من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
طردتُ سرحَ الكرى عن وِرْدِ مُقْلتِه ... والليلُ أغرَى سوامَ النومِ بالمُقَلِ
اللغة: الطرد: الإبعاد، السرح: المال السائم، تقول: سرحت السائمة، وسرَّحتها، وسرحت هي نفسها، وسرَّحت فلانا إلى مكان كذا، أي أرسلته، الكرى: النعاس، قال الشاعر:
فَلا يَمِيلُ وَلاَ يَكرَى مجالسُهَاوَلاَ يَمَلُّ مِنَ النَّجوَى مُنَاجِيهَا
والوِرْد: خلاف الصدر، والمقلة: شحمة العين التي تجمع البياض والسواد وتجمع على مقل، والحدقة: السواد الأعظم، والناظر: هو الأسود والأصفر، والإنسان يكون في الناظر كالمرآة إذا استقبلتها رأيت شخصك فيها، قال أبو الطيب:
جاريةٌ طالَما خَلَوتُ بِهاتُبصِرُ في ناظِري مُحَيّاها
يصف شدة قربها منه، وذبابة العين: مؤخّرها، واللحظ: طرف العين مما يلي الصدغ، والموق: طرفها مما يلي الأنف، والحملاق: باطن جفن العين، والإغراء: ضد التحذير، والسوام: هو المال الراعي، يقال: سامته الماشية، وهي سائمة وسوام، والنوم: معروف، وهو ضد اليقظة.
الإعراب: طرد: فعل وفاعل، سرح: مفعول به، والكرى: مجرور بالإضافة، عن ورد: جار ومجرور، ومضاف إليه، وهو في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثان لطردت، وعن هنا للتجاوز، والليل: الواو واو الحال، والليل مرفوع على أنه مبتدأ، أغرى: فعل ماض سدّ مسد الخبر للمبتدأ، إذ الفاعل فيه ضمير مستتر يرجع إلى الليل، والخبر إذا كان فعلاً وجب تأخيره؛ لأنه لو تقدّم خرج عن باب المبتدأ والخبر إلى باب الفعل والفاعل، سوام: منصوب على أنه مفعول به، والنوم: مضاف إليه، بالمقل: جار ومجرور موضعه النصب، متعلق بأغرى، والباء هنا للتعدية، وقوله: والليل أغرى سوام النوم بالمقل في موضع النصب على الحال؛ كأنه قال: طردت الكرى عنه في حالة أغرى الليل سوام النوم بالمقل.
المعنى: إني منعته النوم بالمحادثة، ونحن في ليل قد أقبل بالنوم على العيون، وحببه إلى المقل، واستعار الطرد للمنع، كما استعار الكرى سرحا، إذ هو من متعلق السرح، ولذلك أكّده بالاستعارة الثانية؛ لأنه أبدل السرح للنوم بالسوام، وهما من باب واحد، وحسن الاستعارة هنا أنّ السرح السائم إذا ورد الماء كان كأنه يذهبه بالشرب، وإذا سام في النبات رعاه، فأذهب ما فيه من العشب، وقد يكون فيه زهر يشبه العيون اليقظى، فإذا ذهب بالرعي أشبه العين التي زال رونقها، وغاب بياضها وسوادها بالنوم/ وكذلك الماء المورود للسرح يشبه العين اليقظى، فإذا ذهب أشبه تغميضها.
قال الشارح: وقد ناكد الطغرائي الرفيق، ومنعه نومه، فكان كما يُقال لا ينام، ولا يدع الناس ينامون، ولو كفاه شرّه لسرّه، فإنّ الخليّ لا يلزم بحال الشجيّ، والوزير المغربي كان أشد الناس إنصافا منه حيث قال:
لي كلما ابتسم النهارُ تعلةٌبمحدثٍ ما شان قلبي شانه
فإذا الدجى وافى واقبل جنحهفهناك يدري الهم أين مكانه
وهو مأخوذ من قول مجنون بني عامر:
أُقَضّي نَهاري بِالحَديثِ وَبِالمُنىوَيَجمَعُني وَالهَمَّ بِاللَيلِ جامِعُ
نَهاري نَهارُ الناسِ حَتّى إِذا بَدالِيَ اللَيلُ هَزَّتني إِلَيكِ المَضاجِعُ
ولمح المعنى منه محمد بن يحيى بن حزم، فقال:
إذا طلعت شمس عليك بسلوةٍأثار الهوى بين الضلوع غروبها
وقل المجنون:
وَشَغِلتُ عَن فَهمِ الحَديثِ سِوىما كانَ مِنكَ وَحُبُّكُم شُغلي
وَأُديمَ نَحوَ مُحَدِّثي نظري كأنيَقَد فَهِمتُ وَعِندَكُم عَقلي
ومن هنا أخذ أمين الدين جوبان قوله: دوبيت
لا أسمعُ الحديثَ عن غيرِكم من لذّةِ فكري واشتغالي بكم
ألوي نظري كأنني أفهمُهُ من قائله وخاطري عندكم
ولعمري إنّ هذه الاستعارات التي في كلام الطغرائي واقعة مواقعها، وهي في غاية الحسن، والاستعارة عند أرباب البيان، هي ادّعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه، مع طرح ذكر المشبه من البين لفظا أو تقديرا، ألا ترى أنه شبّه الليل وإرادة النوم على المقل بالراعي الذي يسوق الماشية إلى المرعى، وشبّه منعه النوم صاحبه، وشغله عنه بالطرد كالذي يطرد السرح عن ورود الماء، ولا شكّ أنّ الاستعارة أبلغ من التشبيه، وأوقع في النفس، وانظر إلى قوله تعالى: [وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا] وإلى ما فيه من الطلاوة، بخلاف ما إذا قيل: وشيب الرأس كالنار يشتعل، فهو أدعى أن حقيقة الاشتعال في الشيب دون النار، ووجه المناسبة التي حسّنت هذه الدعوى، [أن الشيب] لمّا كان بياضا يأخذ في الشعر الأسود شيئا فشيئا إلى أن يقوى ذلك ويشتد حتى يأتي على السواد جميعه، فيذهبه حُسن إدعاء الحقيقة، كما أن النار تأخذ في الفحم شيئا فشيئا، وتدب دبيب الشيب في الشَّعَر حتى تأتي على الفحم، ومن هنا عيب على القائل قوله:
وَالشَيبُ يَنهَضُ في الشَّبابِِ كَأَنَّهُلَيلٌ يَصيحُ بِجانِبَيهِ نَهارُ
فإنّ الصياح هنا لا مناسبة له، ولا معنى.
سأل رجل عمرو بن قيس عن الحصاة يجدها الرجل في ثوبه أو خفِّه من حصى المسجد، قال: ارمِ بها، فقال الرجل: زعموا أنها تصيح حتى تعود إلى المسجد، قال: دعها تصيح حتى ينشف حلقها، قال الرجل: سبحان الله! أوَلها حلق! قال: فمن أين تصيح؟ ومثل هذا ما حكاه أشعب الطمّاع، قال: جاءت لي جارية بدينار، فقالت: أودعه لي عندك، فقلت: دعيه تحت المُصلى، فلما راحت وضعتُ إلى جانبه درهما، فلمَّا كان بعد جمعة جاءت إليّ تطلبه، فقلت: هو مكانه، ولكن إنْ كان ولد شيئا فخذيه، فنظرت إلى الدرهم، فقالت: نعم، فقلت: ما دام تحت المصلى فهو يلد لك في كل جمعة درهما، فلما انصرفتْ أخذتُهُ، وحضرتْ بعد جمعة فطلبته، فلم تجده، فقلتُ: مات في النفاس، فقالت: ويلي، وكيف يموت، فقلتُ: يا بظراء كيف تُصدقين بحمله، ولا تصدقين بموته في النفاس.
قال الشريف العقيلي:
كُلَّما لاحَ وَجهُهُ بِمَكانِكَثُرَت زَحمَةُ العُيونِ عَلَيهِ
وقال:
فَلَمّا تَبَدّى لَنا وَجهُهُنَهَبنا مَحاسِنَهُ بِالعُيون
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع