من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة زهير بن أبي سلمى (٢)
كافورا لموتاهم؛ فتشأموا بها.
وقال ابن الكلبي: منشم امرأة الوجيه الحميري.
وعبسا منصوب بتداركتما، وأجرى لأنه اسم لرجل لا علة فيه تمنعه الإجراء. وذبيان لا يجري لأن
فيه ألفا ونونا زائدتين.
وقد قلتما أن نُدركِ السلْم واسعاًبمال ومعروف مِن القَوْلِ نسلَمِ
السِّلْم والسَّلْم: الصلح؛ وهو يذكر ويؤنث. قال الله ﷿: (وإنْ جَنَحُوا للسَّلْم فاجْنحْ لها)، فيجوز
أن يكون أنث لتأنيث الجنحة، لأن المعنى فاجنح للجنحة. وأنشد أبو العباس:
فلا تضيقَنَّ أن السلم واسعةٌمَلْساءُ ليس بها وعْثٌ ولا ضِيقُ
وقوله (واسعا) معناه ممكن. يقول: نبذل فيها الأموال ونحث عليها.
وموضع واسع نصب على الحال من السلم، والباء صلة ندرك، وموضع نسلم جزم على جواب
الجزاء.
فأَصْبَحْتُما منها على خَير مَوطنٍبَعيدين فيها مِنْ عُقوقٍ ومَأْثَمِ
معناه: لا تركبان منها ما لا يحل لكما.
ونصب بعيدين على الحال، وعلى خبر أصبحتما.
عظيمَيْن في عُليا معَدٍّ هُدِيتُماومَنْ يسْتَبحْ كَنْزاً من المجدِ
عليا معد: أرفعها؛ يقال: هو في عُليا معد وعَليا معد. قال النابغة:
يا دار مية بالعَلياء فالسَنَدِأقْوتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ
وقال أبو جعفر: قوله (يستبح كنزا) أي يجد كنزل مباحا فيأخذه لنفسه فيعظم حينئذ. وقال (يعظم):
يأتي بأمر عظيم. و (يعظم): يعظمه الناس. و (يعظم) يصير عظيما. وقال: يروى على هذه الوجوه
الثلاثة.
وموضع عظيمين نصب على الإتباع لبعيدين. وموضع من رفع بما عاد من يستبح، ويعظم موضعه
جزم لأنه جواب الجزاء.
وأَصبَحَ يُحْدَي فيكُم مِن إِفالِهامَغانِمُ شَتَّى منْ إِفالِ مُزَنَّمِ
يحدي: يساق. ويروى: (فأصبح يجري فيهم من تلادكم). والتالد من المال والتليد: ما ولد عندهم،
وأصله الوالد والوليد، فأبدلت التاء من الواو؛ كما قالوا متزن، والتراث وأصله الوراث، وتجاهى
وأصله وجاهي. والطارف والطريف: ما استحدثوا. يقول: صرتم تغرمون لهم من تلادكم. هذا قول
يعقوب. وقال أبو جعفر: قوله من تلادكم معناه من كرم سعيكم الذي سعيتم لهم حتى جمعتم لهم
الحمالة. وقال: هذا قول ابن الأعرابي. ورواه أبو جعفر: (من نتاج مزنم) وقال: إفال خطأ، لأنه لا
ينبغي أن تكون مزنمة. وقال يعقوب: الإفال: الصغار من الإبل بنات المخاض وبنات اللبون، الواحد
أفيل وأفيلة للأنثى. وقوله (مزنم)، والتزنيم علامة كانت تجعل على ضرب من الإبل كرام، وهو أن
يسحى ظاهر الأذن، أي تقشر جلدته، ثم تفتل فتبقى زنمة تنوس، أي تضطرب. قال المتلمس:
وإنَّ نصابي أن سألتَ وأسرتيمن الناس حيٌّ يقتنون المزنَّما
وروى أبو عبيدة: (من إفال المزنم)، وقال: هو فحل معروف. قال: ويقال عطاء مزنم ومزند، أي
قليل. وقال أبو جعفر: يقال عطاء مزلم ومزند. وأنكر النون مع الميم.
والمغانم ترتفع لأنها اسم أصبح، وخبر أصبح ما عاد من يحدى، وشتى في موضع رفع على النعت
للمغانم.
تُعفَّى الكُلومُ بالمِئِينَ فأَصبحَتْيُنَجِّمُها مَنْ ليس فيها بمُجْرِمِ
قوله (تعفى الكلوم) معناه تمحى الجراح بالمئين من الإبل تؤدي، يجعلونها نجوما. ويقال عفا الشيء
يعفو عفاء، إذا درس. وقد عفوته وعفيته ويقال كلم وكلام وكلوم. وقد كلمت الرجل أكلمه كلما،
وقرحته أقرحه قرحا، وجرحته أجرحه جرحت. وهو رجل كليم في قوم كلمى، وجريح في قوم
جرحى، وقريح في قوم قرحى. وقوله: (من ليس فيها بمجرم) يقول: انتم تغرمونها ولم تجرموها
وتجنوها. يقال أجرم الرجل يجرم إجراما، وجرم يجرم جرما وجرمة. قال عمرو بن البراقة
الهمداني:
وننصُر مولانا ونعلم أنَّهكَمَا النَّاسِ مجرومٌ عليه وجارمُ
وقال أبو جعفر: من ليس فيها بمجرم، يعني الساعيين.
والكلوم اسم ما لم يسم فاعله، والباء صلة تعفى، واسم أصبحت مضمر فيه من ذكر المئين، وخبر
أصبحت ما عاد من الهاء في ينجمها، وموضع من رفع. بينجم، وليس صلة من، وما فيه يعود على
من، وبمجرم خبر ليس، وفيها صلة مجرم.
يُنجِّمُها قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامةًولم يُهَرِيقُوا بَينَهُمْ مِلءَ مِحْجَمِ
قوله (ينجمها) معناه يجعلونها نجوما ويؤدونها نَجْماَ نجماً. يقول: لم يكن لهم في تلك الحروب ذنب
ولاهراقوا فيها دما، ولكنهم حملوها. يقال أرقت الماء أريقه إراقة، ويا فلان أرق ماءك، والماء مراق.
وقوم يبدلون من الهمزة هاء فيقولون هرقت الماء أهريقه هراقة، والماء مهراق، ويا فلان هرق.
وقوم يتوهمون أن الهاء أصلية - وإنما هي بدل من ألف أفعلت - فيزيدون عليها ألفا فيقولون
أهرقت الماء أهريقه إهراقا، والماء مهراق بتسكين الهاء، ويقولون أهرق ماءك. ويقال ملأت الإناء
فأنا أملؤه ملئا بفتح الميم، والمِلء، بكسر الميم الاسم، وهو ما يأخذه الإناء الممتلئ من الشراب. يقال
أعطني ملء القدح وملأيه، وأعطني ثلاثة إملائه. وأصل يهريق يؤروق، فأبدلوا من الهمزة هاء
فصار يهروق، واستثقلوا الكسرة في الواو فألقوها على الراء، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
والقوم يرتفعون بفعلهم، والغرامة تنتصب على المصدر، والملء ينتصب بوقوع الفعل عليه.
أَلاَ أَبلِغِ الأَحلافَ عنِّى رِسَالةًوذُبْيانَ هَلْ أَقْسمتمُ كُلَّ مُقْسَمِ
الأحلاف: أسد وغطفان، الواحد حلف. يقال فلان حلف بني فلان، إذا حالفوه أن يمنعوه مما يمنعون
منه أنفسهم وأن يكون معهم يدا على غيرهم. ويقال أقسمت في اليمين فأنا أقسم إقساما ومقسما.
والمقسمة: الموضع الذي يحلف فيه.
وألا افتتاح للكلام. والرسالة مفعول ثان، وكل مقسم منصوب على المصدر.
فلا تَكْتُمُنَّ اللهَ ما في صَدُوركمليَخفَى ومَهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ
معناه: لا تكتموا الله تعالى ما صرتم إليه من الصلح وتقولوا إنا لم نكن نحتاج إلى الصلح وأنا لم
نسترخ من الحرب؛ فإن الله جل وعلا يعلم من ذلك ما تكتمونه. يقال كتمت الأمر كتمة وكتمانا، إذا لم
تظهره. وقال الأصمعي: يقال ناقة كتوم، إذا كانت لا ترغو. قال: ويقال قوس كاتم، إذا لم ينصدع
قلبها. ويقال كتمت المزادة كتوما، إذا ذهب سيلانها، حكى هذا يعقوب عن أبي عمرو الشيباني. يقال
خفي الشيء يخفى، إذا استتر؛ وأخفيته، إذا سترته؛ وخفيته، إذا أظهرته. وقال أبو جعفر: معنى
البيت لا تظهروا الصلح وفي أنفسكم أن تغدروا، كما فعل حصين بن ضمضم إذ قتل ورد بن حابس
بعد الصلح. يقول: فلا تفعلوا، صححوا الصلح.
وموضع تكتمن جزم على النهى، والنون دخلت للتوكيد، وما نصب بوقوع الفعل عليها، ويخفى
نصب بلام كي، وبكتم جزم بمهما، ويعلم جواب الجزاء.
يُؤَخَّرْ فَيوضَعْ في كِتاب فيُدَّخَرْليوْمِ الحِساب أو يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ
قال يعقوب: معناه لا تكتمن الله تعالى ما في نفوسكم فيؤخر ذلك إلى الحساب فتحاسبوا به ويعجل
في الدنيا لكم النقمة به. وقال أبو جعفر: إنما أراد بهذا الغدر وتعظيم شأنه.
ويؤخر مجزوم على الاتباع ليعلم. قال الله ﷿: (ومَن يَفعلْ ذلك يَلْقَ أثاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ).
فجزم يضاعف على الإتباع ليلق أثاما. وموضع فيدخر ويعجل وينقم نسق على يؤخر.
وما الحرْبُ إِلاْ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُوما خُوَ عَنْها بالحَدِيثِ المرجَّمِ
قال يعقوب: معناه وما الحرب إلا ما قد جربتم وذقتم، فإياكم أن تعودوا. وقوله: (وما هو عنها
بالحديث المرجم) معناه: وما الخبر عنها بحديث يرجم فيه بالظن، ولكن هذا ما شهدتم وباشرتم
وعرفتم. المرجم: الذي يرمى فيه بالظن. وقال أبو جعفر: معناه أن غدرتم ثم عادت الحرب وهي ما
قد جربتم وعرفتم فإياكم أن تغدروا.
والحرب موضعها رفع بما علمتم، وما مرفوعة بها، وعلمتم صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما،
والتقدير: وما الحرب إلا ما علمتموه. وذقتم نسق على علمتم، وما جحد لا موضع لها وهو مرفوع
بالحديث، والمرجم نعت الحديث، وعنها حال، كأنه قال: وما هو وهو عنها لا عن غيرها. ويصلح
في قول الكسائي أن تجعل (عنها) من صلة المرجم ويصلح تقديمها لأن الحديث خبر، والمرجم نعته،
والألف واللام ينوى بهما الطرح في مواضع الإخبار. أجاز الكسائي: ما عبد الله بأخيك فيك الراغب،
لأن الراغب نعت الأخ، والأخ في هذا الموضع اسم والألف واللام لا تلغى في مواضع الأسماء.
متَى تَبْعَثُوها تَبْعَثُوها ذميمةًوتَضرَ إذا ضَرَّيتموها فتَضْرمِ
قوله (ذميمة) معناه مذمومة. يقول: أولها صغير ثم تعظم بعد. يقال رجل ذميم، إذا كان مذموما
بالذال، وامرأة ذميم بغير هاء، لأنه مصروف مذمومة إلى ذميم. وهو كقولك كف خضيب، وعين
كحيل، ولحية دهين. ويقال رجل دميم، بالدال، إذا كان حقيرا. قال الشاعر:
كضرائر الحسناء قُلنَ لوجههاحسداً وبغياً إنه لدميمُ
قوله (وتضر) معناه تضرى كما يضرى السبع. ويروى: (إذا ضريتموها وتلذم) أي تلزم. قال
يعقوب: قال الأصمعي: يقال ألذم به، إذا أغرى به حتى لزمه. وقال أبو جعفر: يقال لذم به وألذم به،
والألف أكثر. وقال الأصمعي: قال عمر بن الخطاب رضي الله: (إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة
كضراوة الخمر). وتضرم: تضطرم. يقال: أضرم نارك. وقد تضرمت، إذا اشتعلت. يقال: هو
يتضرم من الغيظ. قال أبو عبيدة: (والضرم: دق الحطب وما تسرع فيه النار الاشتعال، وهو
الضرام. والجزل: ما غلظ منه.
وتبعثوها جزم بمتى، وتبعثوها الثاني جواب الجزاء، وذميمة نصب على الحال من الهاء، وتضرم
مجزوم لأنه نسق على تبعثوها، وعلامة الجزم في تضر سقوط الألف، وتضرم نسق على تضر.
وقال أبو جعفر: تضرم: تحرق.
فَتَعْرُكْكُمُ عَركَ الرَّحَى بِثِفالهاوتَلقَحْ كِشَافاً ثُمَّ تُنتَجْ فتُتْئِمِ
الثفال: جلدة أو خرقة تجعل تحت الرحى ليكون ما سقط من الطحين في الثفال. ولم يرد كما تعرك
الرحى ثفالها، وإنما أراد عرك الرحى ومعها ثفالها، أي عرك الرحى طاحنة، يريد في حال ظحنها.
فالباء تقديرها تقدير الحال، وقد فسرناه في غير موضع. ولا تجعل الثفال تحتها أبدا إلا أن تطحن،
فإذا طحنت جعل الثفال تحتها حينئذ. ويقال ثفل رحييك وثفل لهما، أي اتخذ لهما ثفالا. يقال قد لقحت
الناقة لَقحا ولِقاحا. و (الكشاف): أن تحمل على الناقة في كل سنة فتلقح، وذلك أردأ النتاج. يفظع
بهذا، أي يتدارك عليكم أمرها. ومثل الكشاف في الغنم الإمغال. وأحمد النتاج في الإبل أن يحمل على
الناقة سنة ثم تجم سنة؛ وذلك أقوى للولد. وفي الغنم أن يحمل عليها في السنة مرة، فاذا حمل عليها
في السنة مرتين فذلك الامغال. ويقال نتجت الناقة تنتج نتاجا، ونتجها أهلها؛
ولا يكون الفعل لها إلا في قولك أنتجت الناقة، وذلك إذا نتجت فوضعت ولدها وليس أحد يحضرها.
ويقال ناقة كشوف وإبل كشف. وقد أكشف بنو فلان العام فهم مكشفون. وقوله (فتتئم) معناه تنتج اثنين في بطن.
يفظع بهذا. يقال: أتأمت المرأة والشاة فهي متئم، إذا ولدت اثنين في بطن واحد. فإذا كان ذلك من عادتها قيل
متآم. ويقال: هذا توأم وهذه توأمة، والجمع توائم وتؤام. انشد الفراء:
قالت لنا ودمعُها تُؤامُعلى الذين ارتحلوا السّلامُ
وقال أبو جعفر: قوله كشافا، يعجل عليكم أمرها بلا وقت. وقال أبو جعفر: الامغال: كثرة الولد من
كل شيء. وأنشد في امرأة:
ريّا الروادف لم تُمغِلْ بأولاد
وقال أبو جعفر: أنتجت الناقة، إذا بلغت وقت نتاجها ولما تنتج.
وموضع تعرككم جزم لأنه نسق على يؤخر، وكذلك ما بعده من الأفعال المجزومة. والكشاف
منصوب على المصدر في قول الكوفيين، وقال البصريون: هو مصدر جعل في موضع الحال.
فَتُنْتجْ لكُمْ غلِمانَ أَشأَمَ كُلُّهُمْكأَحمرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتفْطِمِ
معناه تنتج لكم غلمان شؤم. وأشأم هو الشؤم بعينه. يقال كانت لهم بأشأم، يريد بشؤم، فلما جعل أفعل
مصدرا أفعل مصدرا لم يحتج إلى من. ولو كان افعل لم يكن له بد مِن مِنْ. وإنما أراد كأحمر ثمود،
فاضطره الشعر إلى عاد، فقال على جهة الغلط، كما قال الأعشى:
فإني وثوبَيْ راهب اللُّجّ والتيبناها قصيُّ وَحدَه وابنُ جُرهُم
وقصي لم يبن الكعبة. وقال الشماخ:
وشُعبتَا مَيسٍ بَرَاها إسكافْ
أراد: براها نجار، فجعل الإسكاف في موضع النجار. وقال النابغة:
وكلُّ صَموتٍ نَشْلةٍ تُبَّعيَّةٍونسجُ سُليمٍ كلَّ قَضَّاءَ ذائلِ
أراد: ونسج سليمان؛ وسليمان لم ينسج الدروع وإنما نسجها داود. وقال الآخر:
والشَّيخِ عثمانَ أبي عَفَّان
وقال أبو عبيد: كأحمر عاد وثمود سواء. وقوله: (ثم ترضع فتفطم) معناه أن أمرها يطول عليكم ولا
يسرع انكشافها عنكم حتى تكون بمنزلة من يلد ويفطم. وقال أبو جعفر: المعنى إنها تسرع بكم
وتدارك بذنوبكم شرا بعد شر، فيفنى بعضكم بعضا وتذهب أموالكم في الحمالات. وقال يعقوب: يقال
للصبي وللسخلة في لغة أهل نجد: رضع يرضع رضاعا. وفي لغة تهامة: رضع يرضع. وقال
الأصمعي: وقال رجل من أهل مكة: أيقول أحد إلا رضع؟ قال: وأخبرني عيسى بن عمر الثقفي قال:
ينشد أهل تهامة هذا البيت لابن همام السلولي:
وذمُّوا لنا الدُّنيا وهم يرضِعونهاأفاويقَ حتَّى ما يدرّ لها ثُعْلُ
قال: ويقال: التمس لي مرضعا، أي ذات لبن، فإذا كانت ترضع فهي مرضع ومرضعه. وقال أبو
عبيدة: قال بعضهم:
كمرضِعةٍ أولادَ أخرى وضَيَّعتْبنيها فلم تَرقَعْ بذلك مَرقَعا
وقال امرؤ القيس:
فمثلِكِ حُبلى قَد طرقتُ ومُرضعفألهيْتُها عن ذي تمائمَ مُحوِلِ
وقال الفراء: يقال الرِّضاع والرَّاع، والرِّضاعة والرَّضاعة، والرضع. وأنشد ابن الأعرابي وغيره:
داويَّة شَقَّت على اللاعِ الشَّكِعْوإنَّما النوم بها مثل الرَّضِعْ
واسم ما لم يسم فاعله مضمر فيه من ذكر الحرب، كأنه قال: فتنتج لكم الحرب غلمان أشأم. ونصب
الغلمان بوقوع الفعل عليهم، ويقول بعض النحويين: هو خبر ما لم يسم فاعله. وأشأم موضعه خفض
إلا إنه لا يجري، وكلهم مرفوع بالكاف الزائدة لأنها في معنى مثل، والتقدير كلهم مثل أحمر عاد،
وهو على مثال أفعل، لأنه أضافه، وكل اسم لا يجري إذا أضيف جرى.
فتُغْلِلْ لَكُمْ ما لا تُغِلُّ لأَهْلِهاقُرىً بالعِراقِ مِن قَفِيز ودِرهم
قال يعقوب: هذا تهكم، أي هزء. يقول: لا يأتيكم منها ما تسرون به مثل ما يأتي أهل القرى من
الطعام والدراهم، ولكن غلة هذا عليكم ما تكرهون. قال أبو جعفر: فتغلل لكم معناه أنكم تقتلون
ويحمل إليكم ديات قومكم، فافرحوا فهذه لكم غلة.
وموضع (فتغلل) جزم على النسق على فتنتج لكم. وموضع قرى رفع بتغلل.
وموضع ما نصب بتغلل، ومن دخلت مع الجحد وهو (لا)، كقولك: لا أضرب من أحد، والذي بعدها
نكرة في تأويل مفعول، وهي في هذا المعنى لا تدخل إلا على نكرة.
لِحَيٍّ حِلالٍ يَعصِمُ النَّاسَ أَمرُهُمإِذا نَزَلتْ إحدى اللَّيالي بِمُعظَمِ
قال يعقوب: الحلال: الكثير. والحلة: مائتا بيت تكون في موضع واحد: فيقول: هذه الإبل التي في
الدية لحي كثير. وإنما أراد أن يكثرهم ليكثر العقل. وقوله (يعصم الناس أمرهم) معناه إذا ائتمروا
أمرا كان عصمة للناس. وقوله (إذا طرقت) معناه أتت ليلا. وقال أبو جعفر: قوله لحي، معناه تصير
إليكم الحمالات بسبب هذا الحي الذي يقوم لكم بأخذها، ثم مدح الحي. فقال يعقوب: (بمعظم): بأمر
عظيم وقال أبو جعفر: يروى: (بمعظم) أي بأمر عظيم. قال: ومن أراد بمعظم، أي بأمر يعظمه
الناس.
والحلال نعت الحي، والأمر رفع بيعصم، ومعنى يعصم يمنع، كما قال الله ﷿: (لا عاصمَ
اليومَ من أمر الله)، أي لا مانع.
كِرامٍ فلا ذُو الضِّغْنِ يُدْرِكُ تَبلَهُولا الجارِمُ الجاني عَلَيهِمْ بمُسْلَمِ
يقال ضغن عليه يضغن ضَغنا وضِغنا. والتبل والذحل واحد، يقال، في قلبي عليه ضغن، وذحل،
وحقد، وإحنة، وترة، وتبل. قال ذو الرمة:
إذا ما امرؤٌ حاولْن أن يقتتلنَهبلا إحنة بين النفوس ولا ذَحْلِ
وقال نصيب:
أمن ذِكر ليلى قد يُعاودني التَّبلُعلى حينَ شاب الرأس واستوسَق العقلُ
ويقال: في قلبي عليه وغر، ودغم، وغمر. وقال الأعشى:
يقوم على الوغم في قومهفيعفو إذا شاء أو ينتقمْ
ويقال: في قلبي عليه حزاز وحزازة. وأنشد أبو العباس عن ابن الأعرابي:
إذا كان أبناء الرجال حزازةًفأنت الحلالُ الحلو والباردُ العذبُ
ويقال: في قلبي عليه غمر. قال الأعشى:
ومِن كاشحٍ ظاهرٍ غِمرْهإذا ما انتسبتُ له أنكرَنْ
ويقال: في قلبي عليه دمنة. قال الشاعر:
ومن دِمَنٍ داويتَها فشفيتَهابسَلمكَ لولا أنتَ طال حروبُها
ويقال: في قلبي عليه حسيفة وكتيفة. وأنشد أبو العباس:
أخوك الذي لا تملك الحسَّ نفسُهوترفضُّ عند المحْفِظات الكتائفُ
ويقال: في قلبي عليه وتر. وقد وتره فلان وتبله. والجاني، من قولك: جنى عليه شرا. يقول: من
جنى عليهم لم يسلموه. ويقال: جنى عليهم شرا، وأجل يأجل أجلا، وجر يجر جريرة.
والكرام نعت الحي، وذو رفع بما عاد من يدرك، والجارم رفع بمسلم. وروى يعقوب:
كرام فلا ذو الضّغْن يدرك تبلَهلديهمْ ولا الجاني عليهم بمسلَمِ
رَعْوا ظِمْأَهم حتَّى إذا تَمَّ أَوْرَدَواغِماراً تَسِيلُ بالسِّلاح وبالدَّمِ
ويروى: (رعوا ما رعوا من ظمئهم ثم أوردوا). ويروى: (تفرى بالسلاح). والظمء: ما بين
الشربتين. وقوله: رعوا ما رعوا، ضربه مثلا لرمهم أمرهم ثم وقوعهم بالحرب. و (الغمار): الأمور
العظام. قال الراجز:
الغَمَرات ثم ينجلينا
وغمرة كل شيء: معظمه. قال أبو عبيدة: يعنى سكنوا وكفوا عن القتال ثم أوردوا غمارا، أي قاتلوا.
و (تفرى): نشقق عليهم. يقال: تفرى الأديم وتفرى الثوب، إذا تشقق؛ وقد أفريته، إذا شققته. قال أبو
جعفر: قوله (رعوا ظمأهم) معناه إنه رجع إلى وصف أمرهم قبل الصلح، فأخبر أنهم رعوا ظمأهم.
يعني أن بعضهم كان يثب على بعض فيقتله قبل اجتماعهم في الحرب، فلما عادوا في ذلك أوردوا
إبلهم غمارا، وإنما يريد أنفسهم. والغمار هاهنا مثل، يريد ما غمرهم من أمر الحرب.
والظمء منصوب برعوا، والغمار نصب بأوردوا، وتسيل صلة الغمار.
فَقضَّوْا مَنَايا بَينهُم ثُمَّ أَصدَرواإِلى كَلأٍ مُسْتَوْبَلٍ مُتَوَخَّم
قوله: (ثم أصدروا إلى كلأ) معناه إلى أمر استوخموا عاقبته. وهذا مثل، يقال:
كلأ وبيل وماء وبيل،
إذا صار غير مريء. ومنه استوبل فعلته، أي استوخمها. قال عنترة:
إن المنية لو تُمثَّلُ مُثِّلتْمثلى إذا نزلوا بضنك المنزلِ
يعني أنهم كانوا من أشدائهم ثم صاروا إلى اخذ دياتهم، فذلك قوله (إلى كلأ مستوبل متوخم).
والمنايا نصب بقضوا، والمستوبل نعت الكلأ.
لعَمري لَنِعْمَ الحي جَرَّ عَليهمُبما لا يُوَاتيهمْ حُصَيْنُ بنُ ضَمضمِ
قوله (بما لا يواتيهم) معناه بما لا يوافقهم. و (جر) من الجريرة. ويروى: (بما لم يمالئهم حصين بن
ضمضم)، فاجتزأ بأن لم يذكر عليه فقال: لعمري لنعم القوم جر عليهم حصين بن ضمضم بما لم يكن
عن ملأ منهم. والممالأة: المتابعة. وحصين من بني مرة، كان أبى أن يدخل في صلحهم، فلما اجتمعوا
للصلح شد على رجل منهم فقتله. وقال أبو جعفر: المعنى لنعم الحي جر عليهم بتركه الصلح الذي
دخلوا فيه ومخالفته إياهم.
والحي رفع بنعم، وحصين رفع بجر.
وكانَ طَوَى كَشْحاً عَلى مُسْتكنّةٍفلا هُوَ أَبْداها ولمْ يَتقَدَّمِ
معناه: وكان طوى كشحه على فعلة أكنها في نفسه فلم يظهرها. ويروى: (ولم يتجمجم) أي لم يدع
التقدم على ما أضمر. يقال: أكننت الشيء، إذا سترته
وأخفيته في نفسك، فأنا مكن والشيء مكن. قال الله ﷿:
(أو أكننتم في أنفسكم). ويقال كننت الشيء، إذا صنته. والشيء مكنون والرجل كان.
قال الله ﷿: (كأنهن بيضٌ مكنون). وقال أبو دهبل:
وهي بيضاءُ مثل لؤلؤة الغوَّاضِ مِيزَتْ من جوهر مكنونِ
و (الكشح): الخاصرة. وقال أبو جعفر: كان هرم بن ضمضم قتله ورد بن حابس، فقتله أخوه
حصين به. و (المستكنة): الغدرة. واسم كان مضمر فيها، وطوى خبرها. ولا، معناها لم، كأنه قال:
لم يبدها لهم، كما قال الله ﷿: (فلا صَدَّقَ ولا صَلَّى) معناه فلم يصدق ولم يصل. قال الشاعر:
إنْ تغفر اللهمَّ تغفرْ جَمَّاوأيُّ عبدٍ لكَ لا ألمَّا
معناه: لم يلمم.
وَقالَ سَأَقْضي حَاجَتي ثُمَّ أَتَّقيعَدُوِّي بأَلْفِ منْ ورَائيَ مُلجِمِ
ويروى: (ملجم). فمن رواه ملجِم أراد بألف فارس ملجم، ومن رواه ملجَم أراد بألف فرس ملجم.
والملجم نعت الألف، والألف مذكر، فان رأيته في شعر مؤنثا فإنما يذهب بتأنيثه إلى تأنيث الجمع.
وقال أبو جعفر: حاجته قتل ورد بن حابس.
فَشَدَّ ولمْ يُنْظِرْ بُيوتاً كَثيرَةًلدَى حَيْثُ أَلقتْ رَحْلَها أٌُمُّ قَشْعَمِ
ويروى: (ولم تنظر بيوت). وروى الأصمعي: (فشد ولم تفزع بيوت كثيرة) يقول: شد على عدوه
وحده فقتله ولم يفزع العامة بطلب واحد - يريد بذلك تملقهم وألا يغضبوا - وإنما قصد لثأره ولم
يردكم، فاقبلوا الدية والصلح ودعوا الحرب. و (أم قشعم): الحرب الشديدة. وقوله (ألقت رحلها) أي
حيث شدة الأمر. ويقال أم قشعم للمنية. وقال أبو عبيدة: أم قشعم: العنكبوت. أي شد عليه بمضيعة
فقتله. ويروى: (ولم تفزع بيوت كثيرة)؛ أراد إنه لم يستعن عليه بأحد. ومن روى: (ولم ينظر بيوتا)
أراد ولم ينظر حصين بيوتا. ومن روى: (ولم تنظر بيوت) جعل البيوت اسم ما لم يسم فاعله.
وموضع حيث خفض بلدى، والأم ترتفع بألقت، والرحل منصوب به، وإنما ضمت وهي في موضع
خفض لأن أصلها حوث فعدلت عن الواو إلى الياء وجعلت ضمة الثاء خلفا من الواو. هذا قول
الكسائي، وقال الفراء: ضمت لتضمنها معنى المحلين، ومن العرب من يظهر الواو في حيث فيقول
حوث، فإذا قلت عبد الله حيث زيد، فمعناه عبد الله في مكان فيه زيد، فلما قامت حيث مقام محلين
أعطيت أثقل الحركات.
لَدَى أَسدٍ شاكي البَنانِ مُقاذِفٍلهُ لبَدٌ أَظفارُه لمْ تُقَلَّمِ
وروى الأصمعي: (لدى أسد شاكي السلاح مقذف). يقال: هو شاكي السلاح، وشاكُ السلاح وشاكُّ
السلاح، بالتخفيف والتشديد، ومعناه سلاحه ذو
شوكة. وأصل شاكي شائك، كما قالوا جرف هار
وأصله هائر، قال الشاعر:
فلو أني رميتُكَ من بعيدٍلعَاقكَ عن دُعاء الذئب عاقِ
أراد عائق فقلب. ومن قال شاك في السلاح فمعناه إنه دخل في السلاح. والشكة: السلاح أجمع.
وقوله: (البنان) أراد براثن الأسد. وأصل البنان أصابع الإنسان، الواحدة بنانة. قال الله ﷿:
(واضربوا منهم كلَّ بَنَان)؛ قال الشاعر:
كم لك مِن خَصلةٍ مباركةٍيحسبها بالبنان حاسبُها
و (المقذف): الغليظ اللحم. و (اللبد): جمع لبدة، وهي الشعر المتراكب على زبرة الأسد، وهو ما بين
الكتفين قد تلبد عليه الشعر. وقوله (اظفاره لم تقلم) معناه إنه تام السلاح حديده، يريد الجيش، واللفظ
على الأسد. وأنشد:
لعمركَ إنَّا والأحاليفَ هؤلالفي حِقبْةٍ أظفارُها لم تقلَّمِ
وهذا البيت لأوس، أي في دهر. ومثله قول النابغة:
وبنو قُعَين لا مَحالةَ إنَّهمْآتُوك غيرَ مقلَّمي الأظفارِ
وقال الأصمعي: اخذ هذا المعنى زهير والنابغة من أوس. وأنشد لبشر:
وإذا عُقابُهمُ المُدِلَّةُ أقبلَتْنُبِذتْ بأفصحَ ذي مَخالبَ جَهضَمِ
قوله بأفصح، يعني الأسد، وهو مثل للجيش. والأفصح: الأصبح؛ والصبحة: بياض يعلوه حمرة.
وقال أبو جعفر: الرواية الجيدة (مقاذف). قال: ومن رواه (مقذف) أراد كأنه قذف باللحم قذفا من
شدته، كما قال النابغة:
مقذوفة بدخيش النَّحضِ بازلُهاله صريفٌ صريفَ القعو بالمسَدِ
ولدى صلة شد، وشاكي نعت للأسد، وكذلك المقاذف، واللبد رفع بله، وأظفاره رفع بما عاد من تقلم.
والذي في تقلم اسم ما لم يسم فاعله.
جَرِيءٍ متَى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بظُلمهسَريعاً وإِلاَّ يُبَدْ بالظُّلمِ يَظْلمِ
معناه أن هذا الجيش متى تكن له ترة في قوم طلبها، وإن لم تكن له ترة وتر.
ويبد جزم بإلا، علامة الجزم فيه سقوط الألف. يقال بدأت بالشيء بتحقيق الهمز، وبدأت بالأمر على
تليين الهمز، وبديت على الانتقال من الهمز إلى التشبيه بقضيت ورميت. فمن قال بدأت قال لم أبدأ،
ومن قال بدأت قال لم أبدا، ومن قال بديت قال لم أبد، وكذلك قرأت وقرأت وقريت، وخبأت وخبأت
وخبيت.
لَعَمْرُك ما جرَّتْ علَيهمْ رماحُهمْدمَ ابْنِ نَهيكٍ أو قتيلِ المثَلَّمِ
ويروى: (أو دم ابن المهزم). جرت، من الجريرة. يقول: ما حملوا دم ابن نهيك ودم ابن المهزم،
لأن رماحهم كانت جرت جريرته، ولكنهم تبرعوا بذلك ليصلح ما بين عشيرتهم. وقال أبو جعفر:
المعنى أن هؤلاء قتلوا قبل هذه الحرب، فلما شملهم هذه الحروب أدخلوا كل قتيل كان لهم في هذه
الحرب فطالبوا بهم حمالات وقودا حتى اصطلحوا.
والعمر يرتفع على القسم، وما جرَّت جواب القسم، والرماح رفع بجرَّت، والدم منصوب به.
ولا شارَكَتْ في الموْتِ في دَم نَوْفلِولا وَهَبٍ مِنْها وَلا ابنِ المُحزَّمِ
وروى أبو جعفر: (المخزم) بالخاء معجمة. ورواية يعقوب وجماعة من الرواة (المحزم) بالحاء غير
معجمة.
وفاعل شاركت مضمر فيه من ذكر الرماح، ووهب نسق على نوفل.
فكُلاًّ أَرَاهُمْ أَصْبحُوا يَعقِلونهُصَحيحاتِ ألف بَعْدَ ألف مُصَتَّمِ
العقل: الدية. قال الأصمعي: أصله أن يؤتى بالإبل فتعقل بأفنية أولياء القتيل؛ ثم كثر استعمالهم هذا
حتى قالوه في الدراهم. و (المصتم): التام؛ يقال عبر مصتم وحمل مصتم، إذا كان جملا مسنا
مصنوعا. وحكى الفراء مال صتم وأموال صتم، كما قيل فرس ورد وأفراس ورد. وقال أبو جعفر:
معنى البيت: كل هؤلاء لم يكونوا في هذه الحرب.
وموضع كل نصب بأرى، والمعنى: فأرى كلا أصبحوا يعقلونه، فلما تقدم المفعول عن موضعه
أدخلوا هاء في موضعه تخلفه ويشتغل الفعل بها، واسم أرى الهاء والميم، وخبره ما عاد من أصبحوا؛
ويجوز رفع كل بما عاد من الهاء والميم.
ومَنْ يَعْصِ أَطرافَ الزِّجاجِ فإِنَّهُيُطيعُ العَوالِي رُكِّبتْ كُلَّ لَهذَمِ
قال الأصمعي: من عصى الأمر الصغير صار إلى الأمر الكبير. وقال أبو عبيدة: هذا مثل، يقول:
أن الزج ليس يطعن به، وإنما الطعن بالسنان،
فمن أبى الصلح - وهو الزج الذي لا طعن به -
أعطى العوالي، وهو التي يطعن بها. قال: ومثل للعرب (الطعن يظأر) أي يعطف على الصلح. وقال
غيره: كانوا إذا لقوا قوما لقوهم بالأزجة ليؤذنوهم أنهم لا يريدون حربهم، فان أبوا قلبوا لهم الأسنة
فقاتلوهم. قال يعقوب: وسمعت أبا عمرو يقول: يقال رمح مزج. إذا عمل له الزج؛ ومنصل، إذا
عمل له نصل. ويقال أنصلت السهم، إذا نزعت نصله؛ ونصلته، إذا عملت له نصلا. قال الأعشى:
تَداركَه في مُنْصِل الألِّ بعدمامضَى غير دأداءٍ وقد كاد يعطبُ
أراد بمنصل الأل رجبا؛ لانهم كانوا ينزعون النصال فيه ويتركون القتال. والأل: جمع ألة، والألة:
الحربة. ومعنى (يطيع العوالي) أي إذا طعن بها سقط موتا، فكأنه لما مات مطعونا بها مطيع لها.
و (العوالي): جمع عالية، وهي نحو من ذراع من مقدم الرمح. وقال أبو جعفر: العامل على مقدار
ذراعين من أعالي الرمح، وهو الذي يعمل في الطعن. والعالية من نصفه إلى أعلاه، والسافلة من
نصفه إلى أسفله. وقال يعقوب في قوله كل لهذم: معناه الماضي؛ يقال سنان لهذم ولسان لهذم، سواء.
قال أوس بن حجر:
تُخُيِّرن أنضاءً وركِّبن أنصلاًكجمرِ غضىً في يوم ريحٍ تزيَّلا
وموضع من رفع بما عاد من يعص ومعناها الجزاء، ويعص جزم بها علامة الجزم فيه سقوط الياء،
والفاء جواب الجزاء، والهاء اسم إن، وخبرها ما عاد من يطيع. وموضع العوالي نصب بيطيع،
وسكن الياء على لغة من يقول رأيت الجواري بتسمين الياء، واللغة الجيدة فتحها. ويقول أحاب هذه
اللغة: رأيت قاض وداع. والكلام الجيد: رأيت قاضيا وداعيا. قال الشاعر:
فكسوتُ عارٍ جنبُه فتركتهجذلانَ جادَ قميصهُ ورداءه
وركبت صلة العوالي، كأنه قال: فإنه يطيع التي ركبت كل لهذم.
ومَنْ يُوفِ لا يُذْمَمْ ومن يُفْضِ قلْبُهُإِلى مُطْمئنِّ البرِّ لا يَتجَمْجمِ
معناه: ومن وفى لا يذم. يقال: وفى الرجل يفي، وأوفى يوفي. قال الشاعر:
أمَّا ابنُ طَوقٍ فقد أوفىَ بذمّتهكما وفَى بقِلاص النَّجم حاديها
فجمع بين اللغتين. وقوله (ومن يفض قلبه إلى مطمئن البر) يقول: من كان في صدره بر قد اطمأن
وسكن، ليس ببر يرجف ولم يطمئن، لم يتجمجم وأمضى كل أمر على جهته، وليس كمن غدرا فهو
يتردد في أمره ويتثنى. و (البر): الصلاح: يقال بررت يا رجل وأنت تبر، وصدقت يا هذا وبررت.
وكذلك بررت والدي أبره. وقولهم: برك الله تعالى، معناه وصلك الله سبحانه.
وموضع من رفع بما عاد من يوف، ويوف جزم بمن علامة الجزم فيه سقوط الياء، ويذمم جواب
الجزاء، والواو نسقت ما بعدها على ما قبلها، ومن الثانية رفع بما عاد من الهاء المتصلة بالقلب،
والقلب رفع بيفض، ويتجمجم جواب الجزاء.
ومَن يَبغِ أَطرافَ الرِّمَاحِ يَنَلْنَهولو رامَ أن يَرقَى السَّماءَ بسُلَّمِ
يقال: بغيت الشيء فأنا أبغيه بغية وبغاء. قال الشاعر:
لا يمنعنَّك من بُغاءِ الخير تعليقُ التمائمْ
فيقول: من تعرض للرماح نالته. و (رام): حاول. ويقال: رقى في الدرجة والسلم يرقى رُقياً ورِقياً.
ورقيت الصبي أرقيه رُقية. ورقأت دموعه ترقأ رقوا، إذا انقطعت. يقال في الدعاء على الإنسان: لا
يرقيء الله دمعه، إذا دعى عليه بطول البكاء. ويقال: رقأ الدم يرقأ رقوا، إذا انقطع. والرقوء: ما
أرقأت به الدم، أي قطعته، يقال: (لا تسبوا الإبل فإن فيها رقوء الدم)، أي تعطى في الديات فتحقن
بها الدماء. ويقال: أرقأ الله بفلان الدم، أي أتاح الله تعالى له قوما يطلبون بدمه فيقتلونه بصاحبهم.
والسلم يذكر ويؤنث. قال الله ﷿: (أم لهم سُلَّم يستمعون فيه). وقال الشاعر:
لنا سُلَّم في المجد لا يبلغونهاوليس لكم في سُورة المجد سلَّمُ
ومن مرفوعة بما في يبغ، ويبغ مجزوم بمن، وينلنه جواب الجزاء، ويرقى نصب بأن. ورواه أبو
جعفر:
ومَن هاب أسبابَ المنايا ينلنْهَولو رامَ أن يرقَى السَّماء بسُلَّمِ
ومَن يَكُ ذا فَضْلٍ فيَبخَلْ بفضلهعلى قَوْمهِ يُستَغْنَ عَنه ويُذْمَمِ
يقال ذممت الرجل أذمه ذما ومذَمة ومذِمة. ويقال قد أذم الرجل، إذا أتى بالذميم من الأمر.
ومن مرفوعة بما في يك، ويك مجزوم بمن علامة الجزم فيه سكون النون في الأصل، والنون
سقطت لكثرة الاستعمال، وشبهت في حال سكونها بالواو والياء والألف، ولم يجز سقوطها إذا
تحركت، كقولك: لم يكن الرجل قائما. وقال الله ﷿ في موضع: (فلا تكونَنَّ من الممترين).
وقال في موضع آخر: (فلا تكنْ من المُمْتَرين) وقال في غير هذه الموضعين: (فلا تكُ في مرْية منه).
فالموضع الذي قال فيه فلا تكن سكن النون للجزم، والموضع الذي قال فيه فلا تك حذف النون لكثرة
الاستعمال، والموضع الذي قال فيه فلا تكونن زاد النون لتوكيد المستقبل وأثبت الواو لتحرك النون،
واسم الكون مضمر فيه من ذكر من، وذا فضل خبر الكون، ويبخل نسق على يك، ويستغن جواب
الجزاء علامة الجزم فيه سقوط الألف، ويذمم نسق على يستغن.
ومَن لا يَزَلْ يسترحِلُ النَّاسَ نفْسَهولاَ يُعْفِها يوماً من الذَّمِّ يَندَمِ
ويروى: (ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه). فمن رواه (يسترحل) أراد يجعل نفسه كالراحلة للناس
يركبونه ويذمونه ومن رواه (يستحمل) أراد يحمل الناس على عيبه.
وموضع من رفع بما عاد من يزل، واسمها مضمر فيها، وخبرها ما عاد من
يسترحل، ويعفها نسق على يزل، ويندم جواب الجزاء، ويسترحل في لفظ المرفوع وموضعه نصب على الخبر؛
لأنك لو وضعت الدائم في موضعه لقلت لا يزل مسترحلا للناس. ويروى: (ولا يغنها يوما من الشر يسأم).
ويروى عن المازني إنه قال: (قال أبو زيد: قرأت هذه القصيدة على أبي عمرو مذ أربعون سنة
وقال أبو عمرو: قرأتها مذ خمسون سنة ولم أسمع هذا البيت إلا منك). يعني أبا زيد.
ومَنْ يَغتربْ يَحسِبْ عَدُوًّا صديقَهومَن لا يكرِّمْ نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ
يغترب، معناه يبعد عن قومه، يقال رجل غريب وغرب، ورجل جانب وجنب. ويقال رجل غريب
أجنبي، معناه تضطره الحاجة إلى البعيد منه.
ومن جزاء، ويحسب جواب الجزاء واسم المحسبة العدو، وخبرها الصديق. ومعنى يكرِم يُكرِم،
وكرم وأكرم بمعنى.
ومَنْ لا يَذُدْ عَن خَوضِهِ بسِلاحِهِيُهدَّمْ، ومَن لا يَظْلمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
قال يعقوب: يذد: يدفع. يقال ذدت الإبل فأنا أذودها ذودا وذيادا عن الحوض، إذا نحيتها عنه. وقد
أذدت الرجل، إذا أعنته على ذياد الإبل. قال الراجز:
ناديتُ في الحيّ ألاَ مُذيدافأقبلت فِتيانُهم تخويدا
وقال أبو عبيدة: الذود: الحبس. وقال في قول الله ﷿: (امرأتين تذودان) معناه تحبسان الغنم.
يقال ذاد غنمهم، إذا حبسها. وأنشد:
وقد سَلبتْ عصاك بنو تميمفما تدرى بأيِّ عصاً تذودُ
وقال الآخر:
وينهض قومٌ في الحديد إليكمُيذودون عن أحسابهم كلَّ مُجرمِ
وقال الفراء: السلاح يذكَّر ويؤنَّث. وقال: قالت امرأة من بني أسد: إنما سمى جدنا دبيرا لأن السلاح
أدبرته. وقال الطرماح وذكر الثور:
يهزُّ سِلاحاً لم يَرِثْها كَلالةًيشكُّ به منها غموض المغابِنِ
و (يرثه)، يعنى قرنيه.
وقوله (ومن لا يظلم الناس يظلم) معناه من كف عن الناس ظلموه وركبوه.
وموضع يذد جزم بمن وعلامة الجزم فيه سكون الدال، والواو سقطت لاجتماع الساكنين، ومن
مرفوعة بما عاد من يذد، ويهدم جواب الجزاء.
ومَنْ لم يُصانِع في أَمورٍ كثيرةيُضرَّسْ بأَنيابٍ ويُوطَأْ بِمنْسِمِ
قوله (يصانع) معناه يترفق ويداري. وقوله (يضرس بأنياب): يمضغ بضرس. و (يوطأ بمنسم)
وهذا مثل، يقال: طأني بظلف وكلني بضرس. والمنسمان: الظفران في صدر خف البعير. يقال
وطئته فأنا أطؤه وطئا، مثل وضعا. ويقال: نعوذ بالله من طئة الذليل. وقال أبو جعفر: قوله ويوطأ
بمنسم، معناه يذل، كقول الفرزدق:
هنالك لو تَبعِي كُليبا وجدتَهاأذلَّ من القِردان تحت المناسمِ
ويصانع جزم بمن، ومن مرفوعة بما عاد من يصانع، ويضرس جواب الجزاء، ويوطأ نسق عليه.
ومَنْ يَجْعَلِ المعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهيَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
معناه من اصطنع المعروف إلى الناس وقى عرضه. و (العرض): موضع المدح والذم من الرجل.
يقال إنه لطيب العرض، إذا كان طيب ريح الجسد. وقال بعضهم العرض: النفس. ولحسان بن ثابت:
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنهوعند الله في ذاكَ الجزاءُ
فإنّ أبى ووالدهَ وعِرضيلِعرض محمد منكم وِقاءُ
أراد: نفسي. والحديث الذي يروى في أهل الجنة، انهم (لا يتغوطون ولا يبولون، إنما هو عرق
يجري من أعراضهم مثل المسك)، معناه من أجسادهم. وقوله (يفره) يجعله وافرا. ويقال وفرت ماله
وعرضه فأنا أفره، وقد وفر مال بني فلان يفر وفورا. ويقال أرض وافرة: لم تحش ولم ترع.
ويجعل مجزوم بمن، واللام كسرت لاجتماع الساكنين، ويفره جواب الجزاء علامة الجزم فيه سكون
الراء. وكان الأصل فيه يوفره، فحذفت الواو لوقوعها بين الكسرة والياء، كما حذفت من يزن ويلد.
وقال الكسائي: حذفت الواو فرقا بين الواقع وغير الواقع: فالواقع قولك يزن الأموال ويلد الأولاد،
وغير الواقع وجل يوجل ووحل يوحل.
سئمِتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعِشْثمانينَ عاماً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ
قال يعقوب: سئمت ما تجيء به الحياة من المشقة. يقال: عليّ من هذا الأمر تكلفة، أي مشقة. ويقال
سئمت من الشيء فأنا أسأم منه سأما، وسأمة ساكنة الهمزة، وسآمة بألف بعد الهمزة. ومثله رأفة
ورآفة، وكأبة وكآبة، حكاهن الفراء، وأنشد:
لما رأيتُ إنه لاقامهوأنَّني ساق على السآمه
نزعت نَزعاً زَعزعَ الدِّعامه
ومعنى سئمت مللت. قال لبيد:
ولقد سئمتُ من الحياة وطولهاوسؤالِ هذا الناسِ كيف لبيدُ
وقال أبو جعفر: سئمت تكاليفي في الحياة.
والثمانين نصب بيعش، والحول نصب على التفسير، والأب منصوب بلا على التبرئة، ولك خبر
التبرئة، وهذه اللغة العالية، وهي مبنية على لغة الذين يقولون قام أباك وأكرمت أباك ومررت بأباك.
ويقال لا أب لك على لغة الذين يقولون قام أبك وأكرمت أبك ومررت بأبك. وأنشد الفراء:
فلا أبَ وابناً مثلُ مروانَ وابنهِإذا ما ارتدى بالمجد ثم تأزّرا
رَأَيْتُ المنَايَا خَبْطَ عَشْواءَ مَنْ تُصِبْتُمِتْهُ ومَن تُخْطئْ يُعمَّرْ فَيَهْرَمِ
قال يعقوب: (خبط عشواء) معناه تعشو فلا تقصد، فمن أصابته قتلته. يقال عشا يعشو عشوا، إذا
جاء على غير بصر. ومنه قوله:
متى تأتهِ تعشو إلى ضوء نارِهتجدْ خير نارٍ عندها خيَرُ مُوقِدِ
أي تأته على غير قصد. وقد عشى يعشى عشىً، إذا أصابه العمى. ورجل أعشى وامرأة عشواء
ممدود. قال: وسمعت الكلابي يقول: فتنة عشواء، أي اتسعت حتى ليس لأحد تخلص منها. ويقول
الرجل للآخر: استعشيتني على القوم، وذلك أن تخبرهم أن له عندهم طلبة وليس له عندهم طلبة،
فيظلمهم بلسانه أو يده. ويقال لا تعاش عليَّ، وذلك إذا رأى منه ميلا عليه وليس له قبله حق. وقال
أبو جعفر في قوله (رأيت المنايا خبط عشواء): هو مثل، معناه أن المنايا تأتي بما لا تعرفه، فمن
أصابته أماتته، فكأنها ناقة عشواء لا تبصر، وقد ندت فهي تقتل من أصابته.
والمنايا اسم رأيت، وخبط عشواء خبرها، والمعنى كخبط عشواء.
ومَهْمَا تَكُنْ عِندَ امرئٍ مِنْ خَلِيقَةٍوَلوْ خَالَها تَخْفَى عَلى النَّاس تُعْلَمِ
قوله (ومهما) معناه وما تكن عند امرئ. فأرادوا أن يصلوا ما بما التي يوصل بها حروف الجزاء
كقولك إما، ومتى ما، فثقل عليهم أن يقولوا ماما؛ لاستواء اللفظين، فأبدلوا من الألف الأولى هاء
ووصلوها بالثانية فقالوا مهما. وقوله (ولو خالها) معناه ولو ظنها. وقال يعقوب: معناه أن الرجل
سيلبس رداء عمله. والهاء والألف اسم خال، والخبر ما عاد من تخفى.
وَأَعْلَمُ مَا في اليَوْمِ والأَمْس قَبْلَهوَلكنَّني عَنْ علْمِ ما في غَد عَمِى
قوله (عمى) معناه غبي عنه جاهل. يقال رجل أعمى القلب وعمى القلب. والأمس نسق على اليوم.
وسبيل أمس أن يكون مكسورا إذا كان معرفة لا ألف ولا لام فيه، كقولك: مضى أمس ورأيته أمس.
فإذا دخلت عليه الألف واللام عرب بوجوه
الإعراب، كقولك مضى الأمس بما فيه، ولقيته الأمس،
وربما أدخل عليه الألف واللام وترك على كسره، كقول الشاعر:
وإني حُبِستُ اليومَ والأمسِ قبلهببابكَ حتَّى كادت الشمسُ تغربُ
وإنما الزم الكسر إذا كان معرفة لا ألف ولا لام فيه، لأن أصله عندهم الأمر؛ كقولك: أمس عندنا يا
رجل، فلما سمى به الوقت ترك على كسره. والأصل في (غد) غدو، فحذفت الواو وعربت الدال.
قال لبيد:
وما الناس إلاّ كالدّيار وأهلِهابها يومَ حلُّوها وغَدْواً بلاقعُ
وقال ابن أحمر:
أغَدْواً واعَدَ الحيُّ الزِّيالاوشوقاً لا يبالي الحيُّ بالا
تمت قصيدة زهير بغريبها
وهي تسعة وخمسون بيتا
وتتلوها قصيدة عنترة
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع