من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
فيمَ الإقامُة بالزوراءِ لا سَكَني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جَملي
اللغة: الزوراء: بغداد، وسميت بذلك لانحراف قبلتها، وتُسمى دار السلام، قيل: لأن دجلة يسمى السلام، وقيل: لأنه يُسلَّم فيها على الخلفاء، وهي بلدة أحدثها المنصور من بني العباس، سنة أربعين ومائة، ونزلها في سنة ست وأربعين، والسكن: ما يسكن إليه الإنسان من زوج أو غيره، وبقية البيت مثل من أمثال العرب، الأصل فيه أن الصَّدُوف العدوية كانت تحت زيد بن الأخنس العدوي، وله بنت من غيرها تُسمى الفارعة، وكانت تسكن بمعزل عنها، في خباء آخر، فغاب زيد غيبة، فلهج بالفارعة عدوي، يُدعى شبيبا، وطاوعته، وكانت تركب كل عشية جملا لها، وتنطلق معه إلى ثنية يبيتان فيها، ورجع زيد عن وجهته، فعرّج على كاهنة اسمها طريفة، فأخبرته بريبة في أهله، فأقبل سائرا لا يلوي على أحد، وإنما تخوّف على امرأته حتى دخل عليها، فلما رأته عرفت الشرّ في وجهه، فقالت: لا تعجل واقف الأثر، لا ناقة لي في هذا ولا جمل، فصار ذلك مثلا يُضرب في التبرِّي عن الشيء.
قال الراعي:
/وَما هَجَرْتُكِ حَتّى قُلتِ مُعلَنَةًلا ناقَةٌ لِيَ في هَذا وَلا جَمَلُ ... [ أ]
الإعراب: فيم: أصله فيما، فحذفوا الألف منها تخفيفا، أو لاتصالها بحرف الجر، أو تفرقة بينها وبين أن تكون اسما، فالأصل في ما، في: حرف جر، وما: استفهامية، وما وموضعه رفع على أنه خبر مقدم، والمبتدأ الإقامة، ويقدم الخبر لأن الاستفهام له صدر الكلام، بالزوراء: الباء للظرفية المكانية، وتكون أيضا للظرفية الزمانية، ومجيئها للمكان أكثر منها للزمان، بالزوراء موضعه النصب على أنه ظرف للإقامة، لا سكني: هذه لا التي لنفي الجنس، وسكن مبني على الفتح؛ لأنه اسم تقديره لا سكن لي، بها: الباء ظرفية، والهاء والألف ضمير يرجع على الزوراء، ولا: الواو عاطفة، ولا: التي لنفي الجنس، ناقتي: اسم لا، وقد أُضيف إلى ياء المتكلم، فالفتحة مقدرة على التاء، فيها: في هنا ظرفية، والضمير للزوراء، ولا جملي: إعرابه كما تقدم.
المعنى: يقول: إقامتي في بغداد لأي شيء، ولا سكن لي بها، ولا علاقة لي فيها، بدليل ما ضربه من المثَل، فإذا كان كذلك، فرحيله منها مُتعيِّن. ...
وَإِنَّ صَريحَ الحَزمِ وَالرَأيِ لَاِمرُىٍإِذا بَلَغَتهُ الشَمسُ أَن يَتَحَوَّلا
وقد خرج رسول الله ﷺ من مكة، وكان ما كان، ثم رجع إليها، وقال ﵇: العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فأين ما وجدت الخير فأقم، واتق الله.
قال المتنبي:
وَكُلُّ اِمرِئٍ يولي الجَميلَ مُحَبَّبٌوَكُلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ
/ والمقادير عجائب، وفوائد قوم عند قوم مصائب، هذا يقول في بغداد هذه المقالة [ ب] والعِكَوَّك يقول لمَّا كره عنها ارتحاله:
لَهَفِي على بغدادَ مِنْ بَلْدَةٍكانتْ مِنَ الأَسْقامِ لِي جُنّه
كأنّنِي عِنْدّ فِراقِي لَهاآدمُ لَمَّا فَارَقَ الجَنَّه
وقال البحتري:
ما أَنصَفَتْ بَغدادُ حينَ تَوَحَّشَتْلِنَزيلِها وَهيَ المَحَلُّ الآنِسُ
لمَّا نبت بغداد بالقاضي عبد الوهاب المالكي خرج منها طالبا مصر، فشيعه من أكابرها وفضلائها، فقال لهم لمَّا ودّعهم: لو وجدت بين ظهرانيكم كل بكرة وعشية رغيفين ما فارقت بغداد، ومن شعره فيها:
بغداد دارٌ لأهل المال طيبةوللمقلين دار الضنك والضيق
أقمتُ فيها مُضاعاً بين ساكِنِهاكأنني مصحفٌ في بيت زنديق
وهذا كان شأن العلماء ﵃؛ لأنهم لا يقيمون إلاّ في مكان تتروح فيه النفوس، ويزول عنهم فيه الهم والبؤس، كما قال ابن شرف القيرواني:
وَصَيّر الأَرضَ داراً وَالوَرى رَجُلاًحَتّى تَرى مُقبِلاً في الناسِ مَقبولا
وهو مأخوذ من قول الأول:
شرقٌ وغربٌ تجدْ من غادرٍ بدلاًفَالأَرضُ مِن تُربَةٍ وَالناسُ مِن رَجُلِ
وقال مصعب الصقلي:
إذا كانَ أصْلِي مِنْ تُرابٍ فكلُّهابلادِي وكلُّ العالَمينَ أقارِبِي
وقال أبو فراس:
مَنْ كانَ مثْلِيَ فالدُّنيا له وَطَنٌوَكُلُّ قَومٍ غَدا فيهِم عَشائِرُهُ
/وَما تُمَدُّ لَهُ الأَطنابُ في بَلَدٍإِلّا تَضَعضَعَ باديهِ وَحاضِرُهُ ... [ أ]
وقال أبو الطيب:
إِذا صَديقٌ نَكِرتُ جانِبَهُلَم تُعيِني في فِراقِهِ الحِيَلُ
في سَعَةِ الخافِقَينِ مُضطَرَبٌوَفي بِلادٍ مِن أُختِها بَدَلُ
قال الشارح: وما أعرف أحدا ضمن هذا المثل، أعني: لا ناقة لي في هذا ولا جملي، أمكن، ولا أحسن من قول الشهاب محمود:
أستغفرُ اللهَ أين الغيثُ منفصلاًمن برِّه وهو طولُ الدَّهرِ متَّصِلُ
مَن حاتمٌ عدِّ عنه، واطّرحْ فبهفي الجودِ لا بسواه يضربُ المثلُ
أين الذي بِرُّه الآلافَ يُتبعُهاكرائمَ الخيلِ ممن جوده الإبِلُ
لو مُثِّلَ الجودُ سرحاً قال حاتمُهملا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جملُ
ثم أخذ الشارح يتكلم في التضمين، وينشد شيئا من ذلك، فاخترت من ذلك بيتين للصفي الحلي، وهما:
يا ضَعيفَ الجُفونِ أَمْرَضْتَ قَلباًكانَ قَبلَ الهَوى قَوِيّاً مَلِيّاً
لا تُحارِب بِناظِرَيكَ فُؤاديفَضَعيفانِ يَغلِبانِ قَوِيّاً
وقول المصنف: فيم الإقامة، البيت، هذا البيت يسميه أهل البديع عقاب المرء لنفسه، لم ينشد ابن المعتز في هذا المعنى غير بيتين، وهما:
عصاني قومي والرشاد الذي بهأمرت ومن يعص المجرب يندم
فصبراً بني بكرٍ على الموت إننيأرى عارضاً ينهل بالموت والدم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع