تجاوز إلى المحتوى

من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

فسِرْ بنا في ذِمامِ الليلِ مُعْتَسِفَاً ... فنفحةُ الطِيب تَهدِينَا إِلى الحِلَلِ

اللغة: الذمام: الحرمة، والاعتساف: افتعال من العسف، وهو الأخذ بغير دليل، نفحة الطيب: رائحة نفح الطيب، تهدينا: ترشدنا، الحلل: جمع حلة [وهي بيوت القوم].

الإعراب: الفاء للتعقيب، أي عقب كلامه بأن قال: فسر، أمره بالسير، معتسفا: اسم فاعل، وهو منصوب على الحال، وصاحبها الضمير المقدر في سر، وهوأنت، [ ب] والعامل فيها سر، فإن قيل: لأي شيء لم يقل معتسفين لأنهم جماعة، أو مُعتسفَيْن لأنهما اثنان قد شملهما السير، فالجواب أنه أراد أن يقول لصاحبه: تقدم أنت وسِر بنا إماما، واعتسف الأرض، ودعني مشغولا بما أنا فيه من الفكر، وحديث النفس، ولا تخف؛ فنفحة الطيب التي تتضوع من أهل الحي تهديك وتدلك على الطريق إليهم، فنفحة الطيب: الفاء هنا سببية، ونفحة مرفوع على الابتداء، والطيب مجرور بالإضافة، تهدينا: فعل مضارع من هدى يهدي، فهو ثلاثي مفتوح الأول، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء؛ لأنه معتل، لا يظهر فيه الإعراب، إلى الحلل: محله النصب، لتعلقه بتهدينا.

المعنى: فسر بنا في ذمام الليل فإنه يسترنا، واعتسف السير، ولا تركب طريقا، ولا تخش الضلال عن طريق الحي، فإن له نفحة طيب من أهله ترشدك إلى الحلة التي هم بها نزول، وهذا معنى لطيف، وتركيب دقيق، وقد جرت علدة الشعراء [بأن يذكروا] أن مواطن الحبيب وأماكنه تتضوع بأنواع الطيب، وتأرج النسمات بنفحاته العطرية، قال محمد بن عبد الله النميري في زينب أخت الحجاج بن يوسف الثقفي:

تَضوَّعَ مِسكاً بَطنُ نُعمانَ إِن مَشَتبِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطراتِ
للشاعر النميري، اقرأ القصيدة
لَهُ أَرَجٌ مِن مَجمَرِ الهِندِ ساطِعٌتَطلَّعُ رَيَّاهُ مِنَ الكَفراتِ
للشاعر النميري، اقرأ القصيدة

ولمَّا بلغ الحجاج أن النمري تغزل بأخته تهدده، وقال: لولا أن يقول قائل لقطعت لسانه، فهرب إلى اليمن، ثم أنه استجار بعبد الملك بن مروان فأجاره

فكتب له الحجاج فأمَّنه /

واستنشده حتى بلغ قوله: وَلَما رَأَت رَكبَ النَميريِّ أَعرَضَت، قال له: وما كان [ أ] ركبك؟ قال: أربعة أحمرة، كنت أجلب عليها القطران، وثلاثة أحمرة لصحبي تحمل البعر، فضحك الحجاج، وخلّى سبيله.

قال الشارح: وذكرت بقول الطغرائي قول أبي العلاء المعري:

المُوقِدُونَ بنجْدٍ نارَ باديَةٍلا يَحضُرونَ وفَقْدُ العِزّ في الحَضَرِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»
إذا هَمَى القَطْرُ شَبَتْها عَبيدُهمُتحتَ الغَمائم للسّارين بالقُطُرِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

القطر هنا: العود، ومعناه أنّ هؤلاء الممدوحين يوقدون النار في الليل ليهتدي الضيف بها إليهم، فإذا كان الغمام، ونزل القطر، وأطفأ النار، أمروا عبيدهم أن يوقدوها بالطيب؛ ليشم الساري الرائحة؛ ليهتدي إليهم، وهذا معنىً غريب، وقول الطغرائي قول التهامي:

يَترُكنَ حَيثُ حَلَلن وَهي لَطيمَةمِمّا نَثرنَ بِهِ العَبيرَ فَطاحا
للشاعر التهامي، من قصيدة «لو جادهن غداة رمن رواحا»
يَهدي ثَراهُ إِلى البِلادِ وَرُبَّماحَيَّت بِرَيّاهُ الرِياح رِياحا
للشاعر التهامي، من قصيدة «لو جادهن غداة رمن رواحا»

وقال الأرجاني:

بَلِّغاني منازلَ الحَيِّ أسألْها متى فارقَتْ دُماها الغِيدا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «قربا لي يا صاحبي بعيدا»
واستَدِلاّ على الحمى نَشْرَ مِسكٍمن مَجَرِّ الحسانِ فيه البرودا
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «قربا لي يا صاحبي بعيدا»

والأصل في هذا كله قول أبي الطيب:

ولو أنّ ركْباً يمّموكَ لقادَهمنسيمُك حتى يستدِلّ به الرّكْبُ

وقال الآخر:

إن جاء من يبغي لهم منزلاًفقل له يمشي ويستنشق

وقال مسلم بن الوليد:

أَرادوا لِيُخفوا قَبرَهُ عَن عَدُوِّهِفَطيبُ تُرابِ القَبرِ دَلَّ عَلى القَبرِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من شرح القصيدة بيتا بيتا

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.