تجاوز إلى المحتوى

من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

وذِي شِطاطٍ كصدرِ الرُّمْحِ معتقلٍ ... بمثلهِ غيرَ هيَّابٍ ولا وَكِلِ

اللغة: ذي: بمعنى صاحب، الشطاط: بالفتح والكسر، اعتدال القامة، والاعتقال: أنْ يضع الفارس رمحه بين ساقه وركابه، والهيّاب: الجبان، وكذلك الهيوب، وفي الحديث: الإيمان هيوب، أي صاحبه يهاب المعاصي، والوكل: العاجز.

الإعراب: الواو واو ربّ، ولا شكّ أنّ ربّ حرف تقليل، ويستعمل في التكثير، كما قال تعالى: [رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ]، وهي مختصة بالنكرات، وفي ربّ تسع لغات: رُبْ، ورُبَّ، ورُبُّ، ورُبَّتْ، ورُبَّتَ، ورَبَّتْ، ورَبَّتَ، ورَبَّ، وربَّتما، ذي: هي بمعنى صاحب هنا، وهي مجرورة برب مضمرة، وعلامة جرها الياء، شطاط: مضاف إلى ذي، كصدر: الكاف بمعنى مثل، وهي في موضع الجر؛ لأنها صفة لذي،

وصدر مجرور بالإضافة، والرمح: مجرور بالإضافة إلى صدر، معتقل: مجرور أيضا على الصفة، فهو صفة بعد صفة لذي، بمثله: جار ومجرور، والهياب: في موضع جر بالإضافة، وهي ترجع إلى الرمح، والجملة في موضع نصب على أنه مفعول لاسم الفاعل، وهو معتقل، كأنه قال: معتقل بمثله، غير هياب: مجرور على أنه صفة لمعتقل، فإن قيل: كيف وصفت النكرة بالمعرفة، فالجواب أنّ غير لا تتعرف بالإضافة إلاّ إذا وقعت بين متضادّين، وكانا معرفتين كما تقول: عجبت من قيامك غير قعودك، أو عجبت من [ ب] الحركة غير السكون، وهيّاب لم يضاد معتقلاً، فغير نكرة هنا مع وجود الإضافة، ولا وكل: الواو عاطفة، ولا حرف نفي، وغير للنفي، فعطف النفي على النفي، وكِل: مجرور بالعطف على هياب.

المعنى: وصاحب قامة معتدل مثل صدر الرمح معتقل برمح، غير جبان، ولا عاجز، أخذ يصف صاحبه، ويعدد ما هو عليه من كمال الخَلق والخُلُق والصفات التي تُطلب من رفاق السفر بالليل من الشجاعة والإقدام، وغير ذلك، والتفت إلى هذا، وترك ما كان يذكره من حال نفسه ومقامه ببغداد، وغربته وفقره، وعدم أصحابه، وعكس مقاصده إلى وصف الرفيق، والالتفات من عادة البلغاء، يلتفتون من فن إلى فن، ومن أسلوب إلى أسلوب كعادة العرب في كلامها، وهذا الذي فعله المصنف يسمى الاقتضاب، وهو نوع من الالتفات.

واعلم أنَّ ابن الأثير ﵀ يقول: إنّ الالتفات إنما يكون من الغيبة إلى الحضور، وعكسه، وليس كذلك، بل هو أعم من ذلك، وأرباب البلاغة يسمون الالتفات شجاعة العربية، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، وبالعكس، كقوله تعالى: [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] الآيات، ثم قال: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]، انتقل من الغيبة إلى الخطاب. والثاني [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ]، انتقل من الخطاب إلى الغيبة.

القسم الثاني: الرجوع من الفعل المستقبل إلى الأمر، فالأول كقوله تعالى: [إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ /بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ]، [ أ]

انتقل من الاستقبال إلى الأمر، والثاني كقوله تعالى: [قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ] الأية.

القسم الثالث: الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل وبالعكس، كقوله تعالى: [الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا] الآية، انتقل من الاستقبال إلى الماضي، والثاني كقوله تعالى: [وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ]، وقوله تعالى: [وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ] الآية، انتقل من الاستقبال إلى الماضي، فانظر إلى ما أعطى الالتفات في هذه المواضيع من المعاني، وأفـ ادها من الحكم، فتبارك الذي أنزل الفرقان، وجعله معجزا، تنزيل من حكيم حميد.

واعلم أنّ صدر بيت الطغرائي هو بعينه صدر بيت الحريري في مقامته الرابعة والأربعين في قصيدته البائية؛ لأنه قال:

وذي شطاط كصدر الرمح قامته صادفتُه بمنىً يشكو من الحَدَبِ

قال الشارح: ومثل هذا لا يُعدُّ سرقة؛ لأن المعنى ليس ببديع، ولا لفظه بفظيع، ولا الطغرائي عاجز عن الإتيان بمثله، بل جرى على لسانه، ونسي أنّ هذا لغيره؛ لعدم الاهتمام بأمره، إذ ليس هو بأمر كبير، وهذا كثير الوقوع للناس، لا يكاد يسلم الفحول منه، ولهذا قال أشياخ الأدب: ما حفظ أحدٌ المقامات ونسيها إلاّ ونظم ونثر، وقوله مثل صدر الرمح معتقل بمثله من الايجاز والاختصار؛ لأنه استغنى بقوله: بمثله عن أن يقول: برمح طوسيل قويم معتدل، وما أحسن قول المثل المشهور: يكفيك من القلادة ما أحاط [ ب] بالعنق، وقال البحتري:

وَالشِعرُ لَمحٌ تَكفي إِشارَتُهُوَلَيسَ بِالهَذرِ طُوِّلَت خُطَبُه
للشاعر البحتري، من قصيدة «لا الدهر مستنفذ ولا عجبه»

وأحسن ما ورد في الإيجاز قوله تعالى: [وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي] الآية، وقد تكلم أرباب البلاغة فيها وأكثروا، قال ابن أبي الأصبع: هذه الآية اشتملت على أحد وعشرين نوعا من المحاسن، وذكرها، ثم فسّر ذلك، وشرحُهُ يطول هنا، والآية مشهورة بين أرباب البلاغة بالإبداع، وأعظم ما فيها شرح قصة نوح في الطوفان من أوله إلى آخره

في هذه الألفاظ القلائل، وقد جاء مثل الطغرائي بمثله كثير في كلام الشعراء، كقول أبي تمام:

وَرَكبٍ كَأَطرافِ الأَسِنَّةِ عَرَّسواعَلى مِثلِها وَاللَيلُ تَسطو غَياهِبُه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»

فاستغنى بقوله: بمثلها من أن يقول: على نوق كأطراف الأسنة.

قال الشارح: وقريب من هذه المادة، أعني قول الطغرائي وغيره بمثله، قول أبي العتاهية فيما أظن:

حُلِقَتْ لِحيَةُ موسى بِاسمِهِوَبِهارونَ إِذا ما قُلِبا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «حلقت لحية موسى باسمه»
إنّ هارون إذا ما قلباصيّر الذقن سريعا عجبا

كتب الشيخ جمال الدين الموقاني إلى جمال الدين موسى بن يعمور، وقد أهدى له موسى:

وأهديت موسى نحو موسى وإن يكنقد اشتركا في الاسم ما أخطأ العبدُ
فهذا له حَدٌّ ولا فضلَ عندهوهذا له فضلٌ وليس له حدُّ

وقال الشارح ملغزا في موسى:

رأيت في جلَّقٍٍ غزالاً تحار في جسنه العيون

فقلت ما الاسم قال موسى قلت هنا تُحلقُ الذُّقون

ومن محاسن الأجوبة أنّ بعضهم أراد أن يشتري جارية عُرِضَتْ عليه، فقال لها: كم دُفِع فيكِ، فقالت:/ وما يعلم جنود ربك إلاّ هو. ... [ أ]

وقيل: إنّ رجلاً رمى عصفورا فأخطأه، فقال آخر: أحسنت، فغضب وقال: أتهزأ بي، قال: لا، إنما قلت أحسنت إلى العصفور.

قال المدائني: قال رجل من أهل الحجاز لابن شبرمة: العلم من عندنا خرج، قال: صدقت، إلاّ أنه لم يرجع إليكم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من شرح القصيدة بيتا بيتا

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.