تجاوز إلى المحتوى

من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)

وهذا يوم عُبيد الله بن زياد بن أبيه

وذلك أنه لما مات يزيد بن معاوية، خرجت بنو تميم حين بلغهم أن عبيد الله بن زياد ترك دار

الإمارة، وبايعوا لعبد الله بن الحارث الهاشمي، حتى أدخلوه الدار فأمروه عن غير مشورة من اليمن

وربيعة، فقال شاعر منهم:

نَزَعنا وأمَّرنا وبكرُ بنُ وائِلٍتجُرُّ خُصَاها تبتغي مَن تُحالِفُ
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
فما بات بكريٌّ منَ الدهرِ ليلةٌفيُصبحَ إلا وهو للذلِّ عارِفُ

وقال الفرزدق:

وبايعتُ أقواماً وفَيتُ بعَهدِهِمِوبَبَّةُ قد بايَعتُهُ غيرَ نادِمِ

ببة هو عبد الله بن الحارث، وإنما سمي ببة لأن أمه كانت ترقّصه فتقول:

لأُنكِحَنَّ بَبَّهجارِيَةً كالقُبَّهْ

ويروى جارية في قبه، ويروى جارية حدلُكّهْ

مُكرَمَةً مُحَبَّهْتَجُبُّ أهلَ الكَعبةْ

تجب تفضل. فلما بلغ ذلك اليمن قالوا: لا نرضى أن يؤمر علينا أمير من غير مشورة منا ولا

رضاً، فركب مسعود بن عمرو العتكي، وكان يقال له قمر العراق، في اليمن وربيعة قد رأسوه عليهم،

حتى دخل المسجد الجامع، وعبد الله بن الحارث في الدار، وغفل الناس عن الحرورية فأتوا بالسلاح،

فخرجوا من السجن، فدخلوا المسجد، لا يلقون أحداً إلا قتلوه. فقتلوا مسعوداً في المسجد، وقتلو معه

اثني عشر رجلاً من قومه، ثم طمّوا - طموا ذهبوا - إلى الأهواز من وجههم، فأقبل ناس من بني

منقر، فاجترّوا مسعوداً إلى دورهم فمثّلوا به. فسارت اليمن وربيعة حتى ملأت سكة المربد، فذكر

إسحاق بن سويد العدوى قال: إني لواقف على باب دارنا، إذ مرت بنا كبكبة، فقلت من هذا؟ فقالوا:

مالك بن مسمع. ثم مكثت غير طويل فإذا كبكبة أخرى قد ملأت سكة المربد، فقلت من هذا: فقالوا:

القمر. قلت: ومن القمر؟ قالوا: مسعود. فأتت بنو سعد الأحنف فسألوه أن ينهض، فأبى. فقالوا: أنت

سيدنا. فقال: لست بسيدكم، إنما سيدكم الشيطان. فقال سلمة بن ذؤيب الرياحي: يا معشر الفتيان، قد

سمعتم ما قال هذا المهتر. فانتدبوا مع رجل يقوم بهذا الأمر، فأنُتدب معه خمسمائة من بني تميم. فلما

كان في بعض الطريق، لقيه أربعمائة من الأساورة، عليهم ما فروردين، فساروا حتى انتهوا إلى أفواه

السكك، فوقفت الخيل، فقال لهم ما فروردين، بالفارسية (جوان مردان جبوذ كنشويذ) قالوا بالفارسية:

(نما هلند تاكارزار كنيم) قال: (دهادشان بنجكان - معناه ارموهم بخمس نشّابات كل رجل منكم -

فرموهم بألفي نُشّابة. قال: ودخلوا المسجد، ومسعود على المنبر يخطب. فانزلوه فضربوا عنقه، فأما

زهير بن هنيد فحدّث عن ناشب بن الحنشاش قال: أتينا الأحنف بن قيس فيمن ينظر في بني عامر

بن عبد الله، وقد اعتزل الفتنة، ونزل منزله، فأتته امرأة بمجمرة فقالت: مالك وللسؤدد، والرياسة،

إنما أنت امرأة فتجمّر، فقال: استُ المرأة أحقُّ بالمجمر وقال: لا أجيبهم إلى إعانة حتى أُوتى، فقيل

له: إن عبلة بنت ناجية - وقال آخرون بل عزّة الخزّ - قد انتُهبت وسُلبت حتى انتزع خلخالها من

رجلها - ودارها حيال مطهرة رحبة بني تميم - وقيل له قُتل الصباغ الذي على طريقك، وقُتل المقعد

الذي على باب المسجد الجامع، فقال: أقيموا بيّنة فشهد عنده بشر. فقال: أجاء عبّاد بن حصين؟ فقيل:

لا. وسأل ثانية وثالثة فقيل لا. فقال: أهاهنا عبس أخو كهمس الصريمي؟ قالوا: نعم. فدعاه ثم انتزع

معجراً في رأسه، فعقده في رمح، ثم دفعه إليه، وقال سر. فلما ولّى قال: اللهم لا تخزها، اللهم

انصرها، فإنك لم تخزها فيما مضى. فقصد نحو مسعود،

وصاح الشباب: هاجت زبراء، أي غضب

الأحنف، وزبراء اسم وليدته، فكنوا بها عنه من إجلاله. قال: وسمعت أبا الخنساء العنبري، قال:

سمعت الحسن يقول في مجلسه في المسجد: أقبل مسعود من هاهنا في أمثال الطير - وأشار بيده إلى

منازل الأزد - معلماً بقباء ديباج أصفر، معيّن بسواد، يأمر بالسنة وينهى عن الفتنة - فقال الحسن:

ألا إن من السُنّة أن يؤخذ ما فوق يديك - فأتوه وهو على المنبر فاستنزلوه علم الله فقتلوه. وذكروا أن

بنت مسعود لما بلغها مقتل أبيها يومئذ، ركبت دابة موكّفة وولّت وجهها نحو ذنبها، ونشرت شعرها،

وتجلببت مسحاً، منادية تقول: مسعود من نقتل بك! أحنف لا نعطى بك، قفيز لا نرضى بك - قفيز

كان قصيراً فسمي قفيزا، وقفيز عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عرض عليهم نفسه في

الصلح - حتى وقفت على مالك بن مسمع وهو عند دار العقار في سكة المربد، فقال لها ارجعي،

فقالت: لا، حتى أوتى برأس الأحنف. فأمر برأس رجل جميل، فأُتيت به فقالت: هذا رأس علج. فأمر

برأس رجل ضخم، فأُتيت به، فأزمت عليه بأنفه، وغمست طرفي كمّيها في دماء لغاديده، ثم

انصرفت لا تشك أنه الأحنف. فقال عرهم بن عبد الله بن قيس بن بلعدوية:

ومسعودَ بنَ عَمرِو إذا أتاناصَبَحْنَا حَدَّ مَطرُورٍ سَنينا
رَجا التأميرَ مسعودٌ فأضحَىصَريعاً قد أذَقنَاهُ المَنُونَا
سيُجمَعُ جَمعُنا لبني أبيناكما لَزُّوا القَرينَةَ والقَرينا
وتُغني الزُّطُّ عبدَ القيسِ عنّاوتكفينا الأسَاوِرَةُ المَزونا

الزط السيابجة، قوم من السند بالبصرة لهم قدم، وكانوا يحفظون بيت المال في الدهر الأول.

والمزون مدينة عمان. وقال:

جاءَتْ عُمانُ دَغَرَى لا صَفَّابَكرٌ وجمعُ الأزْدِ حين التَفَّا

قوله دغرى لا صفّا أي يحملون أنفسهم لا يصطفون ولا يقفون.

كيف رأيتَ جيشَها اقلَعَفّالما رأوا عِيصاً لنا ألَفّا

المقلعف المنقطع من أصله.

في حارةِ الموتِ يَدِفُّ دَفّاضَرباً بِكُلِّ صارمٍ مُصَفّى
إنْ أخطَأ الرأسَ أصابَ الكَفّاولّواخزايا قد أُقِصّوا الحَتفَا
وأُمُّ مسعودٍ تُنادي لَهفَاقد ذَأفَ الموتُ عليه ذَأفا

وسالَ شَحمُ البَطنِ منه هِفّا

والهِف الرقيق. قال: وكان الأحنف بعد الحرب أقام إياس بن قتادة ابن موألة العبشمي يوم المربد،

فحمل دماء الحيين. فجاءت بنو مقاعس فقالوا للأحنف: يكون الأمر لبني مقاعس، ويحمل الحمالة

رجل من عبشمس لا نرضى، فدعاه الأحنف فقال: تجاف لأخوالك عنها. فقال: سمع وطاعة، فجاءت

الأبناء وهم عبشمس، وعوف، وجشم، وعوافة، ومالك بنو سعد، فقالوا: لا نرضى أن تخرج حمالتنا

من أيدينا، وحددوا لبني مقاعس، وحددت لهم فخلاّها الأحنف. فقال إياس: فجهدت أن يقوم لي بها

أهل الحضر، فلم يفعلوا، ولم يُغنوا فيها شيئاً. فخرجت إلى البادية، فجعلوا يرمونني بالبكر وبالاثنين،

حتى اجتمع لي من حمالتي سواد صالح، وصرت بالرمل إلى رجل ذُكر لي، فلما دُفعت إليه، إذا

رجل أسيود، أفيحج، أعيسر، أكيشف، فلما انتسبت له، وذكرت له حمالتي، قال: قد بلغني شأنك،

فانزل فوالله ما قراني ولا بنى عليّ فلما كان من الغد، أقبلتْ إبله لوردها، فإذا الأرض مسودة، وإذا

هي لا ترد في يوم لكثرتها، وقد ملأ غلمانه حياضه، فجعل كلما ورد رسل من إبله، جاء يعدو حتى

ينظر في وجهي فيقول: أنت حويمل

بني سعد، ثم يخرج يرقص، فأقول: أخزى هذا وأخزى من دلني

عليه، حتى إذا رويت وضربت بعطن - يعني برك بأعطانها - قال أين حويمل بني سعد؟ قلت:

قريب منك. قال: هات حبالك، فما ترك لي حبلاً إلا ملأه بقرينين، ثم قال: حبالك؟ فجئنا بمرائر

محالبنا، وأرشية دلائنا، وأروية زواملنا، ثم قال حبالك؟ فحللنا عُصم قربنا وعُقل إبلنا وخُطمها فملأها

لنا ثم قال: حبالك؟ قلت: لا حبال فقال: قد عرفت في دقّة ساقيك أنه لا خير عندك. فقال سوّار بن

حيان المنقري:

ألمْ تكُن في قَتلِ مَسعودٍ عِبَرْجاءَ يريدُ إمرَةً فما أمَرْ
حتى ضَربنَا رأسَ مَسعودٍ فَخرْولم يُوَسَّدْ خَدُّهُ حيثُ انعَفَرْ
فأصبحَ العبدُ المَزونيُّ عَثرْحتى رأى الموتَ قريباً قد حَضرْ
يَطمُّهُم بحرُ تميمٍ إذْ زَخرْوقيسُ عيلانَ ببَحرٍ فانفَجرْ
مِن حولِهِم فادَرَوا أينَ المَفرْحتى عَلا السَّيلُ عليهم فغَمرْ

وودوا مسعود بن عمرو بعشر ديات، لأنهم مثّلوا به، وباؤوا بين القتلى - باؤوا سووا بين القتلى -

وتم الصلح، وأخرجوا عبيد الله بن زياد إلى الشام.

رجع إلى قصيدة جرير:

لنا ذَادَةٌ عندَ الحِفاظِ وقَادَةٌمَقادِيمُ لم يذهبُ شَعاعاً عَزِيمُهَا

الشعاع المتفرق، يقال شعّ الشيء تفرّق، وواحد المقاديم مقدام. وعزيمها رأيها وعزمها على الأمر.

ويقال أشع الرجل ببوله إشعاعا إذا فرّقه.

إذا رَكِبوا لم تَرهَبِ الرَّوعَ خَيلُهُمولكن تُلاقي البَأسَ أنّى نُسيمُهَا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

ويروى: إذا فزعوا لم تُعلف القتّ خيلنا يقول: لم ترهب الروع لكثرة غشيانها الحرب وعادتها،

نُسيمها نعلمها من السيماء.

إذا فَزِعوا لم تعَلِف القَتَّ خَيلُهُمولكنْ صُدورَ الأزأنِيِّ نَسُومُهَا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

ويروى وإن فزعوا، ويروى صدور الثائرين. نسومها نحملها على صدور القنا.

ويقال الأزاني واليزأني أيضاً، لم تُعلف القتّ يعني أنهم أهل بدو ويعلفون خيلهم الحشيش، لا أهل

قرى يعلفونها القت.

عَنِ المِنبَر الشرقيِ ذَادَتْ رِمَاحُناوعنَ حُرمَةِ الأركَانِ يُرمَى حَطيمُهَا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

المنبر الشرقي بالبصرة، وكان ابن الأعرابي يقول: هو منبر خراسان، وذلك أن البصرة غلب عليها

أيام الفتنة سلمة بن ذؤيب الرياحي، يوم قُتل مسعود بن عمرو العتكي. وغلب على الكوفة مطر بن

ناجية اليربوعي لابن الأشعث. وأُخرج منها عامل الحجاج. وغلب على المدينة لابن الزبير،

الأسودبن نعيم بن قعنب اليربوعي. وغلب على خراسان وكيع بن حسّان بن أبي سود الغداني ثم

اليربوعي. وقُتل قتيبة بن مسلم الباهلي بها. وأما منع الحطيم وذكره، فإن عبد الله بن الزبير -

﵄ لمّا حصره أهل الشام نادى من ينصر الله؟ من ينصر الكعبة، فأتاه الخوارج

والمرجئة والشيعة، وكل ذي رأي ينصرون

الكعبة، وكان عُظم الخوارج من تميم إذ ذاك، وكان بنو

الماحوز التميميون، الزبير وإخوته، رؤساء الخوارج، وكان معهم نجدة بن عامر الحنفي، فقاتلوا مع

ابن الزبير حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشام من مكة، ثم أتوا عبد الله بن الزبير

ليمتحنوه، فعرضوا عليه المحنة، فقال: تغدون عليّ، فجمع أصحابه وألبسهم السلاح، فلما أتوه سألوه

عن أبي بكر وعمر ﵄ فذكر ما هما أهله وتولاّهما، ثم سألوه عن عثمان - رضي

الله عنه - فقال كذلك، فتبرؤوا منه، ولعنوه، وجانبوه، وانصرفوا إلى مواطنهم.

رأى الموتَ مَّنا مَن يَرومُ قَنَاتَنافغيرُ ابنِ حَمرَاءِ العِجَانِ يَرُومُهَا

يرى رواية

أراد فليرمها كما قال عدي بن زيد:

وما قَصَّرتُ عن طَلبِ المَعاليفتَقصُرُ بي المِنيَّةُ أو تَطُولُ

معناه فلتقصر بي المنية أو فلتطل، فلما نقله عن الجزم رفعه. ويروى فعلّ ابن حمراء.

سَعَرنَا عليكَ الحربَ تَغلي قُدورُهَافهلاَّ غَداةَ الصِّمَّتَينِ تُدِيمُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

سعرنا أوقدنا، وتُديمها تسكنها، ومنه الماء الدائم يعني الساكن.

الصمتان معاوية بن مالك بن علقة بن غزية وأخوه

وكان الصمّة الجشمي أغار على بني حنظلة يوم عاقل، فأسره الجعد بن الشماخ أحد بني

صُدي بن مالك بن حنظلة يوم عاقل، فأسره الجعد بن الشماخ أحد بني صدي بن مالك بن حنظلة،

وهُزم جيشه، وأصيب فيهم، ثم إن الجعد منّ عليه، وجزّ ناصية بعد سنة، وكان الصمة قد أبطأ فداؤه،

وكان الجعد يأتيه كلّ هلال شهر بأفعى، فيحلف بما يُحلف به لئن هو لم يفد نفسه، ليُعضّنها إياه، فلما

طال ذلك جزّ ناصيته على الثواب. ثم أتاه مستثيباً، فقال له الصمة: مالك عندي ثواب، فقدمه فضرب

عنقه، فضرب عليه الدهر، ثم إن الصمة أتى عكاظ فلقي ثعلبة ابن الحارث بن حصبة بن أزنم بن

عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وهو أبو مرحب، وكان حرب بن أمية يدعو الناس، رجلين رجلين،

فيكرمهما، ويخص بذلك أهل الفضل. فجاءت دعوة الصمة وأبي مرحب، فكره الصمة ذلك لحداثة

أبي مرحب، فقرّب إليهما حرب تمراً، فجعل الصمة يأكل التمر، ويُلقي النوى بين يدي ثعلبة، فقال

الصمة لثعلبة: أبصر ما عندك من النوى، فقال له أبو مرحب: إنك أكلت ما أكلت بنواه، فذاك الذي

أعظم بطنك. فقال الصمة: لا، ولكن أعظم بطني دماء قومك، أين الجعد بن الشماخ؟ فقال أبو

مرحب: ما ذِكرك رجلاً أسرك ومنّ عليك، ثم جاء يستثيبك فغدرت به وقتلته، أما والله لا ألقاك بعد

يومي هذا إلا قتلتك، أو مُتّ دونك. فمكث الصمة زمانا، ثم غزا بني حنظلة، فأسره الحارث بن بيبة

المجاشعي، وهزم جيشه - ويقال بل هُزم جيشه - فأجاره الحارث بن بيبة من إساره ذلك، وكان

رجل من بني أسد يقال له ابن الذهوب مع ابن أخت له يقال له مرارة بن شداد، من بني عمرو ابن

يربوع فأسر ابن الذهوب معيّة بن الصمة، فأما الحارث بن بيبة فباع الصمة نفسه، وقال الصمة: سِر

بي في قومك حتى اشتري أُسراء

قومي، فسار به حتى أناخ به في بني يربوع، والحجرة يومئذ لبني

عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فأناخا إلى الحجرة، فدخلاها، فأقبل إليهما الناس، وأقبل إليه أبو

مرحب، فلما رأى الصمة عرفه، فخنس عنه، وأخذ سيفه ثم جاء، فضرب به بطن الصمة فأثقله. فلما

رأى ذلك الحارث خرج فدعا: يال مالك، فأقبل بنو مالك إلى بني يربوع. فلما خافوا القتال، قام رجل

من بني عرين بن ثعلبة، يقال له مصعب بن أبي الخير، فقال: يابني مالك، هذه يدي بجاركم، فهي

لكم وفاء. فقال راجز بني مالك:

نحن أبأنا مُصعباً بالصِّمَّهْكِلاهُما شيخٌ قليلُ اللِّمَّهْ

فقالت بنو يربوع: خذوا مُعية فأدّوه مكان أبيه. فكلّموا ابن الذهوب في معية فأبى عليهم. فأتوا ابن

أخته فكلّموه فأبى عليه. فقال: أغيروا عليّ وعليه، وخذوا معية ومالي، وعليّ رضاه. ففعلوا فأخذوا

معية، فأعطوه الحارث بن بيبة، وأعطى مرارة خاله سبعين بكرة وجارية بيضاء مولّدة، فذلك قول

جرير:

ومِنّا الذي أبلَى صُدَيَّ بنَ مالِكٍونَفَّرَ طيراً عن جُعَادَةَ وقُعَّاضا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقمنا وربتنا الديار ولا أرى»

رجع إلى الشعر:

تركناكَ لا تُوفي بِزندٍ أجَرتَهُكأنّكَ ذاتُ الوَدعِ أوفَى بَرِيمُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

الزند الذي تُقدح به النار. يقول: لا تمنع زندا فما فوقه كأنك امرأة

ضاع بريمها فليس عندها إلا البكاء، وبريمها حقابها.

وإنما قال ذات الودع لأن الودع من لباس الإماء، وإنما يريد أن أمك أمَة.

يُعَدُّ ابنُ حَمراءِ العِجَانِ لزِنيَةٍإذا عُدَّ مَولَى مَالِكِ وصَمِيمُها
لهُ أمُّ سَوء ساءَ ما قَدَّمتْ لهُإذا فارِطُ الأحسابِ عُدَّ قديمُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

ويروى إذا فرط الأحساب، وهو ما مضى منها وسبق، يعني أوائلها.

فقد أخذَتْ عيناكَ مِن حُمرَةِ استَهاوجَنباكَ جَنبَاها وخِيمُكَ خيمُها
ولمَّا تغشّى اللُّؤمُ ما حَولَ أنفهِتَبَوَّأ في الدارِ التي لا يريمُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»
ألم تر أنّي قد رميتُ ابنَ فَرتَنابصَّمَّاءَ لا يرجو الحياةَ أميمُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

ويروى سليمها.

إذا ما هوى من صَكَّةٍ وقعتْ بهِأظَلَّتْ حَوامِي صَكَّةٍ يستديمُها

يستديمها يتوقعها أو ينتظرها. وحوامي صكة أي موجعات صكة، أي صكة حامية حارة.

فلم تَدريَا هُلْبَ اُستها كيفَ تتقيشَمُوساً أبتْ إلا لقَاحاً عقيمُها

الشموس المنوع في الخيل. وهذا مثل يقول: أبت عقيمها إلا أن تلقح، وإذا لقحت الحرب كان أشد

لأمرها وأعظم.

رجا العبدُ صُلحِي بعدما وقعتْ بهِصَواعِقُها ثمّ استَهلَّتْ غُيُومُها

استهلت مطرت، والاستهلال صوت وقع المطر.

لقد سرَّني لَحبُ القوافي بأنفهِوعَلَّبَ جِلدا الحاجبينِ وسُومُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

اللحب والعلب واحد وهو الأثر البين ويروى وعلب بجلد الحاجبين.

لقد لاحَ وسمٌ مِن غَواشٍ كأنّهاالثُّرَيَّا تَجلَّتْ مِن غُيومٍ نُجُومُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

غواش ما غشيه من الشدائد ويروى في غواش.

أتارِكَةٌ أكلَ الخزيرِ مجاشِعٌوقد خُسَّ إلا في الخزيرِ قَسيمُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

قسيمها حظها. والخزير أن يُطبخ الدقيق بودك أو قديد أو لحم، وقد يكون إنما يُطبخ الشختيت، وهو

دقاق سويق الشعير ثم يُطرح فيه الدقيق والودك.

سيَخزى ويرضى باللّفَاءِ ابنُ فَرْتَناوكانتْ غَداةَ الغْبِّ يُودَى غَريمُها

ويوفى. اللفاء ما دون الحق، وهو الشيء القليل.

إذا هَبطتْ جَوَّ المراغِ فعَرَّستْطُروقاً وأطرافُ التَّوادي كُرُومُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

الطروق النزول بعد هدأة من الليل قريب من الفجر، والتوادي العيدان التي تُصر بها أخلاف الإبل،

واحدتها تودية. والكروم الحلي يريد أنها راعية، فإن التوادي معلّقة في عنقها مكان الحلي، ويروى

تكرّست عروشا. تكرست جُمعّت شجرا فعرّشته فسكنت فيه، وذلك فعل الرعيان.

فكيف تُرى ظنَّ البَعيثُ بأُمِّهإذا باتَ علجُ الأقعسَينِ يَكُومُها

الأقعسان هبيرة والأقعس ابنا ضمضم.

إذا استَنَّ أعلاجُ المصيفِ وجَدتَهاسريعاً إلى جَنبِ المرَاغِ جُثُومُها

المراغ موضع من الأرض تمرّغ فيه الإبل، جثوم لزوم للأرض وانكباب.

ضَرُوطٌ إذا لاقتُ عُلوجَ ابنِ عامرٍوأينَعَ كُرَّاثُ النِّبَاجِ وثُومُها

أراد عبد الله بن عامر بن كريز بن عامر بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهم أصحاب النباج.

بني مالِكٍ إنّ البِغالَ مجاشعاًمُبَاحٌ بحمراءِ العِجانِ حَريمُها

بني مالك يعني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قوله مباح حريمها أي لا تُرعى

حرمتهم ولا ذمتهم. بحمراء العجان يعني أم البعيث، والعجان ما بين الفرجين، وقال حمراء لأنها من

العجم.

لئن راهَنت عَدواً عليكً مُجاشِعٌلقد لقيتْ نقصاً وطاشتْ حُلُومُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»
فأبقُوا عليكُم واتَّقُوا نابَ حيَّةٍأصابَ ابنَ حمراءِ العِجانِ شَكيمُها

شكيمتها شدة نفسها وسوء سمّها، يقال: هو شديد الشكيمة إذا كان جلداً

إذا خِفتُ من عَرٍّ قِرافاً شفَيتُهُبصادقَةِ الإشعال باقٍ عصيمُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

العر الجرب. والقراف الدنو. وعصيمها أثرها، العر مفتوح الأول

الجرب، والعر مضموم الأول: قرح سوى الجرب. قرافاً مخالطة، والإشعال الإحراق والعصيم أثر الهناء.

وبقية أثر الخضاب في اليد والرجل أيضاً عصيم.

لهُ فَرَسٌ شَقراءُ لم تَلقَ فارِساًكريماً ولم تَعلَقْ عَناناً يُقيمُها
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي بالبردين دارا ولا أرى»

له فرس شقراء يعني أم البعيث.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.