تجاوز إلى المحتوى

من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

حُلْوِ الفُكاهِةِ مُرُّ الجِدِّ قد مُزِجتْ ... بقسوةِ البأسِ فيه رِقَّةُ الغَزَلِ

اللغة: الحلو: نقيض المر، يقال: حلا الشيء يحلو حلاوة، فهو حلوٌ، واحلولى افعوعل على مثله، وقد عدَّاه حميد بن ثور في قوله:

فَلمّا أَتى عامانِ بَعدَ فِصالِهِعَن الضّرع واحلولى دِماثاً يَرودُها
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

ولم يجئ افعوعل متعديا إلاّ هذا، وحرف آخر، وهو اعروربت الفرس، والطعوم تسعة، وهي: الحلو، والمرّ: والحامض، والمِزّ، والمالح، والحريف، والعفص، والدسم، والتفه، وما أرشق قول البدر يوسف:

يا عاذلي في هواهإذا بدا كيف أسلو
يمر بي كل وقتوكلما مر يحلو
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة

فائدة: قولهم: فلان يحبّ الحموضة، معناه يحب الدبر؛ لأن الإحماض في اللغة الانتقال من شيء إلى شيء؛ لأن الإبل إذا ملّت الخلة اشتهت الحمض، فتُحوَّل إليه، وفي حديث الزهري: الأذن مجاجة، وللنفس حمضة، أي شهوة الانتقال، فكأنّ اللاّئط انتقل من الأمر الطبيعي المعتاد إلى غيره، الفكاهة بالضم: المزاح، وبالكسر طيب النفس، والجد: نقيض الهزل، وهو الاجنهاد في الأمور، والمزج: الخلط، والشدة: ضد اللين، والبأس: الشجاعة، والرقة: ضد الغلظ، والغزل: معازلة النسوان، وهي محادثتهن ومراودتهن، وتغزّل إذا تكلف الغزل، وزعم بعض الأدباء أن الغزل في [ ب] الذكور، والنسيب في الإناث.

الإعراب: حلو: صفة لذي في البيت الذي تقدّم، الفكاهة: مجرور بالإضافة، وهذه لفظية، وليست بمعنى من، مرّ الجد: صفة أخرى، الجد: مضاف إليه، والكلام فيه كالكلام فيما تقدم، قد مزجت: قد حرف يصحب الأفعال، ويقرب الماضي من الحال، وهي لتحقيق الفعل، مزجت: فعل مبني لما لم يُسم فاعله، والتاء: علامة التأنيث للفاعل، بشدة البأس: جار ومجرور، ومضاف، والإضافة بمعنى اللام، منه: جار ومجرور، رقة الغزل: رقة مرفوع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، والغزل: مضاف إليه، والإضافة بمعنى اللام، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: قد مزجت رقة الغزل بشدة البأس، والجملة كلها في موضع الجر على أنها صفة لذي، تقديره: ممزوجة فيه رقة الغزل.

المعنى: إنه صاحب حلو المزاح، طيّب الأخلاق، كريه الجد، وهذه صفة مدح؛ لأن الشدة في الاجتهاد محمودة، فهو قد مزجت فيه الحلاوة من رقة الغزل، بالمرارة من شدة البأس، وما أحق صاحب هذا المعنى بقول القائل:

وكالسَّيفِ إنْ لايَنْتَهُ لانَ مَتْنُهُوحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خشنانِ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وكالسيف إن لاينته لان متنه»

وقد كان ﷺ يباسط أصحابه وجلساءه، ويمزح حقاً، ويلين جانبه لمن حضره ويؤنسه، فإذا كانت الحرب، واشتد البأس، وحمي الوطيس يَقدُمُ أصحابه، ولقي بنفسه، ومن خصائصه ﷺ إذا جرّد سيفه لا يغمده حتى ينال به من عدوه، وتحريم الهزيمة عليه من العدّ في الحرب، ولا شكّ في لطفه ورحمته وحنوه على قومه، [ أ] وهم كافرون، يؤذونه ويكذبونه، ويصدّون عنه، ويحاربونه، وهو يحلم عليهم، ويشقّ عليه عنادهم، قال الله تعالى: [عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ]، قال ﵇ لما اتفق ما اتفق: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى وصفه الله تعالى بكمال الأوصاف، فقال تعالى: [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ثناء على صفته الحميدة، وخلاله الجميلة، وكان ﵇ أشد حياء من العذراء في خدرها، ولا شكّ أنه ﷺ من النجدة والشجاعة والبأس والإقدام ولقاء العدو في الغاية التي تكبو دونها سوابق الأبطال، قال علي بن أبي طالب ﵁: كنَّا إذا اشتد الحرب اتّقينا برسول الله ﷺ، وأقربنا إلى العدو، وأبصر رسول الله ﷺ ثرقوة أبي بن خلف من فرجة من سابغة الدرع، وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إنْ نجا، فطعنه النبي ﷺ بحربته، فوقع أبيٌّ عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، ومع هذا فقد مزح النبي ﷺ، ولم يقل إلاّ حقا.

قال الشارح: وفي سيرة الذهبي التي قرأتها عليه في ضمن كتاب التاريخ، قال زيد بن أبي الزرقاء عن ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس، تفرد به ابن لهيعة، وضعفه معروف، وجاء من طريق آخر لابن لهيعة: كان النبي ﷺ من أفكه الناس مع صبي، انتهى.

وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله احملني على حمار، قال: أحملك على ولد [ ب] الناقة، قالت: لا يطيقني، قال لها الناس: وهل الجمل إلاّ ولد الناقة، وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إنّ زوجي مريض، وهو يدعوك، فقال لها: لعل زوجك الذي في عينيه بياض، فرجعت وفتحت عين زوجها، فقال: مالك، قالت: أخبرني رسول الله ﷺ أن في عينيك بياضا، فقال: وهل أحدٌ إلاّ وفي عينيه بياض، وقالت أخرى: يا رسول الله أدع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أمّ فلان إنّ الجنة لا يدخلها عجوز، فولّت وهي تبكي، فقال ﵇: أخبروها أنها لا تدخل الجنة وهي عجوز، إن الله تعالى قال: [إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا]، وبالجملة فصفاته وشمائله، وما انطوى عليه أجلّ من أن يحيط به وصف، وأشرف من أن يضم جواهرها نظم، أو رصف، فلو جرى القلم إلى أن يحفى، وصرّ لسانه إلى أن يخفت ويخفى، ما جنى زهرا أنبتته حدائق تلك الحقائق، ولا التقط درّاً ملأ حقائب هاتيك الخلائق، إن في الموج للغريق لعذرا واضحا أن يفوته تعداده.

وروى الشارح بإسناده عن ابن سيد الناس إلى حريم بن أوس، قال: كنا عند رسول تالله ﷺ فقال له عمه العباس: يا رسول الله إني أُريد أن أمتدِحك، فقال له النبي ﷺ: قل لا يفضض الله فاك، فأنشأ يقول:

مِن قَبلِها طِبتَ في الظِلالِ وَفيمُستَودَعٍ حَيثُ يُخصَفُ الوَرَقُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «وأنت لما ولدت أشرقت الأرض»
ثم هبطتَ البلادَ لا بَشَرٌأنتَ ولا مضغةٌ ولا عَلَقُ
بل نطفةٌ تركبُ السّفين وقدألجمَ نسراً وأهلَه الغرقُ
تنقَّلُ من صلبٍ إلى رحمإذا مضى عالمٌ بدا طبقُ
/حتّى احتوى بيتك المهيمن منْخندف علياء تحتها النّطق [ أ]
وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ الْــأَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «وأنت لما ولدت أشرقت الأرض»
فنحن في ذلك الضّياء وفي النّـ... ور وسبل الرّشاد تخترق

عاد الكلام إلى بيت الطغرائي، هذه الصفات التي ذكرها قلَّ ما تجتمع في إنسان إلاّ مَن خصّه الله بهذه الموهبة؛ لأنها مع تضادها محمودة، ولا يتفق ذلك إلاّ مِن اعتدال المزاج، وقول الناظم هذا يشبه قول أبي تمام:

الجِدُّ شيمَتُهُ وَفيهِ فُكاهَةٌسُجُحٌ وَلا جِدٌّ لِمَن لَم يَلعَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»
شَرِسٌ وَيُتبَعُ ذاكَ لينَ خَليقَةٍلا خَيرَ في الصَهباءِ ما لَم تُقطَبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أحسن بأيام العقيق وأطيب»

ما أحسن قوله: لا خير في الصهباء ما لم تقطب؛ لأن الخمرة إذا كانت صرفا كانت حادة، لا يمكن استعمالها، فإذا مُزجت بالماء، وهو طبع بارد، تولّد عنها كيفية أخرى، تقارب الاعتدال، فأمكن استعمالها.

وقول أبي تمام الطائي أيضا:

لا طائِشٌ تَهفو خَلائِقُهُ وَلاخَشِنُ الوَقارِ كَأَنَّهُ في مَحفِلِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ليس الوقوف بكفء شوقك فانزل»
فَكِهٌ يُجِمُّ الجِدَّ أَحياناً وَقَديُنضى وَيُهزَلُ عَيشُ مَن لَم يَهزِلِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ليس الوقوف بكفء شوقك فانزل»

وفي بيت الطغرائي من حسن الصناعة ما يشهد لقائله بفوز قدحه في البلاغة، فإنه جمع فيه بين ثمانية أشياء: الحلاوة، والمرارة، والفكاهة، والمزج، والجد، والقسوة، والرقة، والبأس، والغزل، وهي ثمانية لم تجتمع لغيره بهذا الانسجام والعذوبة، وأرباب البديع يسمون هذا النوع بالمقابلة، واستشهدوا فيه بقوله تعالى: [فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى] الآيتين، في كل آية ما يقابل الأخرى، هكذا قرره الجميع، ومن أحسن ما استشهدوا به في هذا النوع قول أبي الطيب:

أَزورُهُم وَسَوادُ اللَيلِ يَشفَعُ ليوَأَنثَني وَبَياضُ الصُبحِ يُغري بي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

قالوا: قابل فيه خمسة بخمسة، وهي: أزورهم مقابل وأنثني، وسواد مقابل بياض، والليل مقابل الصبح، ويشفع لي مقابل يغري بي، والخامسة لفظة لي تقابل لفظة بي؛ لأن الشفاعة له، ضدّ الإغراء به، كأنه قال: ذلك لي، وهذا عليَّ.

قال الشاعر:

فَيَومٌ عَلَينا وَيَومٌ لَناوَيَومٌ نُساءُ وَيَومٌ نُسَر
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

ألا تراه قابل ما عليهم بما لهم، لما في ذلك من الإساءة والسرور، وقد أخذ بعضهم قول أبي الطيب أخذا مليحاً، فقال:

أقلي النهار إذا أضاء صباحهوأظل أنتظر الظلام الدامسا
للشاعر الحسين بن عقيل، من قصيدة «أقلي النهار إذا أضاء صباحه»
فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكاوالليل يرثى لي فيدبر عابسا
للشاعر الحسين بن عقيل، من قصيدة «أقلي النهار إذا أضاء صباحه»

وفيه مقابلة خمسة بخمسة.

كان ابن سيد الناس يقول: سمعت شيخنا تقي الدين بن دقيق العيد يقول، قل لهؤلاء علماء المعاني والبيان والبديع أتحسنون أن تقولوا مثل أزورهم، البيت، فإذا قالوا: لا، قل لهم: فأي فائدة فيما تصنعونه، أو كما قال، يريد بهذا أنّ العمل غير العِلم، والمباشرة دون الوصف، والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان.

حُكي أن بعض الوعاظ كان على منبره يتكلم في المحبة وأمور العشق وأحواله، ومدّ أطناب الإطناب في ذلك، فقام إليه بعض الجماعة، وقال:

بهيشِِكَ هَل ضَمَمتَ إِلَيكَ لَيلىقُبَيلَ الفجرِ أَو قَبَّلتَ فاها
وَهَل رَفَّت عَلَيكَ قُرونُ لَيلىرَفيفَ الأُقحُوانَةِ في نَداها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بربك هل ضممت إليك ليلى»

فقال الواعظ: لا والله، فقال له: فافشر [ما شئت].

قال عبد الله بن أَسباط الكاتب القيرواني:

قال الخلي الهوى محالٌفقلت لو ذقته عرفته
فقال هل /غير شغل سرٍّإن أنت لم ترضه صرفته
وهل سوى زفرةٍ دمعٍإن لم ترد جريه كففته
فقلت من بعد كل وصفٍلم تعرف الحب إذ وصفته

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من شرح القصيدة بيتا بيتا

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.