من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
أُريدُ بسطةَ كَفٍ أستعينُ بها ... على قضاءِ حُقوقٍ للعُلَى قِبَلي
اللغة: الإرادة: المشيئة، البسط: السعة، ومنه قوله تعالى: [وَزَادَهُ بَسْطَةً] والكف: معروف، أستعين: أصله أستعون، ومعناه أطلب، والقضاء: الحكم، وقضى ربك، أي حكم، وقد يكون بمعنى الفراغ، وقد يكون بمعنى الأداء والانتهاء، تقول: قضيت دَينِي، هذا المعنى هو المراد هنا، والحقوق: جمع حق، وهو خلاف الباطل، والمراد به هنا ما يلزم ذمة الإنسان من المروءة في الجود، وما أشبهه، العلى: هو الرفعة والشأن والشرف، والجمع المعالي، فإذا فتحت العين مددت، فقلت: العَلاء، وإذا ضممتها قلت: العُلى، والقبل: الطاقة، ما لي به قبل، أي طاقة.
الإعراب: أريد: فعل مضارع، ماضيه أرادَ، وهو مرفوع؛ لخلوه من الناصب والجازم، بسطة: مفعول به، فلهذا نصبه، كف: مضاف إليه، أستعين: فعل مضارع مرفوع؛ لخلوه من الناصب والجازم، كما تقدم، وأصله أستعون من العون، فاستُثقِلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى العين، ثم قلبت ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، وموضعه النصب، إمَّا على الحال، أو على أنه مفعول لأجله، أو على الصفة لبسطة، بها: جار ومجرور، على
قضاء حقوق: جار ومجرور، ومضاف إليه، للعلى: جار ومجرور، ولم يظهر الجر فيه؛ لأنه مقصور، واللام هاهنا لشبه المِلك، وهي أحد معاني اللام، قبلي: [ ب]
منصوب بنزع الخافض على أنه ظرف مكان، يعني كأنه قال: على قضاء حقوق للعُلى في طوقي وسعيي، وما أقدر على الإتيان به.
المعنى: أحاول من الزمان بسطة كف من المال المتَّسع لأجل الإعانة على وفاء حقوق استقرّت في ذمتي للعلى، وكنَّى عن الغني ببسطة الكف؛ لأن الغني يبسط كفه بالنفقة، وكل منفق باسط كفه، وما زال الإنفاق يُسمى بسطا، والإمساك قبضا، قال الله تعالى: [وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ]، وقال تعالى: [وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ].
سؤال: إن قيل ما الفائدة في تثنية اليد هنا، الجواب: إنْ فسّرنا اليد بالنعمة فالمراد نعمة الدنيا والدين، أو الباطنة والظاهرة، أو ما يتعلق بالدنيا والآخرة إن أردنا القوة، فالمراد الاقتدار على الموت والحياة، أو الخذلان والنصر، أو الغنى والفقر، وما أشبه ذلك، فعلى كل تقدير من التفسير يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، أي يتمكن من إعطاء الدنيا والدين والأمانة والإحياء والإسعاد أو الإشقاء، ردا على اليهود فيما زعموا.
حُكي أنَّ بعضهم كان من المسرفين على أنفسهم، فلمَّا توفي رآه مَن كان يعلم حال باطنه، فقال له: ما فعل الله بك، قال: غفر لي، قال: بمَاذا، قال: كنت إذا تلوت هذه الآية قلت: غُلَّت أيديهم، وأطلت التشديد في اللام، كالمتشفي بهم، انتهى.
رجعنا إلى معنى البيت، قال ﵇: اللهم أعط كل منفق خلفا، وكل ممسك تلفا، وما ظلم الناضم في طلب المال لإنفاقه فيما يكتسب من المحامد، ويقيم به الأمور، قال ﵇: نعم المال الصالح مع العبد الصالح، وقال الحسن ﵁: إذا أردت أن تعرف مِن أين أصاب الرجل ماله فانظر فيما ينفقه، فإن الخبيث يُنفق في السرف، وقال أبو ذرٍّ: أموال الناس تشبه الناس، وروي عنه ﵇ [أنه] كان يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ويأمر الفقراء باتخاذ الدجاج، وفي المثل: مال المرء موئله، وقوَّته قُوته، قال بعضهم: لا أدري أيهما أمر، موت الغني، أو حياة الفقير.
قال الشاعر:
وما رفعَ النفسَ الدَّنيةَ كالغنى ولا وضعَ النفسَ الشريفةَ كالفقر
وقال ابن المعتز:
إِذا كُنتَ ذا ثَروَةٍ في الورىفَأَنتَ المُسَوَّدُ في العالَمِ
وَحَسبُكَ مِن نَسَبٍ صورَةٌتُخَبِّرُ أَنَّكَ مِن آدَمِ
وما يبعد أنّ الطغرائي ﵀ كان ذا نفس شريفة سخيّة، وهمة عالية، يؤثر المال؛ لينفقه في مصارفه.
ومن شعر الناظم رحمه الله تعالى:
سأحجُبُ عنّي أُسرتي عند عسرتيوأبرز فيهم إِنْ أصبت ثراءَ
ولي أُسوةٌ بالبدر يُنفق نورَهفيخفَى إِلى أن يستجدَّ ضياءَ
وهذه نفوس الأشراف، تظهر عند الثروة، طلبا للإنفاق، وتخفى عند الفقر، طلبا لكتمان حالها، فلا يكلف الناس سؤالا.
ولمّا أنشد الغزالي البيت المشهور:
خلتِ الديار فسدتُ غير مُسَوَّدِومن الشقاء تفَرُّدي بالسؤدَدِ
قلت: وهذا البيت أنشده المستظهري لمَّا ولي تدريس النظامية، وهو لسفيان الثوري، وعلم أنه لم يترفع إنما أراد أنه تفرد بالسؤدد على زعمهم، وقولهم، فخاطبهم على ما [ أ] في نفوسهم، قال الرافعي: سمعت الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن القاضي الحسين يقول: أتى القاضي ﵀ رجلٌ فقال: حلفت بالطلاق أنه ليس أحد في الفقه والعلم مثلك، فأطرق رأسه ساعة ثم قال: هكذا فعل موت الرجال، لا يقع طلاقك، وقول الطغرائي: وأبرز فيهم إن أصبت ثراءً
من قول الآخر، وهو أبو تمام:
إِنَّ الكِرامَ إِذا ما أَسهَلوا ذَكَروامَن كانَ يَألَفُهُم في المَنزِلِ الخَشِنِ
حُكي أن الأمير بيليك الخازندار أحضره إلى البلاد تاجرٌ كان يُحسن إليه، وهو في رقة، فلما باعه تنقّلت به الإيام إلى ما صار إليه، وافتقر التاجر فيما بعد، فحضر إليه إلى الديار المصرية، وكتب إليه رقعة فيها:
كنَّا جميعَيْنِ في بؤسٍ نكابدُهُوالقلب والطَّرف منَّا في أَذًى وقَذَى
والآنَ أَقبلَتِ الدُّنيا عليكَ بماتهْوَى فلا تنْسَنِي "إنَّ الكرامَ إذا
إشارة إلى البيت المتقدم، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ﵀.
لطيفة: قيل: أرسل المبرد غلامه، وقال له بحضرة الناس: امض فإن رأيته فلا تقل له، وإن لم تره فقل له، فذهب الغلام ورجع، وقال: لم أره، وقلت له فجاء، فلم يجئ، فسئل الغلام عن معنى ذلك فقال: أرسلني إلى غلام يهواه، فقال: إن رأيت مولاه فلا تقل له شيئا، وإن لم تر مولاه فادْعه، فذهبتُ فلم أر مولاه، فقلت له فجاء مولاه، فلم يجئ الغلام.
حكي أنّ الملك الظاهر لمَّا استعرضه مولاه ليشتريه، فقال التاجر: يا خوند هو يحسن يكتب ويقرأ، فأحضرتْ له دواة وقلم وورقة، وتقدمت إليه بأن يكتب شيئا يراه فكتب:
لولا الضرورات ما فارقتكم أبداً/ولا تنقلت من ناس إلى ناس [ ب]
فأعجبه الاستشهاد بهذا البيت ورغبه ذلك في شرائه.
وحكي أنّ إنسانا رفع قصة إلى الصاحب كمال الدين بن العديم فأعجبه خطها
فأمسكها وقال لرافعها هذا خطك قال لا ولكن حضرت إلى مولانا فوجدت بعض مماليكه فكتبها لي، وقال عليَّبه، فلما حضر وجده مملوكه الذي يحمل مداسه، وكان عنده في حالة غير مرضية، فقال: أهكذا خطك، قال: نعم، فقال: هذه طريقتي، مَنْ الذي وقفك عليها؟ فقال: يا مولانا، كنت إذا وقفت لأحد على قضية، أخذتها منه، وسألته المُهلَة حتى أكتب عليها سطرين، أو ثلاثة، فأمره أن يكتب بين يديه، فكتب:
وما تنفعُ الآدابُ والعلمُ والحجاوصاحبُها عندَ الكمالِ يموتُ
فكان إعجاب الصاحب بالاستشهاد أكثر من الخط.
رجعنا إلى إرادة الناظم بسطة اليد، أمَّا حُبّ المال وطلبه للإنفاق فلم يزل الشعراء يتداولون معناه، قال سيد الطائفة الإمام الشافعي ي ﵁:
يالَهفَ قَلْبِي عَلى مالٍ ٍأّجودُ بهعَلى المُقِلّينَ مِن أَهلِ المُروآتِ
إِنَّ اِعتِذاري إِلى مَن جاءَ يَسأَلُنيما لَيسَ عِنديَ مِن إِحدى المُصيباتِ
وقال الشافعي ﵁ أيضا:
أرَى نفسِي تتُوقُ إلى أمُورِيُقصِّرُ دونَ مَبلَغهُنَّ مالي
فلا نفسِي تطاوِعني ببخلٍولا مالي يُبلِّغُني فِعالي
ولعمري ما يطلب المال إلاّ للإنفاق، وبلوغ المقاصد، كما أن السيف للذبّ والردع، والمدية للقطّ والقطع، عن أبي ذرٍّ ﵁: إنما مالك لك، أو للحاجة، أو للوراثة، فلا تكن أعجز الثلاثة، قال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يكسب المال ليكفّ به وجهه [ أ]، ويؤدي بها أمانته، ويصل بها رحمه، ولله درّ القائل:
وَلا يَجمَعُ الأَموالَ إِلّا لِبَذلِهاكَما لا يُساقُ الهَديُ إِلّا إِلى النَحرِ
وقد بالغ أبو الطيب في قوله:
وَكُلَّما لَقِيَ الدينارُ صاحِبَهُفي مُلكِهِ اِفتَرَقا مِن قَبلِ يَصطَحِبا
مالٌ كَأَنَّ غُرابَ البَينِ يَرقُبُهُفَكُلَّما قيلَ هَذا مُجتَدٍ نَعَبا
هذا البيت الأول من معاني أبي الطيب، التي يناقض أولها آخرها، لأنه قرر أولاًً أن الدينار يلقى صاحبه، ثم قال يفترقان، قبل اصطحابهما، وهذا تناقض.
قلت: ليس كما زعم الشارح من التناقض؛ لأن الصحبة أخص من اللقاء، فليس كل مَن لقيته صحبته، فكأنه يقول: إذا أتاه الدينار لا يمكث عنده، بل يخرج عن قريب، كقول الأول:
رَكِبَ الأَخطارَ في زَورَتِهِثُمَّ ما سَلَّمَ حَتّى وَدَّعا
ولله در أبي الحسن الجزار حيث يقول:
إذا كان لي مال على ما أصونه؟وما ساد في الدنيا من البخل دينه
ومن كان يوماً ذا يسار فإنهخليق لعمري أن تجود يمينه
واعلم أن المال تارة يطلب لذاته، وهذا مذموم، نطقالقرآن الكريم بذمه، والتوعّد عليه، فمن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، وأي أرب في جمع المال، وعدم إنفاقه، وأي فرق بين ما يكون في الصندوق ذهبا وجوهرا، وبين أن يكون حجارة.
قال أبو الطيب:
لِمَن تَطلُبُ الدُنيا إِذا لَم تُرِد بِهاسُرورَ مُحِبٍّ أَو إِساءَةَ مُجرِمِ
انظر رحمك الله إلى قول النبي ﷺ لحارثة ما قال، وهو أنّ حارثة قال: يا نبي الله أصبحت مؤمنا حقا، فقال ﵇: يا حارثة: إن لكل حقٍّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك، قال: يا رسول الله عرّيت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها، [ أ] وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وإلى أهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يعذبون، فقال ﵇: يا حارثة عرفت فالزم، سماه عارفا بسبب عرفان ما تقدم، ولو بسطنا القول على هذا الحديث لطال، ولخرجنا عن المقصود، والشارح لم يتعرض لهذا الحديث البتة.
وقال الشارح: وقول الطغرائي في هذا البيت وما بعده يشبه قول أبي الطيب:
وَأَتعَبُ خَلقِ اللَهِ مَن زادَ هَمُّهُوَقَصَّرَ عَمّا تَشتَهي النَفسُ وُجدُهُ
فَلا مَجدَ في الدُنيا لِمَن قَلَّ مالُهُوَلا مالَ في الدُنيا لِمَن قَلَّ مَجدُهُ
وَفي الناسِ مَن يَرضى بِمَيسورِ عَيشِهِوَمَركوبُهُ رِجلاهُ وَالثَوبُ جِلدُهُ
وَلَكِنَّ قَلباً بَينَ جَنبَيَّ مالَهُمَدىً يَنتَهي بي في مُرادٍ أَحُدُّهُ
والدنيا كل أمورها غريبة، وكلها عجائب، وعلى الصحيح ما فيها عجيبة، هذا الطغرائي منشد السلطان محمد كما تقدم، وصاحب الطغراء، له يد في الكيمياء، وحل رموزها، ومع هذا يقول: أريد بسطة كف أستعين بها، ولكن الزمان حرب الفضل، وسلم الجهل، والظاهر من أثره أنه كان يعرف الكيمياء علما لا عملا، ولكن الأيام ما ساعدته إلى التمكن من عملها حتى يبرزها من القول إلى الفعل، لأنه قال:
ومن عجب الأشياء أني واقفٌعلى الكنز من يظفر به فهو مبخوت
وأن كنوز الأرض شرقاً ومغرباًمفاتحها عندي ويعجزني القوت
ولولا ملوك الجور في الأرض أصبحتوحصباؤها درٌّ لدي وياقوت
/
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع