من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي ... وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ
اللغة: دعوته: صِحتُ به، الجلى: الأمر العظيم، وجمعها جُلل، مثل كُبرى وكُبَر، قال جرير:
وإنْ دعوتِ إلى جُلّى ومكرُمَةٍ يوما كراماً من الأقوامِ فادعينا
والنصرة: ضد الخذلان في الحرب وغيرها، وهي الإعانة على في ما أهم، وفي الحديث: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، خذلته: الخذلان معروف، الحادث الجلل: الواقع العظيم من الدهر.
قال الشاعر:
فلئن عفوت لأعفون جللاًولئن سطوت لأوهنن عظمي
والجلل أيضا: الهيّن، فهو من الأضداد، قال امرؤ القيس لمَّا قُتل أبوه:
أَََلاَ كُلُّ شَيءٍ سِوَاهُ جَلَلْ
والمراد به هنا في كلام الطغرائي الواقع العظيم.
الإعراب: الفاء: للتعقيب، أي عقبت طرد الكرى بقولي، والمعنى فالتفت إليّ، فقلت له، أو لم يلتفت إليّ فقلت له، وما أحسن الفاء التي تكررت في قول الشنفرى:
بعينَيَّ ما أمْسَتْ فباتَتْ فأصبحَتْفقضتْ أموراً فاستقلتْ فولتِ
ومن ألطف ما في هذا الباب قول شمس الدين محمد بن عفيف الدين التلمساني: [ ب]
لِلْعاشِقينَ بِأَحْكَامِ الغَرَامِ رِضَافَلا تَكُنْ يا فَتى بِالعَذْلِ مُعْتَرِضا
رُوحي الفِدَاءُ لأَحْبابي وَإِنْ نَقَضُواعَهْدَ الوفيِّ الَّذي لِلْعَهْدِ مَا نَقَضَا
قِفْ واسْتَمِعْ رَاحِماً أخْبَارَ مَنْ قُتِلوافَماتَ في حُبِّهِم لَمْ يَبْلُغِ الغَرَضَا
رَأَى فَحبَّ فَرامَ الوَصْلَ فامْتَنَعُوافَسامَ صَبْراً فَعْيَا نَيْلُهُ فَقَضَى
الإعراب: فقلت: فعل ماض وفاعل، أدعوك: فعل مضارع، والكاف ضمير المفعول، للجلى: جار ومجرور، واللام للتعدية، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف؛ لأنه مقصور، وموضعها النصب على المفعول، لتنصرني: اللام لام كي، فهي تنصب الفعل المضارع، فالفعل منصوب بها، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المفعول.
وما أحلى قول شرف الدين بن الفارض:
نَصباً أكسبَني الشّوقُ كماتُكْسِبُ الأفعالَ نَصباً لامُ كَي
وأحسن منه قول شمس الدين التلمساني:
وَمُسْتَترٍ مِنْ سَنَا وَجْهِهِبِشَمْسٍ لَهَا ذَلِكَ الصُّدْغُ فيْ
كَوَى القَلْبَ مِنِّي بِلامِ العِذارِ فَعَرَّفني أَنَّها لامُ كَيْ
وأنت: الواو واو الابتداء، وأنت اسم مضمر في موضع رفع بالابتداء.
قيل: سمع المازني قرقرة في بطن إنسان، فقال: هذه ضرطة مضمرة، تخذلني: فعل مضارع مرفوع؛ لخلوه من الناصب والجازم، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المفعول، والجملة في موضع الخبر لأنت، في الحادث: جار ومجرور في موضع نصب على أنه ظرف لتخذلني، فتقديره: تخذلني وقت الحادث، الجلل: مجرور على أنه صفة للحادث، وقوله: أدعوك للجلى .... إلى آخره، البيت، في موضع نصب لقوله: فقلت.
المعنى: فقلت له مستفهما: أدعوك للأمر العظيم؛ طالبا نصرتك، وأنت تخذلني [ أ] في هذا الأمر العظيم، فهذا استفهام ومعناه التوبيخ، كقوله تعالى: [وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ] الآية، الاستفهام هنا للمسيح على الملام، والتوبيخ للنصارى، والاستفهام هنا من المسيح أبلغ من الاستفهام من النصارى؛ لأنه يحتمل أنهم يقولون: نعم كذا قال، فيرجع للمسيح على الملام، ويستفهم منه، فابتدئ بالاستفهام منه في أول الأمر، فيرى الأمر يفضي إلى آخره، فيجعل آخره أولا، وبالجملة فهذه القصة يحتمل الكلام عليها مجلدا لطيفا؛ لأنها قد تضمنت من البلاغة والحكم ما يعجز المتكلمون عن استغراق ذلك، واستخراج جواهره، واستنباط معانيه، [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا] فسبحان مَن أنزله هدىً ورحمة.
رجعنا إلى كلام الطغرائي، اعلم أنه قد جُبلت النفوس الأبية على تحقيق الظنون بها، وتصديق الأمل فيها، والرجاء فيما يُطلب منها من نصرة وإعانة وإزالة ضرورة، وسدّ خلة، وغير ذلك، والنفوس اللئيمة بخلاف ذلك، تكذِّب الظنون فيها، وحسن الظن بالله أمر واجب، قال ﵇: لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله، وروي عن أحد أهل البيت أنه لمَّا حضرته الوفاة قال: يا بني اقرأ عليّ الرخص لأموت وأنا أُحسن الظن بالله تعالى، وقال علي كرم الله وجهه: حسن الظن بالله أن لا ترجو إلاّ الله، ولا تخاف إلاّ ذنبك، وأنشد الشهاب محمود لنفسه:
قيل ما أعددت للحتــف فقد جئت محله
قلت أعددت من التوحيد حسن الظن بالله
وقال ابن سيد الناس:
/ فقري لمعروفك المعروفِ يغنينييا مَن أرجّيه والتقصيرُ يرجيني [ ب]
إن أوبَقَتْني الخطايا عن مدى شرفٍنجا بإدراكه الناجون من دوني
أو غضّ من أملي ما ساءَ من عمليفإنّ لي حسنَ ظن فيك يكفيني
ويتعين على ذوي المروءات احتمال الأذى والضرر في تصديق أمل الآمل، وتحقيق رجائه، وإيصاله إلى مآربه، وتبليغه مقاصده، فإنه:
لَولا المَشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُالجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ
ومن الكلم النوابغ: محك المودة والإخاء، حال الشدة لا الرخاء، ولهذا قال الشاعر:
دعوى الاخاء على الرخاء كثيرةًبل في الشدائد تعرف الأخوانُ
قيل إنّ يوسف الصديق ﵇ لمَّا خرج من السجن كتب على بابه: هذا قبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء.
على أنّ الإنسان يتعين عليه التفرس أولاً، والتكهن ليختار لحاجته مَن ينهض بحملها، ويقوم بكلّها؛ حتى تنزل من جانبه بالرحب، ويتلقّاها بالبشر، ويكون بها كفيلا، قال أبو الطيب:
وَلَم أَرجُ إِلّا أَهلَ ذاكَ وَمَن يُرِدمَواطِرَ مِن غَيرِ السَحائِبِ يَظلِمِ
وإلاّ يكون قد أخطأ في التأمل قبل التأميل، وأضاع الفراسة قبل الافتراس، والناس يختلفون في الهمم، ويتفاوتون في القيم، قال أبو الطيب:
ما كُلُّ مَن طَلَبَ المَعالِيَ نافِذاًفيها وَلا كُلُّ الرِجالِ فُحولا
ولهذا قال آخر:
أمّلْتُهم ثم تأمّلْتُهمفلاحَ لي أنْ ليس فيهم فَلاح
ولا يبعد قول الطغرائي من قول الأرجاني:
فإن يك أعدائي عليَّ تَناصَروافما هو إلاّ من تَخاذُلِ خُلاّني
ولم أدْعُ للجُلَّى صديقاً أجابَنيولم أرضَ خِلاًّ للوِدادِ فأرْضاني
وقال آخر:
وإخوانٍ تخذتهمُ دروعاًفكانوها ولكنْ للأعادي
وخِلتهم سهاماً صائباتفكانوها ولكن في فؤادي
/ ... وقالوا قد صفت منا قلوبٌ ... لقد صَدَقوا ولكن من ودادي ... وقالوا قد سعينا كل سعيٍ ... لقد صدقوا ولكن في فسادي
وقال ابن الرومي:
تخذتكُمُ دِرعاً حَصيناً لتدفعواسِهامَ العدى عنِّي فكنتُمْ نصالَها
وقد كنتُ أرجو منكُم خيرَ ناصرٍعلى حينِ خذلان اليمين شِمالَها
فإنْ أنتُمُ لم تحفظوا لمودّتيذِماماً فكونوا لا عليها ولا لَها
قفوا موقفَ المعذورِ عنّي بمعزلٍوخلّوا نبالي للعِدى ونبالَها
قال علقمة بن لبيد العطاردي لابنه: يا بني إنْ نزعت بك إلى صحبة الرجال حاجةٌ فاصحب مَنْ إنْ صحبته زانك، وإنْ أصابتك خصاصة مانك، وإن قلت سدد قولك، وإن صلت شدّد صولك، وإنْ مددت يدك بفضل مدّها، وإنْ بدت منك ثلمة سدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها،
وإن سألته أعطاك، وإن سكتَّ عنه ابتداك وإنْ نزلت بك إحدى الملمات واساك، مَنْ لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق.
قال الشارح: وذكرت بوصية علقمة لولده قول الفضل بن عبد الرحمن لرقيّة بنت عتبة بن أبي لهب: انظري لي امرأة معروفة النسب، كريمة الحسب، فائقة الجمال، مليحة الدلال، إن قعدت أشرفت، وإنْ قامت أضعفت، وإنْ مشت ترقرقت، تروع من بعيد، وتفتن من قريب، تسرّ مَنْ عاشرت، وتُكرم مَنْ جاورت، وتبدُّ من فاخرت، ودودا ولودا، لا تعرف أهلها، ولا تسرّ إلاّ بعلها، فقالت له: يا ابن العم، أخطب هذه من ربِّك في الآخرة، فإنك لا تجدها في الدنيا.
قال أبو موسى المكفوف لنخّاس: اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزحام ترفق، لا يصدم بي السواري، ولا يدخلني تحت البواري، إنْ أكثرت علفه شكر، وإن قللته صبر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيرك نام، فقال له النخاس: اصبر أعزك الله، عسى أن يُمسخ القاضي حمارا فتصيب حاجتك.
وعلى الصحيح فالكمال معدوم إلاّ في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا بدّ في الإنسان من لو ولولا، ومَنْ كانت ماهيته متضادة فالنقص به أولى، وما سلك الصواب صديق إلاّ ونُكِب، فلا تغترّ، أي الرجال المهذب،
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها.
ولوِ انتقَدْتَ بَني الزّمانِ وجَدتَ أكثرَهُم سقَطْ
وقد هوّن الأمر في الصحبة مؤيد الدين الطغرائي ﵀ في قوله:
أخاكَ أخاكَ فهو أجَلُّ ذُخْرٍإِذا نابَتْكَ نائبةُ الزمانِ
وإن رابتْ إساءتُه فَهبْهَالما فيه من الشِّيَمِ الحِسَانِ
تُريدُ مهذَّباً لا عَيْبَ فيهِوهل عُودٌ يفوحُ بلا دُخَانِ
وقال أيضا وإن لم يكن من الباب:
غايِظْ صديقَكَ تكشفْ عن ضمائِرِهوتَهْتِكِ السِتْرَ عن محجوبِ أسرارِ
فالعودُ يُنْبِيكَ عن مكنونِ باطنهِدُخَانُهُ حين تُلْقِيهِ على النَّارِ
وقال الشارح في شرط الصحبة:
صديقَكَ مهما جَنى غَطِّهولا تُخْفِ شيئاً إذا أحسْنا
وكن كالظلام معَ النَّار إذيوارِي الدُّخانَ وَيبْدِي السنَّا
قال الشارح: وكأني بالطغرائي وقد جرَّ هذا الصاحب فانجزم، وطلب إقباله على النصرة له فانهزم، وسامه الوقوع على المساعدة فتعلّى، ورام النجدة منه فقرأ عبس وتولى.
سأل أبو جعفر المنصور بعض الخوارج فقال له: أخبرني أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتك، فقال: ما أعرف وجوههم، ولكن أعرف قفاهم، فقل لهم يدبروا اعرّفك، أخذ ابن الرومي هذا المعنى، وزاده وزنا فقال:
قِرن سليمان قد أضرَّ بهشوق إلى وجهه سيتلفُه
كم يَعِدُ القرن باللقاء وكميكذب في وعده ويخلفه
/ لا يعرف القِرنُ وجهه ويرىقفاه من فرسخ فيعرفه
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع