من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
ابْن عبد الْحق مَا نَصه: (٥)
امتعض لنا الْكَوْن بِمَا حمل، واستخدم الْفلك نَفسه بِمَشِيئَة الله واكتمل، وَكَاد يقرب لقرى طريقنا الثور وَالْحمل، وظاهرنا مَحل أخينا السُّلْطَان الْكَبِير، الرفيع الْمُعظم الْمُقَدّس، أَبُو سَالم، الَّذِي كَانَ وَطنه مأوى الجنوح، ومهب النَّصْر الممنوح، رَحْمَة الله عَلَيْهِ، من مُظَاهرَة مثله من الْمُلُوك الأعاظم، وَختم الْجَمِيل بالجميل والأعمال بالخواتم، وأنف حَتَّى عَدو الدّين لنعمتنا المكفورة، وحقوقنا المستورة، فَأصْبح وَإِن كَانَ الْعَدو حبيبا، وَعَاد بعد الإباية منيبا، وسخر أساطيله وتحضيضا على الْإِجَازَة وترغيبا، واستقبلنا الْبِلَاد وبحر الْبشر يزخر موجه، وفلك الْإِسْلَام، قد خر على الحضيض أوجه، وَالروم مستولية على الثغور، وَقد ساءت ظنون الْمُؤمنِينَ بالعقبى، وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور، والخبيث الغادر الَّذِي كَانَ يموه بالإقدام، قد ظهر كذب وعده، وَهَان مثواه، وتورط فِي إشراك المندمة تورط من اتبع هَوَاهُ، ومجد نعْمَة مَوْلَاهُ. فلولا أَن الله ﷿ تدارك جَزِيرَة الأندلس بركابنا، وعاجل أوراها بانسكابنا، لكَانَتْ القاضية، وَلم تَرَ لَهَا، بعد تِلْكَ الرّيح الْعَقِيم من بَاقِيَة، لاكنا وَالْفضل لله، رفعنَا وَطْأَة الْعَدو، ووفدنا بكلكل، وابتززناه مِنْهَا إِلَى مشرب ومأكل، واعتززنا عَلَيْهِ بِاللَّه، الَّذِي يعز ويذل، وَيهْدِي ويضل، فَلم نسامحه فِي شَرط يجر غَضَاضَة، وَلَا يخلف فِي الْقُلُوب مضاضة، وخضنا بَحر الهول، وبرئنا إِلَى الله رَبنَا من الْقُدْرَة والحول، وَظَهَرت للْمُسلمين ثَمَرَة سريرتنا [وَمَا بذلنا فِي مصانعة الْعَدو عَن الإجهاز عَلَيْهِم، من حسن سيرتنا] فَقَوِيت فِينَا أطماعهم وانعقد على التحوم بِنَا إِجْمَاعهم، وقصدنا مالقة، بعد أَن انثالت الْجِهَة الغربيه، واذعنت المعاقل الأبيه، فيسر الله فتحهَا، وهنأ منحها. ثمَّ توالت البيعات، وصرخت بمآذن الْبِلَاد الوعاظ واضطرب أَمر الْمُخَالف وَقد ذلفت المخاوف إِلَيْهِ، وَحسب كل صَيْحَة عَلَيْهِ،
فاقتضت نعامته الشاملة، ودولة بغيه الزائلة، وآراؤه الفائلة، أَن ضم مَا أمكنه من ذخيرة مكنونة، وَآلَة، للْملك مصونة، واستركب أوباشه الَّذين استباح الْحق دمايهم، وَعرف الْخلق اعتزاءهم للغدر وانتماءهم، وَقد سُلْطَان قشتالة، عَن غير عهد وَلَا ثِقَة، وَلَا مثلى طَرِيقه، وَلَا شِيمَة بالرعى خليقه، لَا كن الله ﷿ حمله على قدمه لإراقة دَمه، وزين الْوُجُود بِعَدَمِهِ، فلحين قدومه عَلَيْهِ، راجيا أَن يستفزه بِعرْض، أَو يحِيل صِحَة عقده المبرم إِلَى مرض، ومؤملا هُوَ وشيعته الغادرة، كرة على الْإِسْلَام مجهزه، ونصرة لمواعيد الشَّيْطَان مستنجزة، تقبض عَلَيْهِ وعَلى شيعته، وصم عَن سَماع خديعته، وأفحش بهم الْمثلَة، وأساء بِحسن رَأْيه فيهم القتلة، فأراح الله بإبادتهم نفوس الْعباد، وَأَحْيَا بهلاكهم أرماق الْبِلَاد. وحثثنا السّير إِلَى دَار ملكنا، فدخلناها فِي الْيَوْم الاغر المحجل، وحصلنا مِنْهَا على الْفَتْح الهني الْمُعَجل، وعدنا إِلَى الأريكة، الَّتِي نبا عَنْهَا التمحيص، فَمَا حسبناه إِلَّا سرارا أعقبه الْكَمَال، ومرضا عاجله الإبلال، فثابت للدّين الآمال، ونجحت الْأَعْمَال. وبذلنا فِي النُّفُوس من الْعَفو مَا تغمد الذُّنُوب، وجبر الْقُلُوب، وأشعنا الْعَفو فِي الْقَرِيب والقصى، وألبسنا الْمُرِيب ثوب الْبري، وتألفنا الشارد، وأعذبنا الْمَوَارِد، وأجرينا العوايد [واسنينا الفوايد] إِلَّا مَا كَانَ من شرذمة عظمت جرايرهم، وخبثت فِي مُعَاملَة الله سرايرهم، وَعرف شومهم، وَصدق من يلومهم، فأقصيناهم وشردناهم، وأجليناهم عَن هَذَا الوطن الجهادي، وأبعدناهم.
وَلما تعرف سُلْطَان قشتالة باستقلالنا، واستقرارنا بِحَضْرَة الْملك واحتلالنا؛
بَادر يعرف بِمن كَانَ من عمله فِيمَا لحق بِهِ من طَائِفَة الْغدر وإخوان الخديعة وَالْمَكْر، وَبعث إِلَيْنَا برؤسهم، مَا بَين ريسهم الشقى ومرءوسهم، وَقد طفا على جداول السيوف حبابها، وراق بحناء الدِّمَاء خضابها، وبرز النَّاس إِلَى مشاهدتها معتبرين وَفِي قدرَة الله مستبصرين، ولدفاع الله النَّاس بَعضهم لبَعض شاكرين، وأحق الله الْحق بكلماته، وَقطع دابر الْكَافرين. فَأمرنَا بِنصب تِلْكَ الرُّءُوس بمنسور الْغدر الَّتِي فرعته، وجعلناها علما على عاتق الْعَمَل السيء الَّذِي اخترعته، وشرعنا فِي معالجة الْكَلم، وأفضنا على الْعباد والبلاد حكم السّلم، فَاجْتمع الشمل كأحسن حَاله، وَسكن هَذَا الوطن بعد زلزاله، وأفاق من أهواله. ولعلمنا بفضلكم الَّذِي قضاياه شائعه، ومقدماته ذائعة، أخبرنَا كم بِهِ على اخْتِصَار، وإجتزاء واقتصار لييسر دينكُمْ المتين بتماسك هَذَا الثغر الْأَقْصَى بعد استرساله، وإشرافه على سوء مآله. وَكُنَّا نخاطب مَحل أخينا السُّلْطَان الْجَلِيل الْمُعظم، الأسعد الأوحد، الْخَلِيفَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو إِسْحَق ابْن الْخَلِيفَة الإِمَام الْمُعظم الْمُقَدّس أبي يحيى أبي بكر ابْن الْأَئِمَّة المهتدين وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وصل الله أَسبَاب سعده، وحرس أكناف مجده، لَو أننا تعرفنا مُقيما بِغَيْر تلكم الحضرة التونسيه، فاجتزأنا بمخاطبة جهتكم السنيه لتنوبوا عَنَّا فِي حفظ ملكه وعمادة دَاره، فَبين سلفنا وسلفكم الْكَرِيم، من الود الراسخ الْبُنيان، والخلوص الْأَثر والعيان، مَا يَدْعُو إِلَى أَن يكون سَبَب المخاطبة مَوْصُولا، وآخرة الود خير من الأولى، لَكِن الطَّرِيق جم الْعَوَائِق، وَالْبَحْر مَعْرُوف البوائق وَقبُول الْعذر بشواغل هَذَا الْقطر بِالْفَضْلِ لَائِق، ومرادنا أَن يتَّصل الود، ويتجدد الْعَهْد، وَالله ﷿، يتَوَلَّى أُمُور الْمُسلمين بمتعود إحسانه، وَيجمع قُلُوبهم، حَيْثُ كَانُوا على طَاعَة الله ورضوانه
وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعادتكم، ويحرس مجادتكم. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك
إِلَى الْأَمِير المؤتمن على أَمر سُلْطَان الْمُسلمين، الْمُقَلّد تَدْبيره السديد قلادة الدّين، الْمثنى على رسوم بره، المقامة بِبَاب الْحرم الْأمين، الآوى من مرضات الله وَرَسُوله إِلَى الربوة ذَات الْقَرار والمعين، المستعين من الله على مَا حمله وأمله بالقوى الْمعِين، سيف الدعْوَة، ركن الدولة، قوام الْملَّة، مُؤَمل الْأمة، تَاج الْخَواص، أَسد الجيوش، كَافِي الكفاة، زين الأمرا، علم الكبرا، عين الْأَعْيَان، حَسَنَة الزَّمَان، الْأَجَل المرفع، الْأَسْنَى الْكَبِير الْأَشْهر، الأسمى الحافل الْفَاضِل، الْكَامِل الْمُعظم، الموقر، الْأَمِير الأوحد يلبغا الخاصكي وصل الله لَهُ سَعَادَة تشرق عزتها، وصنائع تسح فَلَا تشح درتها، وَأبقى تِلْكَ المثابة، قلادة الله وَهُوَ درتها، سَلام كريم طيب بر عميم، يخص إمارتكم الَّتِي جعل الله السعد على سعادتها إِمَارَة، واليسر لَهَا شارة، فساعد الْفلك الدوار مهمى أعملت بإداره، وتمتثل الرسوم كلما أشارت إِشَارَة.
أما بعد حمد الله الَّذِي هُوَ بِعِلْمِهِ فِي كل مَكَان من قاص ودان، وَإِلَيْهِ توجه الْوُجُوه، وَإِن اخْتلفت السّير، وَتَبَاعَدَتْ الْبلدَانِ، وَمِنْه يلْتَمس الْإِحْسَان، وبذكره ينشرح الصَّدْر، ويطهر الْقلب، ويمرح اللِّسَان. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الْعَظِيم الشان، وَنبيه الصَّادِق الْبَيَان، الْوَاضِح الْبُرْهَان، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، وأعمامه، أحلاس الْخَيل، وَرُهْبَان اللَّيْل، وأسود
الميدان، وَالدُّعَاء لإمارتكم السعيدة بالعز الرَّائِق الْخَبَر والعيان، والتوفيق الوثيق الْبُنيان. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم حظا من فَضله وافرا، وصنعا من محيا السرُور سافرا، [وَفِي جو الْإِعْلَام بِالنعَم الجسام مُسَافِرًا]. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، دَار ملك الأندلس، دَافع الله عَن حوزتها كيد العداة، وأتحف نصلها ببواكر النَّصْر المهداة، وَلَا زَائِد [بِفضل الله] إِلَّا تشوق إِلَى التعارف بتلكلم الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة الَّتِي أَنْتُم عنوان كتابها المرقوم، وَبَيت قصيدها المنظوم، والتماس بركاتها الثَّابِتَة الرسوم. وَتَقْرِير المثول فِي سَبِيل زيارتها بالأرواح، عِنْد تعذرها بالجسوم. وَإِلَى هَذَا فاننا كَانَت بَين سلفنا، تقبل الله جهادهم، وَقدس نُفُوسهم، وَأمن معادهم، وَبَين تِلْكَ الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة، أبقى الله على الْمُسلمين وَالْإِسْلَام ظلالها، كَمَا عرفهم عدلها وأفضالها، مراسلة ينم عرف الخلوص من خلالها، وتسطع أنوار السَّعَادَة من آفَاق كمالها، وتلتمح من أسطار طروسها، محَاسِن تِلْكَ الْمعَاهد الزاكية الْمشَاهد، وتعرب عَن فضل الْمذَاهب وكرم الْمَقَاصِد، اشتقنا إِلَى أَن نجددها، بِحسن منابكم، ونصلها بمواصلة جنابكم، ونغتنم فِي عودهَا الحميد مَكَانكُمْ، ونؤمل لَهَا زمامكم، فخاطبنا الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة فِي هَذَا الْغَرَض بمخاطبة خجلة من التَّقْصِير، وَجلة من النَّاقِد والبصير، نؤمل الْوُصُول فِي خفارة يدكم الَّتِي لَهَا الأيادي الْبيض، والموارد الَّتِي لَا تغيض. ومثلكم لَا تخيب الْمَقَاصِد فِي شمائله، وَلَا تهمل المآمل فِي ظلّ خمائله، فقد اشْتهر من جميل
سيركم مَا طبق الْآفَاق، وَصَحب الرفاق، واستلزم الإصفاق. وَهَذِه الْبِلَاد مباركة، مَا أسلف أحد فِيهَا مُشَاركَة إِلَّا وجدهَا فِي نَفسه وَدينه وَمَاله، وَالله أكْرم من وفى الْأَمر بمكياله. وَالله ﷻ يجمع الْقُلُوب على طَاعَته، وينفع بوسيلة النَّبِي ﷺ، الَّذِي نعول على شَفَاعَته، وَيبقى تِلْكَ الْأَبْوَاب ملْجأ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين، وظلا لله على الْعَالمين، وَإِقَامَة لشعائر الْحرم الْأمين، ويتولى إعانتكم على وظائف الدّين، ويجعلكم مِمَّن أنعم عَلَيْهِ من الْمُجَاهدين. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم، وَرَحْمَة الله وبكراته.
وَمن ذَلِك
من الْأَمِير فلَان، إِلَى الشَّيْخ الكذا ابْن الشَّيْخ الكذا، وصل الله لَهُ سَعَادَة تجذبه، وعناية إِلَيْهِ تقربه، وقبولا يَدعُوهُ إِلَى خير مَا عِنْد الله ويندبه. سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله المرشد المثيب، السَّمِيع الْمُجيب، معود اللطف الْخَفي، والصنع العجيب، المتكفل بإنجاز وعد النَّصْر الْعَزِيز، وَالْفَتْح الْقَرِيب، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، ذِي الْقدر الرفيع، والعز المنيع، والجناب الرحيب، الَّذِي بِهِ نرجو ظُهُور عباد الله على عَبدة الصَّلِيب، ونستظهر بِهِ على الْعَدو بالحبيب، ونعده [فِي الشدائد] عدتنا لليوم العصيب. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، الَّذين فازوا من مشاهدته بأوفى نصيب، ورموا إِلَى هدف مرضاته بِالسَّهْمِ الْمُصِيب. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم عملا صَالحا، يخْتم الْجِهَاد صَحَائِف بره، ويتمخض لِأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا جَوَامِع أمره، وجعلكم مِمَّن تهنا فِي الأَرْض الَّتِي فتح فِيهَا أَبْوَاب الْجنَّة حِصَّة عمره.
من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، ولطف الله هامي السَّحَاب، وصنعه رائق الجناب، وَالله يصل لنا وَلكم مَا عود من صلَة لطفه عِنْد انبتات الْأَسْبَاب. وَإِلَى هَذَا، أَيهَا الْوَلِيّ فِي الله، الَّذِي هُوَ بركَة الْمغرب الْمشَار إِلَيْهَا بالبنان، وَوَاحِد فِي رفْعَة الشان، الْمُؤثر مَا عِنْد الله على الزخرف الفتان، المتقلل من الْمَتَاع الفان، المستشرف إِلَى مقَام الْعرْفَان من درج الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان. فإننا لما نوثره من بركم [الَّذِي نعده من الْأَمر الأكيد، ونضمره من ودكم] الَّذِي نحله مَحل الْكَنْز العتيد، ونلتمسه من دعائكم التمَاس الْعدة والعديد، لَا نزال نسل عَن أحوالكم الَّتِي ترقت فِي أطوار السَّعَادَة، ووصلت جناب الْحق بمجرى الْعَادة، وَأَلْقَتْ يَد التَّسْلِيم لله، والتوكل عَلَيْهِ بالمقادة، فنسر بِمَا هيأه الله لكم من الْقبُول، وبلغكم من المأمول، وألهمكم من الكلف بِالْقربِ إِلَيْهِ والوصول، والفوز بِمَا لَدَيْهِ والحصول. وعندما رد الله علينا ملكنا الرَّد الْجَمِيل، وأنالنا فَضله الجزيل، وَكَانَ لعثارنا المقيل، خاطبناكم بذلك لمكانكم من ودادنا، ومحلكم من حسن اعتقادنا، ووجهنا إِلَى وجهة دعائكم وَجه اعتدادنا، وَالله ينفع بجميل الظَّن فِي دينكُمْ المتين، وفضلكم الْمُبين، وَيجمع الشمل بكم فِي الْجِهَاد عَن الدّين. وتعرفنا الْآن مِمَّن لَهُ بأنبائكم اعتنا، وعَلى جلالكم حمد وثنا، ولجانب ودكم اعتزاز وَإِنَّمَا، أَنكُمْ يتحاول عزمكم بَين حج مبرور، ترغبون من أجره فِي ازدياد، وتجددون الْعَهْد مِنْهُ بأليف اعتياد، وَبَين رِبَاط فِي سَبِيل الله وَجِهَاد، وتوثير مهاد بَين ربى أثيره عِنْد الله ووهاد، تحْشر يَوْم الْقِيَامَة شهداؤها مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين، فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله، وَالله أصدق
الصَّادِقين، [حَيْثُ الإغارة لعدو الْإِسْلَام تتقي، ولاثنية إِلَّا لابتغاء مَا لدين الله ترتقي]، حَيْثُ رَحْمَة الله قد فتحت أَبْوَابهَا، وحور الْجنان قد زينت أترابها بدار الْعَرَب الَّذين قارعوا بَاب الْفَتْح، وفازوا بجزيل الْمنح، وخلدوا الْآثَار، وأرغموا الْكفَّار، وأقالوا العثار، وَأخذُوا الثأر، وأمنوا من لفح جَهَنَّم بِمَا علا وُجُوههم فِي ذَلِك الْغُبَار. فكتبنا إِلَيْكُم هَذَا نقوي بصيرتكم على جِهَة الْجِهَاد من العزمين، وَنهب بكم إِلَى إِحْدَى الحسنيين، وَالصُّبْح غير خَافَ عِنْد ذِي عينين، وَالْفضل الجاهز لإحدى المنزلتين، فَإِنَّكُم إِذا حججتم أعدتم فرضا أديتموه، وفضلا ارتديتموه، فَائِدَته عَلَيْكُم مَقْصُورَة، وَقَضيته فِيكُم محصورة، وَإِذا أقمتم الْجِهَاد، جلبتم إِلَى حسناتكم عملا غَرِيبا، واستأنفتم سعيا من الله قَرِيبا، وتعددت الْمَنْفَعَة إِلَى أُلُوف من النُّفُوس المستشعرة لِبَاس الْبُؤْس، وَلَو كَانَ الْجِهَاد بِحَيْثُ يخفى عَلَيْكُم فَضله لأطلنا، وأعنة الإدلال أرسلنَا. هَذَا لَو قدمتهم على هَذَا الوطن، وفضلكم غفل من الاشتهار، وَمن بِهِ لَا يُوجب لكم ترفيع الْمِقْدَار، فَكيف وفضلكم أشهر من محيا النَّهَار، ولقاؤكم أشهى الآمال، وآثر الأوطار، فَإِن قوى عزمكم، وَالله يقويه، ويعيننا من بركم على مَا ننويه؛ فالبلاد بِلَادكُمْ، وَمَا فِيهَا طريفكم وتلادكم، وكهولها أخوانكم، وأحداثها أَوْلَادكُم، وَنَرْجُو أَن تَجدوا بذكركم الله فِي رباها حلاوة زَائِدَة، وَلَا تَعْدَمُوا فِيهَا من روح الله فَائِدَة، وتتكيف نفسكم فِيهَا تكييفات تقصر عَنْهَا خلوات السلوك إِلَى ملك الْمُلُوك. حَتَّى تغتبطوا بِفضل الله الَّذِي يوليكم، وتروا أثر رَحمته فِيكُم، وتخلفوا
فَخر هَذَا الِانْقِطَاع إِلَى الله فِي قبيلكم وبنيكم، وتختتموا الْعُمر الطّيب بِالْجِهَادِ الَّذِي يحليكم، وَمن الله يدنيكم، فنبيكم الْعَرَبِيّ صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه، نَبِي الْمَلَاحِم، ومعمل الصوارم، وبجهاد الفرنج ختم عمل جهاده، والأعمال بالخواتم. هَذَا على بعد بِلَادهمْ من بِلَاده، وَأَنْتُم أَحَق النَّاس باقتفاء جهاده، والاستباق إِلَى آماده. هَذَا مَا عندنَا حثثاكم عَلَيْهِ، وندبناكم إِلَيْهِ، وَأَنْتُم فِي إِيثَار هَذَا الْجوَار، ومقارضة مَا عندنَا بقدومكم على بِلَادنَا من الاستبشار، بِحَسب مَا يخلق عنْدكُمْ، من بِيَدِهِ مقادة الاختبار، وتصريف اللَّيْل وَالنَّهَار، وتقليب الْقُلُوب، وإجالة الأفكار. وَإِذا تَعَارَضَت الحظوظ، فَمَا عِنْد الله خير للأبرار، وَالدَّار الْآخِرَة دَار الْقَرار، وَخير الْأَعْمَال عمل أوصل إِلَى الْجنَّة، وباعد من النَّار. ولتعلموا أَن أهل الْكَشْف والاطلاع بِهَذِهِ الأرجاء والأصقاع، قد اتّفقت أَخْبَارهَا، واتحدت أسرارها على الْبشَارَة بِفَتْح قرب أَوَانه، وأظل زَمَانه، فنرجو الله أَن تَكُونُوا مِمَّن يحضر مدعاه، وَيكرم فِيهِ مسعاه، ويسلف فِيهِ بِالْعَمَلِ الَّذِي يشكره الله ويرعاه. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع