من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
فلا صديقَ إليه مشتكَى حزَنِي ... ولا أنيسَ إليه منتَهى جذلي
اللغة: الصديق: هو الصادق في المودة، الرجل صديق، والمرأة صديقة، الجمع أصدقاء، قد يقال للواحد والجمع، والمذكر والمؤنث: صديق، قال الشاعر:
نصبْنَ الهَوى ثُمَّ اِرتَمَينَ قُلوبنابأعين أعداءِ وَهن صَديق
ومن هنا اختلس أبو نواس معناه في قوله:
إِذا امتَحَنَ الدُنيا لَبيبٌ تَكَشَّفَتلَهُ عَن عَدوٍّ في ثِيابِ صَديقِ
مشتكى: مصدر اشتكى يشتكي، والحزن: خلاف السرور، والأنيس: فعيل من الأنس، ومنتهى: مصدر انتهى الشيء إذا بلغ الغاية، قال تعالى: [وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى]، وقال ابن دريد: وكل شيء بلغ الحد انتهى، الجذل، بالذال المعجمة: ضد الحزن.
الإعراب: فلا صديق: هذه لا التي لنفي الجنس، إليه: جار ومجرور، مشتكى: مصدرية موضع رفع على الابتداء، ولم يظهر الإعراب/ لأنه مقصور، حزني: مضاف والياء [ ب] التي هي الضمير للمتكلم في موضع جر، ومشتكى مضاف إلى الحزن، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب على أنه صفة لاسم لا، كان التقدير: فلا صديق سامعا شكوى حزني إليه موجود، والنصف الثاني إعرابه إعراب الأول.
المعنى: ما أجد صديقا يكون مشتكى حزني، ولا أرى أنيسا يكون منتهى فرحي، وهذه حالة تشق على مَن تلبس بها، ألا ترى أن رسول الله ﷺ لمَّا هاجر من مكة، ما خرج منها إلاّ وأبو بكر ﵁ معه؛ ليكون له أنيسا من الوحدة، ورفيقا في الغربة، يركن إليه في المشورة، ويركن به إذا خلا، وكذلك كان معه في الغار، وموسى ﵇ لمَّا أمره الله تعالى بالرسالة إلى فرعون سأل ربه أن يكون معه أخوه، قال: [وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي] الآية، وقال ﵇: إذا أراد الله بملك خيرا قيّض له وزيرا صالحا، إنْ نسي ذكّره، وإنْ نوى خيرا أعانه، وإنْ أراد شرّا كفّه عنه، وكان أنو شروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير، ولو لم يكن في الصاحب والوزير إلاّ المشورة؛ لكان كافيا، قال تعالى لنبيه سيدنا محمد ﷺ: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ]، قال الشاعر:
إذا عنَّ أمرٌ فَاستَشِر لكَ صاحِباًوإنْ كنتَ ذا رأي تشيرُ على الصحبِ
فإني رأيت العينَ تجهل نفسهاوتدركُ ما قدْ حلَّ في موضع الشهب
وقال الأرجاني:
شاوِرْ سِواكَ إذا نابَتْكَ نائبةٌيوماً وإن كنتَ من أهلِ المشوراتِ
فالعَيْنُ تَلْقى كِفاحاً ما نأى ودناولا تَرى نَفْسَها إلا بمِرآة
واعلم أنَّ طلبَ الصاحب أمر مقصود عند العقلاء؛ لأنه لا بدّ من خلٍّ تسكن إليه [ أ] فتشكو إليه حزنك، وتنتصر به على مَن ظلمك، وتتخذه عونا على مآربك، وكان الكندي يقول: الصديق إنسان هو أنت، وفي المثل: ربَّ أخٍ لك لم تلده أمك، وقال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يتخذ صديقا ينبهه على عيوبه، فإن الإنسان لا يرى عيب نفسه، وأقل الأصدقاء حالة مَنْ تشكو إليه، ولم يكن عنده غير سماع الشكوى والإصغاء؛ لأن سماع الشكوى وبثّها، فيه تخفيف عن المكروب، والنفس تستريح إليه، ولهذا قال الشاعر:
ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مروءةٍيواسيك أو يسليك أو يتوجّع
وإنْ يكُ منْ وصْفِ المروءةِ خالِياُيرائيك أو يبكيكَ أو ليس يسمع
كأن المشكو إليه إمَّا أن يواسيك في همك، وهذه الرتبة العليا، وهو الصديق الحكيم المهذب، وإمَّا أنْ يتوجع، وهذه الرتبة السفلى، وهو الصديق العاجز، فإن خلا الصديق من هذين، كان وجوده وعدمه سواء، بل عدمه خير من وجوده.
ومن شواهد العربية:
إِذا أَنتَ لَم تَنفَع فَضُرَّ فَإِنَمايُرَجَّى الفَتَى كَيما يَضُرُّ ويَنفَعُ
واعلم أنَّ هذا البيت، وهو قوله: ولا بدّ من شكوى، وأمثاله، يسميه أرباب البديع صحة التقسيم، وأوردوا فيه قول الآخر، وهو في غاية الرقة:
سريت إليه والظلام كأنهصريع كرىً والنجم في الأفق شاهد
فلو أن روحي مازجت ثَمَّ روحهلقلت ادن مني أيها المتباعد
ومن هذه المادة قول ابن سناء الملك:
لَوْ جُدْت لي بالنَّفْس منك لقلتُ منشَرَهِ المحبَّة إِنَّهُ لَبخيلُ
والكل أخذوا من ابن الرومي؛ للأنه قال فأطاب، وإن طال:[ ب]
أعانقه والنفسُ بعدُ مشوقةٌإليه وهل بعد العناق تداني
فألثمُ فاه كي تموت حرارتيفيشتد ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الجوىليَشْفِيَهُ ما ترشُفُ الشَّفَتانِ
كأنَّ فؤادي ليس يَشْفي غليلَهسوى أنْ يرى الروحَيْن يمتزجان
وقوله: ولا بدَّ من شكوى، اعلم أنّ العاقل من كتم أمره، ولم يشك لأحد، عملا بقول الأول:
لا تظهرن لعاذل أو عاذرحاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين حرارةفي القلب مثل شماتة الأعداء
وقال أبو الطيب:
وَلا تَشَكَّ إِلى خَلقٍ فَتُشمِتَهُشَكوى الجَريحِ إِلى العِقْبانِ وَالرَّخَمِ
عاد الكلام إلى بيت الناظم، ولعمري في بلد بهذه المثابة، لا المثوبة، فحقه أن يفارقها، ولهذا قال أبو الطيب:
شَرُّ البِلادِ بلادٌ لا أنيسَ بهاوَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ
وأين هذه البلدة التي وصفها الطغرائي من البلدة التي وصفها الحريري:
وجَدْتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةًويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ
وأين هؤلاء القوم الذين عاصرهم الطغرائي، وعاشرهم من آل المهلب الذين وصفهم الشاعر:
نَزَلتُ عَلى آلِ المُهَلَّب شاتياًغَريباً عَنِ الأَوطانِ في زَمَنِ المحلِ
فَما زالَ بي إِحسانُهم وجميلهموَبِرُّهُمُ حَتّى حَسِبتهمُ أَهلي
وزاد القاضي الرشيد بن الزبير، فقال:
ولما نزلنا في ظلال بيوتهمأمنا ونلنا الخصب في زمنٍ محل
ولو لم يزد إحسانهم وجميلهمعلى البر من أهلي حسبتهم أهلي
/
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع