من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
مجدي أخيراً ومجدِي أوّلاً شَرَعٌ ... والشمسُ رأْدَ الضُحَى كالشمسِ في الطَفَلِ
اللغة: المجد لغةً: الكرم، وقد مجُد بالضم فهو مجيد، قال ابن السكِّيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، والحسب للرجل، وإن لم يكن له أب، وإليه أشار امرؤ القيس بقوله:
فَلَو أَنَّ ما أَسعى لِأَدنى مَعيشَةٍكَفاني وَلَم أَطلُب قَليلٌ مِنَ المالِ
وَلَكِنَّما أَسعى لِمَجدٍ مُؤَثَّلٍوَقَد يُدرِكُ المَجدَ المُؤَثَّلَ أَمثالي
/ المؤثل: الموروث، وأراد: كفاني قليل من المال، ولم أطلب، ولو أعمل لم أطلب [ ب] في قليل لاستحال المعنى، وليس هذا من التنازع؛ لفساد المعنى؛ خلافا لما توهمه أبو علي الفارسي، شرع: سواء، يحرك، ويسكن، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، رأد الضحى: أي ارتفاع الشمس، والطفل: بعد العصر إذا طفلت الغروب.
الإعراب: مجدي: مبتدأ، وأخيراً منصوب على أنه ظرف زمان، وكذا قوله أولاً، ومجدي الثانية معطوف على الأول، وشرع: خبر عنهما، كقوله: زيد وعمرو كريمان، والشمس هذه واو الابتداء، رأد الضحى: منصوب على أنه ظرف زمان، والضحى: مضاف إليه، ثم ذكر معاني الكاف وأنها تأتي للتشبيه، واستحسن قول ابن قلاقس في مدح الحافظ السلفي:
كالبحرِ والكافُ إن أنصفتَ زائدةٌفيه فلا تحسَبْنَها كافَ تَشبيهِ
وقد أخذه من قول أبي الطيب:
كَفاتِكٍ وَدُخولُ الكافِ مَنقَصَةٌكَالشَمسِ قُلتُ وَما لِلشَمسِ أَمثالُ
المعنى: يقول: إن مجده في الأول، ومجده في الآخر سواء، لا تفاضل فيه، كما أن الشمس استوى حالتاها في أول النهار وآخره، ومن الكَلِم النوابغ: التاجر مجده في كيسه، والعالم مجده في كراريسه، ومنه أيضا: مَن أخطأته المناقب، لم تنفعه المكاسب، ويحتمل أن المصنف أراد أنَّ مجد أسلافه، ومجده واحد، أي ورثت المجد عن آبائي الكرام، وسدتُ كما سادوا، وقد أخذ المصنف هذا المعنى من أبي العلاء المعري، حيث قال:
وافَقْتَهُمْ في اختلافٍ من زَمانهمُوالبَدرُ في الوهْنِ مثلُ البدرِ في السّحرِ
/ واعلم أنّ كل حيوان بينك وبينه مشاركة في الجنسية، ألا ترى أنّ بعض العلماء كان [ أ] يُنكر قتل الكلاب، وينهى عنه، ويقول: كيف تفعل ذلك وهو شريكك في الحيوانية، وما أحسن قول القائل:
وللزنبور والبازي جميعاًلدى الطيران أجنحة وخفق
ولكن بين ما يصطاد بازٍوما يصطاده الزنبور فرق
قال الشارح: وبيت أبي العلاء أبلغ مما قال المصنف؛ لأنه أعذب لفظا، وكلا المعنيين اللذين أشار إليهنا يشبه قول الحريري:
وطالما أُصْليَ الياقوتُ جَمرَ غضىًثم انطَفى الجَمرُ والياقوتُ ياقوتُ
قال: وهو سيّد الأحجار التي لا تذوب، ولا تتأثر بالنار، والذَّكر أردأ أصناف الياقوت، قال ابن سينا: ومن خواصّه التفريح، وتقوية القلب، ومقاومة السّموم، ومن خواصّه أنه يقطع سائر الحجارة إلاّ الألماس يقطعه؛ لصلابته وقلة مائيته، ولبعضهم فيمن اسمه ياقوت:
ياقوت ياقوت قلبي المستهام بهمن المروءة أن لا يمنع القوت
سكنت قلبي وما تخشى تلهبهوكيف يخشى لهيب النار ياقوت
قلت: وكذا الحجر الأسود، لا يتأثر أيضا بالنار، وله خاصيّة أخرى وهو أنه لا يغرق في الماء، وهاتان الخصلتان توجدان فيه عند الامتحان، وقد امتُحن فوُجد كذلك حين أخذته القرامطة في خبر مشهور، لا طائل بذكره، فإن قيل: أليس كون الشمس في بكرة النهار مثل كونها في آخره؛ لأن حالة الإقبال حالة ابتداء وتمكُّن، وحالة الانتهاء حالة إدبار، ولهذا قال المنجمون: إنّ السعي في الحوائج في أول النهار خير منه في آخره. ... [ ب]
قال الشاعر:
بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبلَ الهَجيرِإِن ذاكَ النَجاحَ في التَبكيرِ
قلت: وعلى الشارح اعتراض، وعليه الشاعر، أمّا الشارح فكان ينبغي له أن يستدل بقوله ﵇: اللهم بارك لأمتي في بكورها، وبما قاله أصحابنا من استحباب التبكير في الحوائج والمهمات، وعلى الشاعر إذ لو قال: إنّ أصل النجاح، لكان أولى، لما لا يخفى على متأمل، وأجاب الشارح عن السؤال المتقدم أن المصنف إنما أراد ذات الشمس من حيث هي من غير نظر إلى ما يطرأ عليها من حركة فلكها؛ لأن هذه الأحوال إنما هي بالنسبة إلينا لا إلى الفلك؛ لأن الشمس في جرمها واحدة لا تتغير أبدا، وهي هي أبدا ما زالت، ولا طرأ عليها شيء، نعم كان هذا يُراد لو كان لكل يوم شمس تخصه، كما ذهب إليه بعضهم، وليس
بشيء، قال: وقد بالغ المصنف حيث ضرب لمجدة مثلا بالشمس، وإنه مثل لا يخفى على ذي عقل، ولا يسعه إنكاره، كما قيل:
وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَذهانِ شَيءٌإِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ
انظر إلى قول أبي تمام في هذا المعنى:
أَنا اِبنُ الَّذينَ اِستُرضِعَ المجدُ فيهِمُوَسُمِّيَ فيهِم وَهوَ كَهلٌ وَيافِعُ
مَضَوا وَكَأَنَّ المَكرُماتِ لَدَيهِمُلِكَثرَةِ ما أَوصَوا بِهِنَّ شَرائِعُ
فَأَيُّ يَدٍ في المَجدِ مُدَّت فَلَم تَكُنلَها راحَةٌ مِن مجدِهِم وَأَصابِعُ
/ هُمُ اِستَودَعوا المَعروفَ مَحفوظَ مالِنافَضاعَ وَما ضاعَت لَدَينا الوَدائِعُ [ أ]
واعلم أنّ عند الأكثرين أنّ أبا تمام كان أبوه نصرانيا، يقال له نقدوس العطار من جاسم، قرية من قرى حوران بالشام فغير اسم أبيه واندسّ في بني طيء، قال، ومن مشهور الحكايات، قال بعضهم: كنت ليلة جالسا عند بعض ولاة الطرق، وقد جاء غلمانه برجلين فقال لأحدهما مَن أبوك، فقال:
أنا ابن الذي لا يُنزل الدّهرُ قِدرهوإن نزلتْ يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً على بابِ دارِهفمنهم قيامٌ حولها وقعود
فقال الوالي ما كان أبو هذا إلاّ كريما، ثم قال للآخر: من أبوك، فقال:
أنا أبن من ذلَّت الرقابُ لهما بين مخزُومها وهاشِمها
خاضعة أذْعَنَتْ لطاعَتِهِيأخذ من مالِها ومن دمها
فقال الوالي ما كان أبو هذا إلاّ شجاعاً، وأطلقهما، فلما انصرفا، قلت للوالي: أمّا الأول فكان أبوه يبيع الباقلاّء المصلوق، وأما الثاني فكان أبوه حجاما، فقال الوالي:
كن ابن من شئت واكتسب أدباًيُغنيك مضمونُه عن النَّسبِ
إنَّ الفتى من يقول: ها أنا ذاليس الفتى من يقولُ كان أبي
قال بعضهم: وجدت مكتوبا على قبر: أنا ابن مَن كانت الريح طوع يده، يحبسها إذا شاء، ويطلقها إذا شاء، قال: فعظم في عيني مصرعه، ثم التفتُّ إلى قبر آخر قبالته، وعليه مكتوب: لا يغترّ أحد بقوله، فما كان أبوه إلاّ بعض الحدادين، يحبس الريح في كيره، ويتصرف فيها، فعجبت منهما يتسابّان ميِّتين.
/ قال: ومما هجا به مجاهد الخياط أبا الحسين الجزار، قوله:[ ب]
إنْ تاهَ جزارُّكم عليكم بفطنةٍ في الورى وكَيسِ
فليس يرجوه غير كلبوليس يخشاه غير تيس
ومن بديع شعره، أي أبا الحسين الجزار المذكور قوله:
إني لمن معشرٍ سفك الدماء لهمدأبٌ وسلْ عنهُمُ إنْ رُمت تصديقي
تضيء بالدم إشراقا عِراصهمُفكل أيامهم أيام تشريق
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع