تجاوز إلى المحتوى

من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنعُني ... من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ [

أ]

اللغة: الدهر: الزمان، قال الشاعر:

إِنَّ دَهراً يَلُفُّ شَملي بِليليلَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإِحسانِ

ويُجمع على دُهور، ويقال: الدهر الأبد، وقولهم: دهر داهر، أبدٌ آبد،، ودهر دهارير، أي شديد، كقولهم: ليلة ليلاء، ونهار أنهر، ويومٌ أيوم، وساعة سوعاء، وفي الحديث: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر؛ لأنهم كانوا يضيفون النوازل إليه، فقيل لهم: لا تسبّوا فاعل ذلك بكم، فإن ذلك الفاعل هو الله، والدُّهري: الملحد، بضم الدال، وَهِمَ الشارح، فقال بفتح الدال، وهو معذور في ذلك؛ لأن الجوهري لم يذكر ذلك في بابه، إنما ذكره في ....، والعكس: ردُّك الشيء إلى أوله، الآمال: جمع أمل، وهو الرجاء، والقناعة: الرضا بما قُسِم، والغنيمة: واحدة الغنائم، معروفة، والكدّ: الشدّة في طلب الكسب، والقفل: الرجوع من السفر، والقافلة: الرفقة الراجعة من السفر، ولا يقال لها ذلك حقيقة إلاّ إذا كانت راجعة خاصة، وقولهم لها قافلة تفاؤلاً بالرجوع، وأول من نطق بهذا المثل امرؤ القيس، فإنه قال:

وَقَد طَوَّفتُ في الآفاقِ حَتّىرَضيتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»

وقال عبيد بن الأبرص:

وَلَو لاقيْتُ عِلباءَ بنَ عمروٍرَضِيْتُ مِنَ الغَنيمَةِ بِالإِيابِ

الإعراب: والدهر: الواو للابتداء، والدهر مرفوع على أنه مبتدأ، يعكس: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، آمالي: جمع أمل، وهو منصوب بيعكس، ولم يظهر النصب فيه؛ لأنه مضاف إلى ياء المتكلم، ويقنعني: الواو عطف الفعل على [ ب] الفعل، من الغنيمة: جار ومجرور، بعد الكدّ: ظرف، ومخفوض به، بالقفل: جار ومجرور، فالدهر في البيت مبتدأ، وخبره يعكس، كأنه قال: الدهر عاكس آمالي، يقنعني موضعه الرفع عطفا على الخبر، والياء فيه مفعول أول، وبالقفل مفعول ثان له، ومن الغنيمة متعلق بيقنع، والجملة كلها من يقنع إلى آخره في موضع الرفع على أنه خبر معطوف على خبر المبتدأ، والبيت كله في موضع النصب على الحال لما في أريد بسطة كفٍّ في حالة

الدهر عاكس آمالي فيها، قال الجوهري في صحاحه: أقنعه الشيء إذا أرضاه، فعلى هذا لا يتعدّى إلى مفعول ثان، إلاّ أن يشدّد، تقول: قنّعته بالقليل من الرزق.

المعنى: والدهر يعكس ما أُؤمله وأرجوه من البسطة والرفعة؛ حتى أقنع من الغنيمة بالرجوع بعد التعب والمشقة، وهذا المثل يضرب لمن مسعاه، وطال سفره، وتمنى العود إلى بلده، نعوذ بالله من هذه الحالة، كان رسول الله ﷺ يتعوّذ من طمع في غير مطمع، ومن طمع يعود إلى طبع، وكان ﵊ يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، والدهر ما زال يعكس المقاصد، ويراقب الخيبة، ويُراصد، فقد تدنو المقاصد والأماني، فتعترض الحوادث والمنون، والشعراء أكثروا من هذا المعنى، قال أبو الطيب:

أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَنيما لَيسَ يَبلُغُهُ في نَفسِهِ الزَمَنُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُتَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن»

قلت: وصواب هذا البيت أن يُقرأ: تجري الرياح بما لا يشتهي، بالياء المثناة في أوله، والسفِن بكسر الفاء، أي صاحب السفينة، ويخلص بذلك عن المجاز. ... [ أ]

وقال أبو الطيب:

أَهُمُّ بِشَيءٍ وَاللَيالي كَأَنَّهاتُطارِدُني عَن كَونِهِ وَأُطارِدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

وقال ابن القيسراني:

إلى كم أسومُ الدَّهرَ غير طباعه وأصدُقُهُ عن شيمتي وهو حانثُ

وأسمو مُجدَّاً في العُلى وتَحُطُّني خطوبٌ كأنَّ الدهرَ فيهنَّ عابثُ

حكى الخالديان في اختيار شعر مسلم بن الوليد أنه كان في بعض أطراف البصرة رجل يخيف السبيل، فأعيى أمره السلطان، ثم ظفر به، فأمر بقتله، وصلبه، فلما قُدِّم لذلك قال للموكل به: إن رأيت أن تتوقف عني قليلاً، وتأتيني بقرطاس ودواة أكتب شيئا في قلبي، فإذا فرغت من ذلك فشأنك وما أُمِرت به، فأجابه إلى ما سأل، ثم لمَّا كتب قال للمُوكَّل: إفعل ما بدا لك، فنظر الموكل في الرقعة فإذا فيها مكتوب:

قالت سُليمى كم تُمَنيناوعدُكَ وعدُ ليس يأتينا
يا قانِعاً بالدُّون من عيشهِحتى متى تُصبحُ محزونا
فحركت أشرس ذا مرّةٍمن بعد ثنتين وخمسينا
إنْ كنتُ قصَّرتُ ولم أجتهدْفي طلب الرزق فلومينا
وأيُّ بابٍ يُرتجى فتحُهُوما قرعناهُ بأيدينا
ما قصَّرَ السعي ولكنهامقادرٌ جاريةٌ فينا

فرفع قصته إلى مَنْ أمر بقتله؛ فأمر بإطلاقه، وصفح عنه.

خرج الوزير نظام الملك أبو الحسن علي إلى الصلاة فجلس قليلا ثم التفت إلى الحاضرين، وقال: هنا بيت شعر أريد له أولا، وهو:

فكأنني وكأنه وكأنهاأمل ونيل حال بينهما القضا

وكان في الجماعة أبو القاسم مسعود بن محمد الخجندي الشافعي، فقال:

أفدي حبيباً زارني مُتنكراً فبدا الوشاة له فولّى مُعرضا

/ رجعنا إلى كلام الناظم، فهو يقول: إنّ الدهر يعكس مأموله، فهو دائما في [ ب] الحضيض الأسفل عما يرومه ويختاره.

قال الشارح: وقد خطر لي أن أردّ على الطغرائي ما قاله من أنّ الدهر يعكس آماله على وزن القصيدة اللامية:

تقولُ يعكسُ آمالي وأنتَ كما علمت في عالمٍ في التربِ مُستفلِ

أمَا ترى الشمسَ تلقى عكس مقصدهافي كل يومٍ ولولا ذاك لم تفلِ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «تقول يعكس آمالي أنت كما»

قال: وكنتُ نظمتُ قبل هذا:

لا يعجب المرءُ لِعكسِ المُنَى ما فكرهُ في مثل ذا نافعِ

فالأنجمُ السبعُ العُلى ما نجتْ من عكسها بالفَلَكِ التاسعِ

قال الشارح: وليس عكس المقاصد عند الدهر مطّرداً، بل هو مع الأذى جار، وعلى نهج الردى سار، فإن تمنى الإنسان شرا قرَّبه، وإنْ تمنى خيرا قلّبه.

وقال أبو الطيب:

وَأَحسَبُ أَنّي لَو هَويتُ فِراقَكُملَفارَقتُكم وَالدَهرُ أَخبَثُ صاحِبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»
فَيا لَيتَ ما بَيني وَبَينَ أَحِبَّتيمِنَ البُعدِ ما بَيني وَبَينَ المَصائِبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

وقال ابن دقيق العيد شيخ الإسلام:

الحمدُ لله كَمْ أسْمُو بِعزميَ فِينَيْل العُلاَ وَقَضاءُ الله ينْكسُه
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
كَأَنَّني البَدْرُ يبغى الشرقَ والفلكُ الـأعلى يعارضُ مسراه فيعكسه
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة

يقال: من نكد الوجود أنْ يرى الإنسان في منامه أنه وجد مالاً، أو أصاب جوهرا، أو ظفر بخير، فإذا انتبه لم ير من ذلك شيئا، وربما [يرى] أنه قد أحدث، فإن انتبه كان ذلك يقينا.

قال الشاعر:

أَرى في مَنامي كُلَّ شَيءٍ يسوءنيوَرُؤيايَ بَعدَ النَومِ أَدهى وَأَقبَحُ
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «أرى في منامي كل شيء يسرني»
فَإِن كانَ خَيراً فَهُوَ أَضغاثُ حالِمٍوَإِن كانَ شَرّاً جاءَني قَبلِ أُصبِحُ
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «أرى في منامي كل شيء يسرني»

وقال أبو العلاء المعري:

إلى اللهِ أشْكو أنّني كلَّ ليلةٍإذا نِمْتُ لم أعْدَمْ خواطِرَ/ أوْهامي [ أ]
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
فإنْ كان شرّاً فهْوَ لا بُدّ واقِعٌوإنْ كان خَيْراً فهْوَ أضْغاثُ أحلام
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وقال الأحنف العكبري:

وأحلم في المنام بكل خيرفأصبح لا أراه ولا يراني
ولو أبصرت شراً في مناميلوافى الشر من قبل الأذان

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من شرح القصيدة بيتا بيتا

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.