من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
نَاءٍ عن الأهلِ صِفْرُ الكفِّ منفردٌ ... كالسيفِ عُرِّيَ متناهُ من الخَللِ
/ اللغة: نأى ينأى فهو ناءٍ إذا بَعُد، الأهل: أهل الرجل، وهو اسم جمع، لا واحد [ ب] له من لفظه، الصفر: الحال، يقال: رجل صفر اليدين، أي لا شيء فيهما، والصفاريت الفقراء، الواحد صفريت، وفي الحديث: إذا اصفر البيوت من الخير، البيت الصفر من كتاب الله تعالى، إذا كان هذا الخبر مرفوعا فمعناه البيت الذي ليس فيه مَنْ يقرأ كتاب الله، أمّا لو كان في البيت مُصحفا مُعلَّقا عنده، ولا يقرأ فيه فهو أيضا صفر؛ لأنه روي أنه مَنْ نزّل مصحفا معلَّقا عنده، ولم يقرأ فيه جاء يوم القيامة آخذا ببعض بدنه، قائلاً ربّ عبدك هذا اتّخذني مهجورا، الكف: معروف، وفي الإنسان عشرة أعضاء أولها كاف، وهي: الكف، والكوع، والكرسوع، والكتف، والكاهل، والكبد، والكلية، والكمرة، والكعب.
يُحكى أنّ بعض أشياخ اللغة طُلب منه عدَّها، فعدَّها تسعة أعضاء، خلا الكمرة، فإنه ذهل عنها، فلمَّا قام إلى بيت الخلاء ذكرها، وكان قد ذكر بدلها الكرش، فقيل له: ليس للإنسان كرش، إنما هي الأعفاج.
ويقال: ابن خالويه وضع أسئلة سماها الأنطاكية، اشتملت على ثلاثمائة عضو من أعضاء الإنسان، أول كل كلمة منها كاف، وقوله: كالسيف عُرِّي: أي جُرِّد، والمتن هنا جانبا السيف، الخلل: جمع، واحده خلة، بالخاء المعجمة، والخلل: بطائن كان يُغَشَّى بهما بطائن السيوف؛ منقشة بالذهب وغيره.
الإعراب: ناءٍ: اسم فاعل من نأى، مرفوع على أنه خبر، ولم يظهر الرفع فيه؛ لأنه منقوص، مثل قاضٍ، فلا يظهر فيه إلاّ النصب، تقول: رأيت نائياً، فإن قلت: هلاّ رفعته على أنه مبتدأ، فالجواب أنَّ اسم الفاعل لا يكون مبتدأ حتى يعتمد على الاستفهام [ أ] أو النفي، أو معنى النفي، قال الشاعر:
أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعناإنْ يظعنوا فعجيب عيش مَنْ قطنا
وقال آخر:
خليلي ما وافٍ بعهدي أنتما إذا لم تكونا لي على مَن أقاطعُ
ألا ترى أنّ قاطنا لمَّا اعتمد على استفهام كان مبتدأ، وأنّ وافيا لمَّا اعتمد على النفي، جاز الابتداء به قولهم معنى النفي؛ ليدخل فيه قول الشاعر:
غيرُ مأسوفٍ على زمنٍينقضِي بالهَمِّ والحَزَنِ
قوله: عن الأهل، عن هاهنا للمجاوزة، والجار والمجرور في موضع النصب باسم الفاعل، صفر الكف منفرد: خبران أيضا مثل ناء، فهي ثلاثة أخبار لمبتدأ واحد، والصحيح جواز تعدد الأخبار، ثم هي على ثلاثة أقسام، لا نطيل بذكرها، إلاّ أنّ هذه الإخبارات الثلاثة تعددت في اللفظ، والمعنى دون الابتداء؛ لأنه واحد متصف بهذه الصفات، فيجوز فيما كان بهذه المثابة أنْ ترد الأخبار فيه معطوفة، وغير معطوفة، كقوله تعالى: [وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ]، قوله: كالسيف، الكاف هنا اسم بمعنى مثل، ويجوز في موضعها النصب على الحال، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، تقديره منفرد انفرادا مثل انفراد السيف، أو الرفع إن قُدِّرت فأنا منفرد مثل السيف، عُرِّي متناه: ومتناه مفعول ما لم يسم فاعله، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، وحذفت نون التثنية لإضافته إلى الضمير، والموجب لحذف الفاعل أمور، لا نطيل بذكرها، وقوله: من الخلل متعلق بعُرِّي، مِنْ هنا لبيان الجنس، وجملة عُرِّي وما بعدها في موضع الجر على الصفة للسيف، ومن الخلل متعلق بعُرِّي.
المعنى: هذا البيت متعلق بما قبله، كأنه يقول لأي شيء أُقيم ببغداد [ ب] وليس لي بها سكن، ولا ناقة، ولا جمل، وأنا ناء عن الأهل فقير، لا أملك شيئا من المال في كفي، منفرد عن الناس كالسيف الذي جُرِّد عن حليته، إذ المقصود وقت الحاجة هو نفسه دون الحمائل والأجفان، وأمَّا الحمائل والأجفان فلا اعتبار بها، وما الحلى إلاّ حلية لنقيصته، وما أحسن ما كشف أبو العلاء المعري عن هذا المعنى بقوله:
وإنْ كان في لُبسِ الفتى شرَفٌ لهفما السّيفُ إلاّ غِمْدُه والحمائل
وقال النمر بن تولب:
فإن تك أثوابي تَمزقن عن فتى فاني كنصل السيف خلق الغمد
وقال لبيد بن ربيعة:
فَأَصبَحتُ مِثلَ السَيفِ أخلَقَ جَفنَهُتَقادُمُ عَهدَ القَينِ وَالنَصلُ قاطِعُ
فلهذا قال الناظم ما قاله بمعنى أنني ببغداد، بهذه الحالة من الفقر، واجتناب الناس؛ لخلو ذات يدي، وأنا من الفضل والعلم والأدوات بمحل أسنى، ومع ذلك لا يعبأ بي، ولا ينظر إلى ذاتي من حيث هي كالسيف المُعرَّى من الحلية، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إذ هما ذات، والمال عرض زائل عنها، قال الشاعر:
تَسلََّّ عن كلّ شيء بالحياة فقديهون عند بقاء الجوهر العرَضُ
وقال المعري في المعنى:
وأنتَ السيْفُ إنْ تَعْدَمْ حُلِيّاًفلم يُعْدَمْ فِرنْدُكَ والغِرارُ
وليس يَزيدُ في جَرْي المَذاكيركابٌ فوقَه ذَهَبٌ مُمَارُ
/ورُبّ مُطَوَّقٍ بالتّبِر يكْبُوبفارسِه وللرَّهَج اعْتِبارُ ... [ أ]
وزَنْدٍ عاطِلٍ يَحْظى بمَدْحٍويُحْرَمُه الذي فيه السّوارُ
وقول الناظم ما قال مأخوذ من قول مسلم بن الوليد:
وَبايَنتُ حَتّى صِرتُ لِلبينِ راكِباًقَرى العَزمِ فَرداً مِثلَ ما اِنفَرَدَ النَصلُ
ولابن سناء الملك يرثي جماعة من أبيات:
تلك قبورٌ بُنيت بهدميلم تُبْنَ إِلاَّ بدَمِي ولَحْمِي
مَناظرٌ كما رأَيتَ تُعْمِيوعِشْتُ مِنْ بَعدِهم بِرَغْمي
كالسيفِ في الوحدةِ لا كالسَّهم في فقرِ صُوفِيٍّ وذُلَّ ذِمي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع