من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
يحمونَ بالبِيض والسُّمْرِ اللدانِ به ... سودَ الغدائرِ حُمْرَ الحَلْي والحُلَلِ
اللغة: يحمون: يمنعون، البيض: جمع أبيض، وهو السيف، السمر: جمع أسمر، وهو الرمح، اللدان: جمع لدن، وهو اللين، الغدائر: ضفائر الشعر، واحدتها غديرة، الحلي: ما تتحلّى به المرأة، والحلل: جمع حلة، إزار ورداء، ولا يُسمى حلّة حتى يكون ثوبين.
الإعراب: يحمون: فعل مضارع من حمى يحمي، الواو: ضمير الفاعلين، والنون: علامة الرفع، بالبيض: الباء فيه للاستعانة، والسمر: الواو هنا عطفت اسما على اسم، والسمر معطوف على المجرور، اللدان: صفة للسمر، والضمير في به يعود إلى الحي، والباء هنا ظرفية بمعنى في، والمعنى يحمون في الحي سود الغدائر، الغدائر: مجرور بالإضافة، وهو منصوب على أنه مفعول به ليحمون، حمر الحلي: صفة لسود، بل صفة ثانية للمحذوف المقدّر، وهو المفعول حقيقة، والحلي: مضاف إليه، وإن شئت جعلته بدل كل من كل، أعني حمر الحلي بدل كل من سود الغدائر، والحلل معطوف على الحلي.
المعنى: هؤلاء الرماة الذين هم من بني ثعل يحمون بالبيض التي هي السيوف، والسمر اللينة، التي هي الرماح أبكارا سود الضفائر، حمر الحلي والبرود، يعني أنّ حليهن من الذهب الأحمر، ولباسهن من الحرير الأحمر.
قال أبو الطيب:
مَنِ الجَآذِرُ في زِيِّ الأَعاريبِحُمرَ الحُلى وَالمَطايا وَالجَلابيبِ
وقال أيضا:
بِكُلِّ فَلاةٍ تُنكِرُ الإِنسَ أَرضُهاظَعائِنُ حُمرُ الحَليِ حُمرُ الأَيانِقِ
ومن قول الطغرائي أخذ ابن الساعاتي [قوله]:
من الظباء اللواتي لا ذمامَ لهامن أين يعرفنَ رَعْيَ العهدِ والذمَمِ
بيض الترائب سمر اللحظِ يحجبهاسودُ الذوائب حُمرُ الحلي والنعمِ
ولا شكّ أن اللباس الأحمر يزيد الحسن رونقا، ويفيده روحنة، ويكسبه رونقا آخر [ ب] قال أبو حجيفة وهب بن عبد الله السوائي: ما رأيت ذا لمّة سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ، وأما قول الشاعر:
هِجَانٌ عليها حُمْرَةٌ في بياضِهاتَرُوقُ بهِ العينينِ والحُسْنُ أحمَرُ
فإنه عنى به الحسن في حمرة اللون مع البياض دون غيره من الألوان، قال الحريري في درة الغواص: أمَّأ قولهم الحسن أحمر، فإنّ معناه أنّه [لا يُكتسب] ما فيه الجمال إلاّ بتحمُّل مشقة يحمارُّ منها الوجه، كما قالوا للسنة المجدبة حمراء، وكنّوا عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر، انتهى.
قال الشارح: ويحتمل أن يكون المراد بقولهم الموت الأحمر أنه القتل الذي فيه سفك الدم، قلت: وهذا في غاية البعد، بل كلامهم أعمّ من ذلك، فقد قالوا: الفقر هو الموت الأحمر، والسبب فيه قوله ﵇: كاد الفقر أن يكون كُفرا، ومن قول الطغرائي قول أبي الطيب:
دِيارُ اللَواتي دارُهُنَّ عَزيزَةٌبِسمر القَنا يُحمينَ لا بِالتَمائِمِ
وقول أبي إسحاق الغزي:
وبوركَ في خيامِ قبيلِ سلمى وفي تلكَ المضاربِ والحِجالِ
فما أوتادُهُنّ سوى المواضي ولا أطنابَهُنّ سوى العوالي
وقال الأرجاني:
وقِفا لصائدةِ الرّجال بدَلّهاوخفا جِنايةَ عينها الحوراء
وتَحدَّثا سِرّاً فحولَ قبابهاسُمرُ الرّماحِ يَمِلنَ للإصغاء
وقال السراج الوراق:
من البيضِ تمشي البيضُ حولَ خِبائِها شبيهةُ نومي ليسَ يأوي إلى جَفنِي
غزالةُ أُنْسٍ والرِّماحُ كِناسُها ومن حولِهِ قومٌ يُخالون كالجنِّ
لهم غيرة قد ساء بالطَّيفِ ظنُّها فضنُّوا عليها بالكرى خِيفَة الظَّنِ
ولله درّ المجنون إذ يقول:
وحقكم لا زرتكم/ في دجنةمن الليل تخفيني كأني سارق ... [ أ]
ولا زرت إلاّ والسيوف هواتِفٌإليَّ وأطراف الرماح لواحق
وبيت الطغرائي فيه من البديع التدبيج، وهو تفعيل من الدَّبج، وهو النقش والتزيين، وأصل الديباج فارسي معرب، والتدبيج في البديع في مدح، أو ذمٍّ، أو وصف، ألفاظ تدل على ألوان مختلفة، كقول ابن حيّوس:
إِن تُرِد عِلمَ حالِهِم عَن يَقينٍفَالقَهُمْ يوم نائلٍ أو نِزالِ
تَلقَ بيضَ الوجوه سودَ مُثارِ الـنَقعِ خُضرَ الأَكنافِ حُمرَ النِصالِ
وأخذه ابن النبيه فقصّر عنه في قوله:
لَهُ بَنانٌ طافِحٌ بِالنَّدَىفَهُنَّ إِمَّا دِيَمٌ أَوْ بِحارْ
بِيْضُ الأيادِي خُضْرُ رَوْضِ الرِّضىحُمرُ المَواضِي فِي العَجاجِ المُثارْ
والطغرائي ذكر في بيته البيض والسمر والسود والحمر، وما أحسن قول القائل:
الغصنُ فوقَ الماء تحت شقائقٍمثلُ الأسنة خُضِّبَتْ بدماءِ
كالصَّعْدةِ السمراءِ تحتَ الراية الـحمراء فوقَ الَّلأمة الخضراءِ
الحديث المدبَّج عند علماء الحديث هو الذي يروي فيه الأقران بعضهم عن بعض، وهو متقاربون في السن والإسناد، وربما اكتفى الحاكم أبو عبد الله فيه بالتقارب في الإسناد إنْ لم يوجد التقارب في السن، وهو مراتب، ذكرها أهل الحديث، فلا نطيل بذكرها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع