من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
فالحِبُّ حيثُ العِدَى والأُسدُ رابضَةٌ ... حَولَ الكِناسِ لها غابٌ مِنَ الأَسَلِ
اللغة: الحِب بالكسر: الحبيب، يقال للمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وبالضم المحبة [ ب] العِدى بكسر العين: الأعداء، وهو جمع لا نظير له، قال ابن السكّيت: لم يأت فعل من النعوت إلاّ حرف واحد، يقال: هؤلاء قوم عِدىً، وأنشد:
إذا كنت في قوم عدي لست منهمفكل ما عُلِفتَ من خبيث وطيّبِ
ويقال: قوم عِدى وعُدى بالضم والكسر، مثل سِوى وسُوى، الأُسد: جمع أسد، ويجمع على أُسْدٍ وأُسود، وأُسْد وآساد، رابضة: باركة، كما تبرك الإبل، حول: يقال: قعد حوله وحواليه، الكناس: موضع الظبي، الغاب: مكان الأسد، الأسل: هنا الرماح.
الإعراب: فالحب: مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره مستقر، حيث: ظرف مكان مبني على الضم، وهو في موضع النصب، والعامل فيه مستقر، وقد سدّ مسد الخبر، العدى: مبتدأ، والأسد معطوف عليه، من عطف النسق، رابضة: خبر عن المبتدأ المعطوف، حول: منصوب على الظرفية، لها: جار ومجرور، وهو خبر مقدم، لأن المبتدأ نكرة، وهوغاب، وقوله: لها غاب من الأسل في موضع رفع صفة للأسد.
المعنى: حبيبي مكانه حيث الأعادي، والأسود رابضة حول كناسه، وللأسود غاب من الرماح.
قال الشارح: ولو كان لي في البيت حكم لقلت: فالحب حيث العِدى كالأسد رابضة؛ لأنه ينتهي إلى أن يقول: حول الكناس لها غاب من الأسل، والأسل هي الرماح التي أراها في البيت، والرماح مما يختص بالأناسي، لا بالأسود، وأيضا الأسود فما من شأنها الإلف بالناس؛ لتكون حولهم، قال: فإن قلت أراد بالأسود العِدى؛ وذلك لأنهم في الناس كالأسد، فأطلق ذلك عليهم مجازا، فالجواب لايتأتى له ذلك، وهو قد عطف الأسد على العِدى، والعطف يدل على المغايرة، ووصف المحبوب بأن الأعادي محيطون به، وحولهم [ أ] الأسل أبلغ في المنع والتحصن من الأسد، لأن الإنسان أبلغ في الحرص والاحتراز من الأسد لأنه ذو عقل وتفكر، وإنما الأسد بطشه شديد، وعلى الجملة فإن الطغرائي وصف محبوبه بأته مصون محجب، لا سبيل إلى الوصول إليه والحالة هذه، كما قال [ابن] الخياط الدمشقي:
وَمُحْتَجِبٍ بَيْنَ الأَسِنَّةِ مُعْرِضٍوَفِي الْقَلْبِ مِنْ إِعْراضِهِ مِثْلُ حُجْبِهِ
وقال ابن القيسرلني:
وفوق مُرادي من مراد عقائلٍتبيت المذاكي القب سجف قبابها
وما أحسن قول ابن خفاجة:
لَقَد جُبتُ دونَ الحَيِّ كُلَّ تَنوفَةٍيَحومُ بِها نَسرُ السَماءِ عَلى وَكرِ
وَخُضتُ ظَلامَ اللَيلِ يَسوَدُّ فَحمُهُوَدُستُ عَرينَ اللَيثِ يَنظُرُ عَن جَمرِ
وَجِئتُ دِيارَ الحَيِّ وَاللَيلُ مُطرَفٌمُنَمنَمُ ثَوبِ الأُفقِ بِالأَنجُمِ الزُهرِ
أَشيمُ بِها بَرقَ الحَديدِ وَرُبَّماعَثَرتُ بِأَطرافِ الثقَّفَةِ ِ السُمرِ
فَلَم أَلقَ إِلّا صَعدَةً فَوقَ لامَةٍفَقُلتُ قَضيبٌ قَد أَطَلَّ عَلى نَهرِ
وَلا شِمتُ إِلّا غُرَّةً فَوقَ أَشُقرفَقُلتُ حَبابٌ يَستَديرُ عَلى خَمرِ
فَسِرتُ وَقَلبُ البَرقِ يَخفُقُ غَيرَةًهُناكَ وَعَينُ النَجمِ تَنظُرُ عَن شَزرِ
وقال:
وَلَيلٍ طَرَقتُ المالِكِيَّةَ تَحتَهُأَجَدَّ عَلى حُكمِ الشَبابِ مَزارا
فَخالَطتُ أَطرافَ الأَسِنَّةِ أَنجُماًوَدُستُ لِهالاتِ البُدورِ دِيارا
واعلم أنّ بيت الطغرائي ذكر فيه أنّ الرقيب ملازم لمحبوبه، ولا شك أنّ ملازمته الرقيب أمر يضني، ومرض يفري الحشا ويفني، والمحبون ابتلوا به قديما، ورعوا به روض المحبة هشيما، وأرى أن الرقيب هو المبتلى، وصاحب السهر والتعب، على أنه ما عشق ولا سلا، وذلك لأن العاشق يجد في الغرام لذة عليه عائدة، والرقيب ضاع زمانه [ ب] وذاب فؤاده بلا فائدة، ولهذا قال ابن رشيق:
تأَذَّى بِلَحْظي مَنْ أُحِبُّ وَقالَ ليأَخافُ منَ الْجُلاَّسِ أَنْ يَفْطِنوا بِنا
وَقالَ إِذا كَرَّرْتَ لَحْظَكَ دُونَهُمْإِليَّ فَما يَخْفى دَليلُ مُريبِنا
فَقُلْتُ بُلِينا بالرَّقيبِ فَقال مابُلِينا وَلكِنَّ الرَّقيبَ بُلي بِنا
وما ألطف قول ابن المعتز:
وا بَلائي مِن مَحضَري وَمَغيبيمن َحَبيبٍ مِنّي بَعيدٌ قَريبُ
لَم تَرِد ماءَ وَجهِهِ العَينُ إِلّاشَرِقَت قَبلَ رَيَّها بِرَقيبِ
وبالغ القائل في ملازمة الرقيب:
أنا والحب ما خلونا ولا طرفةُعينٍ إلا علينا رقيبُ
ما اجتمعنا بحيثُ إنْ لم يكن لدهـرِ بأني اقول انتَ الحبيب
بل خلونا بقدر ما قلت أنت الح فوافى فقلت كيم الطبيب
قال الشارح: وما ترك هذا الشاعر غاية لمن بعده في الظرف، وتذكرت من هذه المادة ما ذكره الحريري في درة الغواص قال: حكى لي أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمداني حين قدم البصرة حاجا في سنة أربع وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم بن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة، فقال: ما الذي بك؟ قال له الصاحب قه، فقال له النديم وه، فاستحسن الصاحب ذلك، وخلع عليه.
قيل إنّ بعض الظرفاء سمع امرأة حسناء وقد أتت إلى جانب نهر تقول: يا جارية أين أضع رجلي، فقال: على كتفي، فقالت له، بخفي، فقال لها: رقبة زوجك، فقالت له: [من أين]
خرجت: فقال لها: من بيتك، فقالت له: مصفوع، فقال لها: على تهمة بك، فقالت له: وأنت بريء، فانقطع. قال الطغرائي ﵀:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع