من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
لعلَّ إِلمامةً بالجِزعِ ثانيةً ... يدِبُّ منها نسيمُ البُرْءِ في عللي
اللغة: لعل: كلمة ترج، وفيها عشر لغات، الإلمام: النزول، وقد ألمّ به أي نزل [ أ] به وفي الحديث: إنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا، أو ينم، أي يقرب من ذلك، الجزع: منعطف الوادي، دبّ على الأرض يدبّ دبيبا، وكل ماشٍ دابة، قال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
وبمهجتي رشأٌ يميس قوامهفكأنّه نشوانُ من شفتيه
شغف العذار بخدّه ورآه قدنعست لواحظه فدبّ عليه
وقال الشارح:
عذارُك والطرفُ يا قاتلييحاكيهما الآسُ والنَّرجِسُ
وقد صارَ بينهما نسبةُفهذا يدبُّ وذا ينعسُ
والنسيم: الريح الطيبة، وفي الحديث: بعثت في نسم الساعة، أي حين ابتدأت وأقبلت، برئت من المرض برأً، والعلل: جمع علة، وهي المرض.
الإعراب: لعل: من أخوات إنّ، وهي تنصب الاسم وترفع الخبر، إلمامة: اسمها، وثانية: صفة لها، ويدب: في موضع رفع على الخبر، منها: جار ومجرور، ومِن هنا
لابتداء الغاية، وهي في موضع النصب على أنه مفعول لآجله، كما في قوله تعالى: [أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ] نسيم: فاعل يدبّ، والبرء: مضاف إليه، في عللي: جار ومجرور، وفي ظرفية.
المعنى: أترجّى إلمامة مكان الحي من الجزع، يحصل لي بسببها دبيب نسيم البرء في عللي التي أكابدها من الأشواق، وليس الترجي مما يُنجِّي، لكنه من طباع النفوس، ولله در القائل:
لعلّ وما تُغني لعلّ وإنهاعلالةُ صبٍّ واستراحةُ هائم ِ
وقال الآخر:
أتمنى تلك الليالي المنيراتِ وجهدُ المحبِّ أن يتمنَّى
وقال جمال الدين أبو الدر ياقوت:
لله أيام تقضت بكمما كان أحلاها وأهناها
مرت فلم يبق لنا بعدهاشيء سوى أن نتمناها
ومثله قول الآخر:
أحبّتَنا لم يبقَ من طيبِ وصلِكم على البعدِ إلاّ أننا نتمناه
وقول الطغرائي في غاية الحسن، وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
/ فَتَمَشَّت في مَفاصِلِهِمكَتَمَشّي البُرءِ في السَقَمِ ... [ ب]
وأخذه أبو نواس برمته من بعض الهذليين يصف قانصا يختل صيدا بسرعة مشي حيث يقول:
فَتمشّى لاَ يُحسُّ بِهكَتمشِّي النّارِ في الفحمِ
فإنّ بعض الروايات عن أبي نواس على هذا النص، وهو أصحّ عنه لأنها آخر ما استقرّ عليه الحال، وقول الطغرائي يشبه قول أبي الطيب:
وَرَبيعاً يُضاحِكُ الغَيثُ فيهِزَهَرَ الشُكرِ مِن رِياضِ المَعالي
نَفَحَتنا مِنهُ الصَبا بِنَسيمٍرَدَّ روحاً في مَيِّتِ الآمالِ
وأمَّا الاسترواح بأنفاس الديار، وتلقي النسمات من أرض الحبيب فقد أكثرالشعراء في ذلك، وطلبوا الحياة والشفاء بالقرب من أماكن المعشوق، قال ابن الفارض:
يا ساكِني البَطحاءِ هَل مِن عَودَةٍأَحيا بِها يا ساكِني البَطحَاءِ
وَإِذا أَذى ألَمٍ ألَمَّ بمُهجَتِيفَشَذى أُعَيشَابِ الحِجازِ دَوائي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع