الْعَدو بِسَبَب] اعتزامكم، واتصال الْيَد بمقامكم [تكاثرت فِيهِ بَين الْفَرِيقَيْنِ] شكايات وَهِي إِذا [تكاثرت فِي النُّفُوس] نكايات، وَإِن تغوفل فِي حسم عللها، وَإِصْلَاح خللها، والتنزل فِيهَا الْإِنْصَاف، وَرفع النزاع فِي سَببهَا وَالِاخْتِلَاف، أدَّت لانطلاق الْأَيْدِي، ومجازات التَّعَدِّي بِالتَّعَدِّي حَتَّى تتقلص ظلال الْهُدْنَة والمساهمة. وينتقل الحكم من الْكَلَام إِلَى المكالمة، وَالْحَاجة إِلَى الْهُدْنَة، لَا خَفَاء بهَا عَن مقامكم الرفيع الْعِمَاد، إِذْ فِي اقتضا مَا عين لَهَا الْآن من الآماد، جبر الاعداد، وَإِمْكَان الاستعداد بخلال مَا يَسْتَوْفِي إِن شَاءَ الله، على الْمهل أغراض الْجِهَاد، وَأَن رَسُول قشتاله، ردد إِلَيْنَا الْإِرْسَال بِطَلَب خلاص ناسه مَا بِهِ إِلَيْهِ ستظهروا، وَقد حشدوا كثيرا من الشكايات، وحضروا بَين يدينا، فَألْقوا مَا يخْتَص بإيالتنا، مَنْسُوبا إِلَى الْمَوَاضِع والبلاد [وَمَا يخْتَص بِمَا رَجَعَ] لإيالتكم الرفعية الْعِمَاد، وطلبوا [بالإنصاف مِمَّا تثبت] دَعْوَاهُ وخلاص كل شَاك من شكواه، فَبَلغنَا [الْجهد] فِيمَا يرجع إِلَيْنَا فِي دفع الْحجَّة الَّتِي فِيهَا مدفع، والإتيان بِمَا فِيهِ مقنع، وَغرم مَا لزمنا، واتجه علينا حكمه بِحَسب التسديد الَّذِي تتمشى بِهِ الْأَحْوَال، ويحمد فِيهِ بِفضل الله الْمَآل، وقيدوا

بِتِلْكَ الْجِهَة الَّتِي لجميل نظركم قضايا مقررة، ودعاوي مفسرة، ذكرنَا لكم مِنْهَا فِي مدرج كتَابنَا، أشهرها عِنْد الِاعْتِبَار، وأولاها بالإيثار، وسايرها كثير يَقع الْكَلَام فِيهِ بَين منتحلي الْجوَار من الْمُسلمين وَالْكفَّار، وتبني الْأَحْكَام فِيهِ على ثُبُوت الْآثَار، وَلم تَجِد فِيهَا حِيلَة إِلَّا مُخَاطبَة مقامكم الرفيع الْمِقْدَار، إِذْ وُجُوه خدامكم بِهَذِهِ الْبِلَاد، أعزهم الله قد تنزلوا من هَذِه [الدعاوي منزلَة الْخُصُوم] وَطَالَ الْكَلَام فِي الْمَنْطُوق [مِنْهَا وَالْمَفْهُوم]. فَنحْن الْآن نرغب من مقامكم الْأَعْلَى، ومثابتكم الفضلى، أَن يتَعَيَّن من بَابَكُمْ، من يصل لخلاص مَا يجب خلاصه، واستخلاص مَا يحِق استخلاصه، مِمَّن يمْضِي بأمركم الْعلي الْحق حَيْثُ تعين، ويفصل بِالْوَاجِبِ فِيمَا ظهر وَتبين، ونعين نَحن من يقوم فِيمَا يخْتَص بجهتنا هَذَا الْمقَام، ويعين سُلْطَان قشتالة من جِهَته من يروم هَذَا المرام، حَتَّى يرْتَفع النزاع، وَيظْهر الْحق الشعاع، وتستأنف الْهُدْنَة والأمان الأصقاع. فَمَا زَالَ مقامكم يلْتَمس لَهَا أَسبَاب الرِّفْق، ويدر لَهَا سحائب الرزق، ويلتمس فِي التمَاس صَلَاحهَا أوضح الطّرق. وَبِهَذَا النّظر الَّذِي سألناه من علاكم تتمشى الْأُمُور، وتشرح بِالْحَقِّ الصُّدُور، وَيطْلب بِجَمِيعِ مَا للْمُسلمين من الشكايات على مَا تضمنه الْعَهْد المنشور، وَالْعقد المسطور، وَملك الرّوم فِي الْوَقْت قريب الدَّار، داني الْجوَار، يغتنم دنوه لخلاص هَذِه الْأُمُور، الَّتِي يعوق عَنْهَا المطال إِذا بعد مَكَانَهُ، وشطت دَاره، ونزحت أوطانه، عرضنَا عَلَيْكُم هَذَا الْأَمر المهم قبل أَن يخْتل مَا عقد، ويهي مَا سدد، وَأَنْتُم أكفى وأكفل. وَجَمِيل نظركم المؤمل، وعَلى مقاصدكم الْكَرِيمَة الْمعول. وَقد وجهنا إِلَى بَابَكُمْ فِي هَذَا الْغَرَض من يشْرَح الْأُمُور فِيهَا، ويقرر الْمَقَاصِد ويستوفيها، وَله بذلك دربة وخبرة وَمَعْرِفَة مُسْتَقِرَّة، ذَلِك الْقَائِد الكذا، ومقامكم يتفضل بالإصغا لما يلقيه، وَالْقَبُول

لما يُؤَدِّيه. وَالله تَعَالَى يبْقى مقامكم سامية معاليه، عَائِدًا بجميل نظره بِالْخَيرِ على من يواليه. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وَمن ذَلِك

الْمقَام الَّذِي تبادر بالمتزيدات أَعْلَامه، ويتأكد على مر الزَّمَان إكباره وإعظامه، ويقابل جَانِبه بالتشيع الثَّابِتَة أَحْكَامه، الْوَاضِحَة أَعْلَامه. مقَام مَحل أخينا، الَّذِي سعده كَفِيل بِحسن العواقب، ومجده كلف [بإحراز المناقب، وسما فخره قد زينت من نُجُوم الْفَخر بِالشُّهُبِ الثواقب، مكابده مسدود الْمذَاهب، ومنازعه مغالب، وَنِيَّته الصَّالِحَة ضمينة لنيل المطالب، وَإِدْرَاك الرغائب. السُّلْطَان الكذا، ابْن السُّلْطَان الكذا، ابْن السُّلْطَان الكذا. أبقاه الله عَزِيز الْجلَال، كريم الْخلال، قريب النوال، بعيد المنال، كَفِيلا توكله على الله بِحسن الْمَآل منشرحا صَدره فِي جَمِيع الْأَحْوَال، تشهد بمجده ظُهُور الْجِيَاد، وَالسّنة الْبيض الْحداد، ومواقف النزال، مُعظم مقَامه الَّذِي تَعْظِيمه الْفَرْض المحتوم، وإجلاله تطابق مِنْهُ الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم، وَالْمَنْقُول والمعلوم، الْمثنى على مكارمه الَّتِي خجلت مِنْهَا الغيوم، ومناقبه الَّتِي اقتبست مِنْهَا النُّجُوم. فلَان ... سَلام كريم بر عميم يخص مقامكم الْأَعْلَى وأخوتكم الفضلى، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله عَالم خفيات الصُّدُور، الَّذِي أحَاط علمه بِمَا خَفِي من جزئيات الْأُمُور، الْكَفِيل لمن توكل عَلَيْهِ، وفوض الْأُمُور إِلَيْهِ بالعلي والظهور، جَاعل الْعَاقِبَة للتقوى، كَمَا وعد فِي كِتَابه الْحَكِيم المسطور، الَّذِي فِي ذَاته تعقد أَسبَاب الْمَوَدَّة الْخَالِصَة على مر الدهور، ولابتغاء مرضاته، نصل الْيَد على جِهَاد

الْعَدو الكفور. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد المبتعث بِالْهدى والنور الْهَادِي إِلَى السَّبِيل الْوَاضِح وَالسّنَن الْمَأْثُور، الَّذِي بجاهه نرد موارد السرُور، وببركته نستقبل وُجُوه الْخَيْر بادية السفور. [وبالاعتماد على رُكْنه الْأَقْوَى نتعرف عوارف السعد فِي الدُّنْيَا وَيَوْم النشور] وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه الَّذين كَانُوا فِي سَمَاء الْملَّة الحنيفية أَمْثَال البدور، وَفِي لبتها كاللآلي والشذور، الَّذين دافعوا عَنَّا فِي حَيَاته بالحسام المطرور، وخلفوه بعد مماته بالسعي المبرور، والدعا لمقامكم الْأَعْلَى بصلَة النَّصْر الْمَشْهُور، والصنع الْكَفِيل لِلْإِسْلَامِ وَأَهله بالسرور. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم أَسْنَى مواهب الْخَيْر الموفور. وَجعل الْعَاقِبَة الحميدة لملككم الْمَنْصُور.

من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَعِنْدنَا من التَّشَيُّع فِي مقامكم الْأَعْلَى، مَا هُوَ أوضح من النَّهَار، وَأجلى من شروق الْأَنْوَار، فبحسبه نبادر إِلَى مقامكم بأنباء الْأَخْبَار، ونحرس على بسط الْأَعْذَار، ونبذل من إمحاض النِّيَّة لكم مَا يُعلمهُ الْعَالم بخفيات الْأَسْرَار. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وأعز نصركم، فَإِن الْإِنْسَان وَإِن توصل إِلَى معرفَة الظَّوَاهِر والبواطن عَنهُ محجوبة، والخفيات إِلَى علم الله، لَا إِلَى غَيره منسوبة، وَله فِي كل شَيْء أَحْكَام مَكْتُوبَة. وَكُنَّا عرفنَا مقامكم الْأَعْلَى بِمَا عندنَا من صرف نظر الملاحظة إِلَى من لدينا من إخْوَانكُمْ وقرابتكم، بِحَيْثُ لَا يبرح رقيبها وَلَا يخْتل ترتيبها، وإننا نصل التفقد إِلَى أَحْوَالهم، وندلي الْعُيُون إِلَى أَقْوَالهم وأعمالهم، فجرينا من ذَلِك على السّنَن اللاحب وقمنا مِنْهُ بِالْوَاجِبِ، وَلم نَدع جهدا إِلَّا سلكنا مِنْهُ أوضح الْمذَاهب. وَمن اضمر المكيدة يرتقب أوانها، ويلتمس مَكَانهَا، والخواطر لَا يعلم إِلَّا الله شَأْنهَا، وبظاهر

حضرتنا أَمَاكِن مباركة مَشْهُورَة. وزواياها مباركة مَقْصُودَة، ينفر إِلَيْهَا الْجُمْهُور فِي اللَّيَالِي الَّتِي يقوم بهَا للبر سوق، وَتوفى من تعظيمها حُقُوق، وخصوصا لَيْلَة مِيلَاد رَسُول الله، ﷺ، ابْتِغَاء الْبركَة لَدَيْهِ، فَهِيَ بِحَيْثُ ذكر من المواسم الَّتِي ينتدب إِلَيْهَا النَّاس، وتتسابق مِنْهُم الْأَنْوَاع والاجناس، وَإِن أَخَاكُم أَبَا الْفضل، لما كَانَ قد استبطن عقيدة المكيدة، وَأثر اتِّبَاع الآراء غير السديدة، جعل قصد ذَلِك ليلتئذ سَببا لأربه، وورى بهَا عَن مذْهبه. وَمن الْغَد تفقدنا ففقدناه، ووصلنا عادتنا فِي طلبه، فتعرفنا مَا كَانَ من هربه، فبادرنا إِلَى تَوْجِيه الفرسان فِي أَثَره، وطيرنا من أنجاد الخدام من يعوقه عَن وطره، والمرحلة الَّتِي بَيْننَا وَبَين بلد النصرى قريبَة على من يرْكض الْخَيل، وَيقطع بحث ركابه اللَّيْل، فألفوه قد لحق بِأَرْض النصرى، رَاكِبًا فِي قَصدهَا الْخطر، ومقتحما فِي تأميلها الْغرَر، فِي حميلة تنتمي إِلَى ثَلَاثَة عشر لَيْسَ فيهم من بِهِ عِبْرَة، وَلَا من تميزه شهرة، إِلَّا من كَانَ من يَعْقُوب بن أبي عياد شَيْطَانه الَّذِي أغواه، وجذبه من شطن هَوَاهُ، وأرداه فِي ورطة، يتَعَذَّر مِنْهَا منجاه، فَإِن من خاطر بِنَفسِهِ فِي قصد بِلَاد النصرى للغرض الَّذِي قَصده، وَالْمذهب الَّذِي اعْتَمدهُ، قَلما نجح لَهُ عمل، وَلَا تأتى لَهُ مِنْهَا أمل، وَلَا يساعده حَاضر من الزَّمَان وَلَا مُسْتَقْبل، فَهِيَ مثابة وجودهَا عدم، ومفازة، لَيْسَ على الطَّرِيق بهَا علم، قطعت بِمن قَصدهَا على الْقدَم، وقضت بتمزيق الشمل، ومذلة النَّدَم. فامتعضنا لهَذَا الْوَاقِع عِنْدَمَا تعرفناه، ووجهنا إِلَيْهِ وَجه الْعَزْم وصرفناه، ورجعنا على أَخِيه وَأَبْنَاء عَمه باللأئمه الَّتِي لم نقبل فِيهَا عذرا، وَلَا أثرنا فِيهَا صبرا إِذْ كُنَّا قد أغرينا بَينهم، فَجعلنَا بَعضهم على بعض عيُونا ساهرة، ورقبا تبحث عَن كل خافية وظاهرة، فاتهمناهم بكتمانهم مَا استوثقنا مِنْهُم فِيهِ، والمداهنة فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي لَا ترتضيه، فكبسنا مَنَازِلهمْ بِالرِّجَالِ مرّة وَاحِدَة، لم نوسعهم

فِيهَا إمهالا، وَلَا فسحنا لَهُم فِي الْإِقَالَة مجالا، وقبضنا على جَمِيعهم، مَعَ تبَاين أُمُورهم، وتباعد مَنَازِلهمْ ودورهم قبضا هائلا، لم يفلت مَعَه مِنْهُم أحد، وَلَا انخرم من جُمْلَتهمْ عدد، وثقفناهم بحمرائنا فِي أَمَاكِن لَهُم أعددناها، ورتبنا عَلَيْهِم الحراسة وجددناها، نكالا لما وَقع من الْأَمر الَّذِي حرصنا على سد بَابه، وجهدنا فِي قطع أَسبَابه، وبادرنا إِلَى تَعْرِيف مقامكم الَّذِي نعتد بجنابه، ونمحض لَهُ من الود صفو لبابه، ليَكُون على علم من هَذَا الْوَاقِع الَّذِي اتّفق، وَالْأَمر الَّذِي غلب الحزم عَلَيْهِ قدر سبق، بِمُقْتَضى الود الَّذِي تقرر وَتحقّق، والخلوص الَّذِي فرع وانبثق، وَنحن على علم بِأَن أَخَاكُم ركب بحرا لَا نجاة لراكبه، وامتطى صعبا يقطع بِهِ عَن مآربه، إِذْ لَا بُد للنصرى من أَصْحَابه إِلَى سلطانهم، وَهُوَ فِي الْوَقْت بداخل سُلْطَان قشتالة، بِحَيْثُ تَتَعَدَّد المراحل، وتطول الْأَيَّام، ويتعذر على قاصده المرام، وأحوال النصرى فِي فتور هَذِه الْأُمُور لديهم لَا تتخيلها الأوهام، وَلم يزل يتَّصل بهم أهل البسالة من كبار الْبَأْس والإقدام، وأولو المضا الْمَشْهُور والاعتزام، فيستولي على أُمُورهم الاختلال، وتشملهم الْحَاجة، وتضيق مِنْهُم الْأَحْوَال، فَمنهمْ من يرجع أدراجه، بعد أَن يكون الصفح وَالْإِقَالَة أقْصَى أمْنِيته. وَمِنْهُم من يرتجيه مِمَّا تورط فِيهِ حُلُول منيته، وسعادتكم تتكفل بجريان الْأُمُور أفضل مجاريها، واستقامة الْأَحْوَال على أوثق مبانيها، وَقد وجهنا إِلَيْكُم بكتابنا هَذَا الْقَائِد الكذا لكَونه مِمَّن اتّفق لمشاهدة هَذَا الْأَمر حُضُوره، وَحدثت بمرأى مِنْهُ أُمُوره، فَهُوَ يلقى إِلَيْكُم مَا قَررنَا مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْحبّ، ويشرح منَّة مَا أجمله الْكتب. ومقامكم يصغي إِلَى مَا يلقيه، ويقابل بِالْقبُولِ مَا يُؤَدِّيه. وَالله سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وَمن ذَلِك

الْمقَام الَّذِي وده متأكد الْوُجُوب، وَوجه فَضله لَيْسَ بالمحجوب، وَعقد فَضله متقرر فِي الْقُلُوب، وَنِيَّته الصَّالِحَة متكفلة لِلْإِسْلَامِ وَأَهله بنيل الْمَطْلُوب، وبلوغ المرغوب، مقَام مَحل أخينا الَّذِي شَأْننَا كُله تشيع لَهُ وخلوص، وَحكم ودنا فِيهِ عُمُوم وخصوص، وثنا اعتقادنا الْجَمِيل فِيهِ على أساس ابتغا رضوَان الله مرصوص، [أبقاه الله] رفيع الْقدر، عَزِيز الْأَمر، معترفا بِوُجُوب حَقه لِسَان الدَّهْر، مُعظم مِقْدَاره الخليق بالتعظيم، الْمثنى على مجده العالي، وفضله العميم، المعتد مِنْهُ بالذخر الْكَرِيم، فلَان.

أما بعد حمد الله الَّذِي إلهامنا إِلَيْهِ من أعظم نعمه، وهدايتنا إِلَيْهِ من أكْرم كرمه. منجح بأخلص من وَسَائِل الود وذممه، وموفق الآراء إِلَى سلوك قَصده الْوَاضِح وأممه، الَّذِي عَلَيْهِ نتوكل فِي مبدأ كل أَمر ومختتمه، فنظفر من السعد بأوفر قسمه، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي تسير الْأَنْبِيَاء والإرسال تَحت علمه، سيد الْكَوْن بَين عربه وعجمه، وَنور الله الَّذِي أذهب مَا تكاثف من غياهب الْبَاطِل وظلمه، وغيث الرَّحْمَة الَّذِي تمد يَد السُّؤَال إِلَى استقامة ديمه. وَالرِّضَا عَن آله وأنصاره، السالكين مناهج سجاياه الشَّرِيفَة وشيمه، الآوين من اتِّبَاعه إِلَى أمنع حرمه، المثابرين على إعلاء معلمة المهتدين بِفِعْلِهِ وَكلمَة. وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بنصر عَزِيز تكون الْفتُوح الغر من خدمه، وَسعد يُغني عَن اختبار نصب الْفلك الدوار وتعديل أنجمه، وصنع تكفل الْعِنَايَة الآلهية بإيضاح محكمه. فَإنَّا كتبنَا إِلَيْكُم، كتب الله لكم تأييدا يقر عين الْإِسْلَام برسوخ قدمه.

من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله، إِلَّا الْخَيْر الَّذِي يُقَوي باعتداد بَابَكُمْ سَببه، وَيبين مذْهبه، واليسر الَّذِي يَتَأَتَّى بإعانتكم أمل الْإِسْلَام ومطلبه. وَعِنْدنَا من الْبر لكم عقائد لَا يدْخل الشَّك أُصُولهَا، وَلَا يعْتَرض النَّقْد فصولها، وَلَا تفوت الْأَيَّام محصولها، وَمن الِاعْتِدَاد بجهاتكم عَزمَات يشحذ الْحق نصولها، وآمال يرتب حسن الظَّن بِاللَّه صلتها وموصولها. وَإِلَى هَذَا أيد الله أَمركُم، وأعز نصركم، فإننا بادرنا تعرفكم بِمَا حدث عندنَا من قَضِيَّة أخيكم أبي الْفضل الَّذِي كُنَّا وثقنا فِيمَا كُنَّا شرطنا عَلَيْهِ من الهدو والاستقامة بِحسن عَهده، ورجونا عمله فِيهِ على شاكلة مجده، وأصلنا لَهُ أصلا ظننا وُقُوفه عِنْد حَده، وَأَنه قيض لَهُ من يَعْقُوب بن أبي عياد مثير عجاجه ومنفق لجاجه، صدع بهَا شَمل سكونه، وانسحاب الْعَافِيَة عَلَيْهِ، صدع زجاجه، فورى بِقَصْدِهِ ربط الْعِبَادَات، وأماكن الْقرب المودات وَقد أضمر الْحِيلَة، وأكذب فِيهِ المخيلة، وَلحق بالروم فِي عدد نذر، وَطَائِفَة لَا تستقل بِأَمْر، متورطا فِي لجج هائلة، بآراء فائلة، وأننا اتهمنا أَخَاهُ، وَابْني عَمه بالإدمان فِي قَضيته، وَالْعلم بِمَا كَانَ فِي طويته، وأنكرنا عَلَيْهِم مَا كَانَ من إخفاء هَذَا الْغَرَض، الَّذِي أَخذنَا عَلَيْهِم بإعلامنا بِهِ اشد الْمِيثَاق، وركنا إِلَى مَا تَقْتَضِيه أَصَالَة الأحساب، وَمَكَارِم الْأَخْلَاق، فنضا شَمل جَمَاعَتهمْ واستوعبها، وراع جُمْلَتهمْ وأرعبها، ومازلنا نبحث عَن أَحْوَالهم، ونواصل النقير عَن أَقْوَالهم وأعمالهم، ونختبر مَا نطنا بهم من الشيم الداعية إِلَى اعتقالهم، والريب الحاملة على نكالهم، فَثَبت عندنَا بَرَاءَة جوانبهم، وسلامة مذاهبهم، وحققنا من بسط الْأَحْوَال، واستقل لدينا أتم الِاسْتِقْلَال أَن أَبَا الْفضل

انْفَرد عَنْهُم بتدبيره، وطوى عَنْهُم مَا هجس بضميره، حَتَّى ركب الْخطر الَّذِي يتَعَذَّر الْخَلَاص مَعَه، وآثر الطمع، الَّذِي قل مَا صارع أحدا إِلَّا صرعه، وَانْقَضَت مُدَّة من تعرف ركُوبه الْبَحْر لم يسمع لَهُ خبر، وَلَا دلّت مِنْهُ عين على أثر، حَتَّى أَن حَالَة التّلف أقرب إِلَيْهِ، بِحَسب مَا تدل العوائد عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ الله ليظْهر لملككم من الْعَجَائِب مَا أظهره، وأيد سُلْطَانه فِي كل موطن وَنَصره إِلَّا لخبيئة عناية لَا يضر مَعهَا كيد من كاده، وَلَا ينجح بِسوء أَرَادَهُ. تمّ المجلد الأول من كتاب " الريحانة "

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.