من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
والركبُ مِيلٌ على الأكوارِ من طَرِبٍ ... صاحٍ وآخرَ من خمر الهوى ثَمِلِ
اللغة: الركب: تقدم الكلام عليه، ميل: جمع أميل، وهو الذي لا يستوي على السرج، قال جرير:
لَم يَركَبوا الخَيلَ إِلّا بَعدَما هَرِموافَهُم ثِقالٌ عَلى أَكتافِها ميلُ
/ والأكوار: جمع كور، وهو القتب، والطرب: خفة تلحق الإنسان.[ أ]
قال الشاعر:
وَتََراِني طَرِباً في إِثرِهِمطَرَبَ الواِلهِ أَو كالمُختَبل
وهو يحتمل أن يكون من الفرح، وأن يكون من الحزن، ولكنّه هنا من الحزن أقرب؛ لأنه جاء في سياق شدة السَّهَر، صاحٍ: صحا يصحو من سكره، فهو صاحٍ، الخمر: معروف، والكرا: تقدَّم، الثمل: السكران.
الإعراب: والركب: الواو للابتداء، والركب مبتدأ، ميل: خبره، من طرب: جار ومجرور، وطرب اسم فاعل هنا مكسور الراء، وليس هو مصدر بفتح الراء؛ لأنه لو كان مصدرا لفسد المعنى، وكان الجار والمجرور مفعولاً من أجله، وكان قوله وآخر من خمر الكرى، معطوفا على غير شيء، صاحٍ: مجرور على أنه صفة لطرب، وآخر: عاطف ومعطوف، من خمر: جار ومجرور ومضاف إليه، ولم تظهر الكسرة في المضاف لأنه مقصور، والجار والمجرور متعلق، ومن هنا لبيان الجنس، ثمل: مجرور على أنه صفة لآخر، والبيت بمجموعه في موضع النصب على الحال، كأنه قال: طردت الكرا عن سرح مقلته في حالة إغراء النوم بالمقل، وفي حالة ميل الركب على ظهور مطيهم.
المعنى: نادمته وحادثته والرفاق قد مالوا على مطاياهم بين صاحٍ من النوم، وبين ثملٍ من الكرى، وهذا دليل على أنهم كانوا في أخريات الليل، وفي ذلك الوقت يكون بعضهم قد صحا من خمر النوم، والآخر في نشوته يميل يمنة ويسرة.
قال ابن صردر:
قلتُ وهم من نَشواتِ الكرىموائلٌ كالسُّجَّد الرّكَّعِ
حُثُّوا مطاياكم فكم غايةقد بُلَغَتْ بالأينق الظُّلّعِ
وقال بديع الزمان الهمذاني:
لك الله من جوبٍ أجوب جيوبهكأني في أجفان عين الردى كحل [ ب]
كأن الدجى نقع وفي الجو حرمةكواكبها جند طوائرها رسل
كأن مطايانا سماء كأننانجوم على أقتابها برجها الرحل
كأن السرى ساقٍ كأن الكرى طلاكأنا لها شرب كان المنى نقل
وقال الشهاب محمود:
نشاوى على الأكوار من خمر السرى وكأس الكرى قد ألويا بطلاها
كأن غصونا في الرمال يميلها سحيرا على الأنضاء مرّ صباها
وقال أيضا:
كرر حديث الثنايا فهو أعذب ليعلى الظما من رضابِ الخرَّد العربِ
فقد سرتْ نفحةٌ أنشأتُ نسمتَهافينا فملنا على الأكوار من طرب
وقال أيضا:
برانا الهوى حتى تَوهّمَنا الذي يرانا خيالاً في الدجى قد سرى وهْنا
كأنا على الأكوار أفنان دوحةٍ يُميِّلُها مَرُّ الصبا غُصُنا غُصنا
وقال أيضا:
لا تردْها على جواها ودعها الْــآن تهوي بين الوهاد هويَا
إنّ بين الضلوع منها إلى الريِّبعين الزرقاء داءً دويّا
ضمر كالقصي ترعى بشِعبٍفوقها كالسهام مرمى قصيا
بلبلتهم كأس السرى فتثنّوانشوةً ما سقوا بها البابليا
واعلم أنّ في بيت الطغرائي من البديع الجمع مع التقسيم؛ لأنه جمعهم في الميل على الأكوار، ثم قسمهم فقال: منهم مَن مال من التعب، ومنهم مَن مال من النعاس، ومن أمثلة هذا النوع قول أبي الطيب:
حَتّى أَقامَ عَلى أَرباضِ خَرشَنَةٍتَشقى بِهِ الرومُ وَالصُلبانُ وَالبِيَعُ
لِلسَبيِ ما نَكَحوا وَالقَتلِ ما وَلَدواوَالنَهبِ ما جَمَعوا وَالنارِ ما زَرَعوا
وأحسن من هذا قول رسول الله ﷺ، الذي اوتي جوامع الكلم، [ أ] واختُصر له الكلام اختصارا: ليس لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وقيل: فأبقيت.
وقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله مَن تصدق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت، فقال الحسن: ما ترك أحدا منكم حتى عمّه بالمسألة.
ومن المجون قول القائل:
وبديعُ الجمالِ مُعتَدِلُ الَقامَةِ كالغصنِ حنَّ قلبي إليهِ
أشتهى أن يكونَ عنْدِي وفي بَيْتي وبَعْضي فيهِ وكلِّي عَلَيهِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع