من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الأول
﷽
صلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد
قال أبو الطيب يمدح الأمير الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان عند نزوله إنطاكية، (ومنصرفه) من الظفر بحصن برزويه، في جمادى الأخيرة من ستة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وهي أول ما أنشده. رحم الله الجميع بمنه.
وفاؤُكما كالرَّبعِ أشْجاهُ طاسِمُهبأن تُسْعِدا والدَّمعُ أشْفَاهُ ساجِمُهْ
يقول: وفاؤكما لي بالإسعاد على الحب كهذا الربع، الذي أشجاه
للنفس ما ذهب من آثاره، وعفا من رسومه، ووفاؤكما كذلك، وإذا عدمت إسعادكما جلست استشف بالدمع الذي هو جنة المحزون. وأشفاه ساجمه كما أن وفاؤكما أشجاه للنفس ذاهبه.
وما أنا إلاّ عاشقُ كُلُّ عاشقٍأعقُّ خَلِيْلَيْهِ الصَّفَّيينِ لائِمُهُ
ثم قال، مبيناً لعذره، وطاعناً على صاحبيه في لومه: وما أنا إلا عاشق يريد: أنه كمن تقدمه من العشاق، وكل عاشق خليليه المصافيين الذي يؤثر لومه، ويستجيد عذله، فلا شكر ما أكرهه من لومكما، وأرغبه من إسعادكما.
وقد يَتَزَيا بالهَوَى غَيْرُ أهْلِهِوَيَسْتَصْحِبُ الإنْسَانُ من لا يُلائِمُهْ
ثم أكد ملامة صاحبيه، بأنهما منعاه ما يمكنهما من إسعاده، بظاهر يتكلفانه له وإن لم يعتقداه بالهوى أهله، ويستصحب الإنسان من لا يوافقه على رأيه.
بَلِيْتُ بِلَى الأطْلالِ إنْ لَمْ أقِفْ بهاوُقوفَ شَحِيْحٍ ضَاعَ في التُّرْبِ خَاتِمُهْ
ثم دعا على نفسه، مستبصراً في مذهبه، بأن يبلى بلى الأطلال
الدارسة، ويتغير تغير الرسوم العافية، إن لم يقف بديار أحبته، متتبعاً لها، ومعتنياً بها، وقوف شحيح ضاع خاتمه في الترب. واعتمد خاتمه؛ لأنه صغير الجرم، مهم الأمر،
فلصغره يخفى موضعه، ولاهتمامه يحب تتبعه. واشترط ضياعه في الترب ليكون تطلبه فيه، وهو موضع آثار الديار، ورسوم الأطلال.
كَئِيْبَاً تَوَقَّاني العَوَاذِلُ في الهَوَىكَمَا يَتَوَقَّى رَيَّضَ الخَيْلِ حَازِمُهْ
ثم يقول: إنه يقف في هذه الأطلال كئيباً محزوناً، يتوقاه عاذله، ويتخوفه لائمه، كما يتوقى الذي يحزم الفرس الريض صولته، ويحذر نفرته.
قِفي تَغْرَمِ الأولى مِنَ اللَّحْظِ مُهْجَتيبِثَانيةٍ وَالمُتْلِفُ الشَّيَء غَارِمُهْ
ثم خاطب محبوبته، فاستوقفها ليطلب لحظته الأولى لها، بمهجته التي أتلفتها؛ لأن المتلف غارم. واشترط اللحظة الأولى، يشير بذلك إلى تناهي
حسن محبوبته؛ لأن من أتلف في أول لحظة فهو من الحسن في أرفع مرتبة.
سَقَاكِ وَحَيانا بِكِ الله إنَّماعَلَى الْعِيسِ نَوْرُ والخُدُودُ كَمائِمُهْ
ثم دعا لمحبوبته بالسقيا، رعاية لها، وتمنى قربها، شغفاً بها، ثم مائل شيئين بشيئين أحسن مماثله؛ مثل الخدور المشتملة على أحببته بالأكمام المشتملة على النور، ومثل حسن أحببته بحسن النور، فماثل بين ساترين مستطرفين، ومستورين مستحسنين.
وما حَاجَةُ الأظْعَان حَوْلَكِ في الدُّجَىإلى قَمَرٍ ما واجدُ لَكِ عَادِمُهْ
ثم ذكر أن الأظعان حول محبوبته لا تحتاج إلى الاستنارة بقمر؛ لأنها تستغني بضيائها، وتستنير بحسنها، ولا يعدم القمر من وجدها.
إذا ظَفِرتْ مِنْكِ العُيُونُ بِنَظْرَةٍأَثابَ بها مُعْي المَطِيِّ وَرَازِمُهْ
ثم قال: إن العيون إذا ظفرت بلحظة من محبوبته أوجبت من النشاط، وبعثت من الفرج، ما يثوب معه إلى المعي نشطته، وإلى الضعيف قوته.
حَبيبُ كأنَّ الحُسْنَ كان يُحِبُّهُفَآثَرَهُ أوْ جَارَ في الحُسْنِ قاسِمُهْ
ثم وصف حبيبته بوفور الحظ من الحسن، حتى كأن الحسن أحبه، فخصه بجملته
وآثره في قسمته.
تَحُولُ رِمَاحُ الخَطَّ دُونَ سِبَائِهِوَيُسْبَى لهُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ كَرائِمُهْ
ثم قال: إن محبوبته من قوم أعزة، لا يطرح عدو في أن يسبي فيهم، ولا تعتصم كرائم غيرهم منهم، وإنها تأمن السبي، ويسبى لها كرائم الأحياء.
وَيُضْحَى غُبارُ الخْيلِ أدْنَى سُتُورِهِوآخِرُهَا نَشْرُ الكِبَاءِ المُلازِمُهْ
ثم ذكر: أن أدنى ستورها ممن أرادها غُبار خيول قومها، وأقربها منها دخان بخورها، فوصفها بأشد المنعة، وذكر أنها في غاية النعمة.
وَمَا اسْتَغْرَبَتْ عَيْني فِرَاقَاً رأيْتُهُولا عَلَّمَتْني غَيْرَ ما القَلْبُ عَالُمِه
ثم قال: إنه لم يستغرب ما طرقه به الدهر من فراق أحبته، لما تصرف فيه من حوادث الأيام وفجائعها، وإنما علم ما علم، وطرق بما عهد.
فلا يَتَّهِمْني الكَاشِحُونَ فَإننيرَعَيْتُ الرَّدَى حَتَّى حَلَتْ لي عَلاقِمُهْ
ثم قال: فلا يتهم الكاشحون قوله، ولا يستنكروا أمره، فقد تقلب في صروف الدهر وشدائده حتى استحلى مرة، واستسهل صعبه.
مُشِبُّ الذي يَبْكي الشَّبَابَ مُشِيْبُهفَكَيْفَ توَقَّيهِ وَبانْيهِ هَادِمُهْ
ثم ذكر تقلب الدهر بأهله، وتصريفه لهم بطبعه، وأنه الذي سر بالشباب وأبكى بالمشيب، فكيف توقيه! وإنما يهدم ما بناه، ويأخذ ما أعطاه.
وَتَكْملةُ العَيْشِ الصِّبَا وَعقِيْبُهُوغَائِبُ لَوْنِ العَارضَيْنِ وَقَادِمُهْ
ثم قال: إن العمر إنما تكملته بالصبا والكبر، والشباب والشيب، وإنها تتعاقب وتتداول؛ فالصبا أول، والكبر آخر، وسواد الشعر غائب، والشيب قادم.
وما خَضَبُ النَّاسُ البَياضَ لأنهُقَبِيْحُ ولكنْ أحْسَنُ الشَّعْرِ فَاحِمْهْ
ثم قال: إن الشيب لم يخضب لقبحه، ولا استحسن سواد الشعر لنفسه، ولكن الشيب ذل على انقضاء العمر فاستكره، وأطمع فاحم الشعر في العيش فاستحسن.
وأحْسَنُ مِنْ ماءِ الشَّبِيْبةَ كُلِّهِحَيَا بارٍقٍ في فازَةٍ أنا شائِمُهْ
الحيا: الغيث الذي تحي به الأرض، والبارق: السحاب الملمع، والشائم الذي يرقب موضع الغيث، والفازة القبة.
وكان سيف الدولة قد اصطنع فازة ديباج فوصفها أبو الطيب في هذا الشعر، وتسبب، فقال: إن أحسن من ماء الشبيبة الذي اجتمع الناس على الكلف بوقته، والأسف لفقده، جود يشبه الغيث بكثرته، لملك يخلف السحاب بكرمه، نشيمه: أي: نرقبه من قبة، وننتجعه من فازة وأشار بذلك إلى كرم سيف الدولة الممدوح، وجعله حياً على الاستعارة.
عَلَيْها رِياضُ لم تَحُكْهَا سَحَابةُوأغْصَانُ دَوْحِ لم تَغَنَّ حَمَائِمُهْ
ثم وصف الفازة، فشبه أثوابها بقطع الرياض، إلا أن أمثلة زهراتها لم تحكه أيدي السحاب، وأغصان شجرها مخالفة لأغصان سائر الشجر؛ لأنها لا تتغنى حمائمها، ولا تتجاوب طيورها. فأومى بهذا الاشتراط إلى أنها صور ممثلة، وصناعات مؤلفة، وهذا من البديع يعرف بالإيماء والإشارة.
وَفَوْقَ خَواشي كُلِّ ثَوْبٍ مُوَجَّهِمِن الدُّرِّ سِمْطُ لم يُثَقّبْهُ نَاظِمُهْ
السمط: السلك المغلق المنظوم، والموجه: المستقبل.
ثم ذكر: أن كل ثوب يستقبل من هذه الفازة فوق حواشيه سموط لآلئ تجتمع غير مثقوبة، وتتآلف غير منظومة، يومئ بهذا الاشتراط إلى أنها لآلئ أمثلة لا لآلئ حقيقة.
تَرَى حَيِوانَ البَّرَّ مُصْطَلحَاً بهايُحَاربُ ضِدُّ ضِدَّهُ ويُسَالُمهْ
ثم ذكر ما تشتمل عليه أثواب هذه الفازة من التصاوير، وأن الأضداد من حيوان البر تبدو فيها إذا سكنت مصطحبة متسالمة، وإذا اضطربت مختلفة متواثبة.
إذَا ضَرَبَتْهُ الرَّيحُ مَاجَ كأنَّهتَجُولُ مَذَاكِيهِ وَتَدْ أي ضَراغِمُه
المذاكي: الخيل المسنة، وتدأي: تتهيأ للوثوب، والضراغم: الأسد.
ثم يقول: إذا حركت الريح شيئاً من هذه الأثواب، أراك المذاكي من خيله في هيئة المتجاولة، والضراغم من أسده في هيئة المتصاولة.
وفي صُورةِ الرّوميِّ ذي التَّاجِ ذِلَّةُلأبْلَجَ لا تيجَانَ إلاَّ عَمَائِمُهْ
الأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وهو من صفات السادة.
فيقول: إن في أمثلة ذلك الديباج صورة سيف الدولة، وصورة ملك الروم وقد تخاضع له، وتذلل على عادته، وأن ملك الروم، وإن كان متوجاً فإن التيجان في الحقيقة العمائم التي هي زي سيف الدولة، وأن أرفع الزي زي من تكون له الغلبة، وتعرف فيه القدرة.
تُقَبِّلُ أفْواهُ المُلُوكِ بِساطَهُوَيكْبُرُ عَنْها كُمُّهُ وَبَراجِمُهْ
البراجم: رؤوس السلاميات من ظاهرة الكف، إذا قبض القابض يده نشزت وارتفعت، واحدتها برجمة.
ثم أخذ في مدحه، ووصف حاله، فقال: إن الملوك يتواضعون عن تقبيل
يده وكمه، ويقتصرون على تقبيل بساطه، إعظاماً لقدره، واعترافاً بفضله.
قِياماً لمن يَشْفي مِنَ الدَّاءِ كَيُّهُومِنْ بَيْن أذْني كُلِّ قَرْمٍ مواسِمُهْ
ثم ذكر أن الملوك يقومون بين يديه إعظاماً له، وأن أدبه يبصرهم من جهلهم، ويشفيهم من دائهم، وأن ملكه لقرومهم وذوي الأقدار منهم، يقوم مقام السمة بين آذانهم، والوشم في الأعناق والأيدي غاية استدلال المالك لمن ملكه، وقد فعل ذلك الحجاج بقوم من عجم السواد؛ ولذلك قال الفرزدق في بعض من طعن على نسبه من العرب:
لو كانَ حيَّاً لَهُ الحَجَّاجُ ما وُجِدَتْكَفَّاهُ سَالِمةً من نَقْشِ حَجَّاجِ
قَبَائِعُها تَحتَ المَرَافِقِ هَيْبَةَوأنْفَذَ مِمَّا في الجُفون عَزَائِمُهْ
القبائع: رؤوس السيوف، واحدتها قبيعة.
ثم ذكر أن الملوك لإعظامها له، تعتمد بين يديه على قبائع سيوفها، وعزائمه أنفذ مما في جفونها.
لَهُ عَسْكرا خَيْلٍ وطَيْرٍ إذا رَمَىبَها عَسْكَراً لم تَبقَ إلاَّ جَمَاجِمُهْ
ثم ذكر أن الطير تصحب خيله اعتياداً لكثرة وقائعها، على نحو قول النابغة.
إذا ما غَزَوا بالجيشِ حلق فوقهمعصائب طير تهتدي بعصائب
فكأنها لملازمتها عسكره من عديد جيشه وحشمه، فإذا رمى عسكراً بخيله وطيره أهله، ولم يبق منه غير جماجم أهله.
أجِلَّتُها من كُلَّ طَاغٍ ثَياُبُهوَمْوطُئَها مِنْ كُلَّ بَاغٍ مَلاَ غُمهُ
ثم ذكر قدرته على أعاديه، واستعلاءه على مخالفيه، فقال: إن جلال خيله من ثياب طغاتهم، وماطئها ملاغم أفولههم، مشيراً بذلك إلى قتلهم، والملاغم: ما حول الفم، وليس تتم الصفة التي ذكر إلا بعد الإمعان في قتلهم، وإهلاكه لهم، وبلوغ الغاية في الظهور عليهم.
فقد مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ مِمَّا تُغِيُرهوَمَلَّ سَوادُ الليلِ مِمَّا تُزَاحِمُهْ
ثم ذكر: أنه لا يزال يغير في الصبح، ويسري في الليل، ويطاعن بالرماح حتى تتكسر صدورها، ويلاطم بالسيوف حتى يملها.
ومَلَّ القَنَا مِمَّا تَدُقُّ صُدُورومَلَّ حَدِيدُ الهْنِدِ مِمَّا تُلاَطُمهْ
سَحَابٌ مِنَ العِقْبَانِ تَزحَفُ تَحْتَهَاسَحَاب إذا اسْتَقَتْ سَقَْتَها صَوَارِمُهْ
ثم وصف جيوشه وكثرتها، وصحبة الطير لها وملازمتها، فشبه العقبان لكثرتها بسحائب مستعلية، تحتها سحاب من جيوشه، إذا استسقت سقتها سيوفه من ماء أعدائه، وألحمت طيوره أجسادهم وحذف من هذا في لفظه ما دل عليه بإشارته.
سَلَكْتُ الدَّهْرِ حَتَّى لَقِيْتُهُعَلَى ظَهْرِ عَزْمِ مُؤْيدَاتٍ قَوَائمُهُ
المؤيدات: المثقلات.
ثم ذكر نفسه: أنه سلك صروف الدهر بتقلبه فيهان حتى لقي سيف
الدولة ممتطياً لعزم قد أثقل وفوره قوائمه. وجرى هذا على سبيل. الاستعارة.
مَهَالِكَ لم تَصْحْب بَهَا الذَّئبَ نَفْسُهُولا حَمَلتْ فيِهَا الغُرابَ قَوادُِمهْ
ثم وصف ما تقلب فيه من خطوب الدهر، قبل لقائه سيف الدولة، التي لا تصحب الذئب فيها نفسه مع جراته عليها، ولا تحمل الغراب فيها قوادمه مع اعتياده لها.
والقوادم: صدور ريش جناح الطائر، أربع في كل جناح.
فَأَبْصَرْتُ بَدْراً لا يَرَى البَدْرُ مِثْلَهُوخَاَطْبُت بَحْراً لا يَرَى العْبَر عَائِمْ
عبر النهر: شطه.
ثم ذكر: أنه من سيف الدولة؛ ممدوحه، بدر كرم، ومولى نعم، يستعظم البدر أمره، ويقصر دونه، ولا يعهد مثله، وخاطب بحراً لا يبصر العائم شطه، ولا يدرك الناظر ساحله.
غَضِبْتُ لَهُ لَمَّا رَأيتُ صِفاتِهِبِلاَ وَاصفٍ والشَّعر تَهْدي طَمَاطُمة
الطماطم: أصوات لا يستبين لفظها.
ذكر: أنه غضب له من جلالة أوصافه، وتقصير وصافه، وشبه ما كان يمدح من الشعر قبله بالطماطم، التي هي أصوات لا تفهم، واختلاطات لا تعلم، فوجه إلى قصده عزمه، وأعمل في امتداحه نفسه.
وكُنْتُ إذَا يَمَّمْتُ أرْضَاً بَعِيدةسَرَيْتُ فَكُنْتُ السِّرَّ واللَّيْلُ كَاتِمُهْ
يقول: إنه لنفاذ عزمه، وشدة جلده، إذا قصد أرضاً بعيدة إدرع الليل، والليل، واستتر به، وواصل السرى فيه، وكان موضعه من اشتمال الليل عليه، والخفاء فيه، موضع السر من حامله، والضمير المصون من كاتمه.
لَقَدْ سَلَّ سَيَّفَ الدَّوْلةِ المْجْدُ مُعْلِماًفَلاَ المَجْدُ مُخْفِيهِ ولا الضَّرْبُ ثَالُمِهْ
ثم أخذ في المدح، فقال: إن المجد قد أعلم سيف الدولة، مباهياً بجلالته، وواثقاً بصرامته، فلا المجد يخفيه لتزيينه بموضعه، ولا الضرب يتلثمه لحسبه وكرمه.
عَلَى عاتِقِ المُلْكِ الأغَرِّ نِجَادُهُوفي يَد جَبَّارِ السَّماواتِ قائِمُهْ
ثم أخذ له صفات من اسمه، أبان بها جلالة قدوه، فقال: إنه من الملك في أرفع مواضعه، ومن تأيد الله ﷿ في المحل الذي تمضيه فيه يده، وإذا كان كذلك، اكتنفه نصرهن وساعدته أقداره.
تُجارِبُهُ الأعْدَاءُ وَهْيَ عِبَادُهُوَتَدَّخِرُ الأمْوَالَ وَهْيَ غَنَائِمُهْ
ثم قال: الأعداد تحاربه وهي عباده، والعباد: جمع عبد على قياسه. لأن قدرته عليهم قدرة المالك على عبده، وتدخر الأموال وهي غنائم له؛ لأنها غير ممتنعة عليه.
وَيَستْكْبِرُون الدَّهْرُ والدَّهْرَ دُونهوَيَستْعظمون الموتَ والموتُ خَادُمِهُ
ثم قال: فمالهم يستكبرون الدهر، الدهر دونه؛ لأنه مستعمل بحسي إرادته، تقرب له فيه السعادة بغيته، ويسهل عليه الإقبال رغبته، وكذلك يستعظمون الموت، الموت يخدمه؛ لأنه يفني أعداءه، ويبتر أعمارهم، ويقلل عددهم، وييسر الله ذلك له، وينتقم من أعدائه به.
وإن الذي سَمَّى عَلِيَّاً لَمُنْصِفُوإنَّ الذي سَمَّاهُ سَيْفاً لَظَالِمُهْ
ولما ذكر أن الدهر طوعه، والموت معينه، قضى بالظلم على من سماه سيفاً؛ لتقصر السيف عنه، وبالإنصاف على من سماه علياً؛ لمشاكلة العلو له، وجعل هذا الاسم، وإن كان علياً علماً مخصوصاً، صفة مشتقة له، تشاكل حاله، وتوافق حقيقته.
وما كُلُّ سَيْفِ يَقْطَعُ الهامَ حَدُّهُوتَقْطَعُ لَزْبَاتِ الزَّمَانِ مَكَارِمُهْ
ثم أكد ذلك بقوله: أنه لا يوجد سيف غيره يقطع الهام حده، ويوجب الخصب
فضله، وتقطع لزبات الزمان مكارمه، وهي الشدائد، فبين أن فضله على السيف فضل ظاهر، وشرفه عليه شرف بين، وأنه يقصر عنه، ويتواضع دونه.
وقال يمدحه، وقد عزم الرحيل عن إنطاكية:
أيْنَ أزْمَعْتَ أيُّهذا الهُمَامُنَخْنُ نَبْتُ الرُّبَا وأنْتَ الغَمَامُ
المزمع: المعتزم، والربا: جمع ربوة، وهي الأكمة.
فيقول: أين أزمعت على الرحيل عنا أيها الملك، ونحن الذين أظهرتهم نعمك، إظهار الغمام لنبت الربا، وهو من آنق النبت، ولذلك ضرب الله تعالى المثل به، فقال تعالى: (ومَثَلُ الذينَ يُنْفِقونَ أمْوَالَهم ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله وتَثْبِيتاً من أنْفُسِهم، كَمَثلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصَابها وابلُ).
وهو مع ذلك أقرب النبت موضعاً من الغمام، وأشده افتقاراً إليه، لأنه لا يقيم فيه، ويسرع الانسكاب عنه، ولهذا شبه أبو الطيب حاله به.
نَحْنُ مَنْ ضَايَقَ الزَّمانُ له فيكَ وخَانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ
ثم ذكر: أن الزمان ضايقه في الاقتراب من سيف الدولة، ولم يسمح له به، وخانته الأيام فيه؛ لاتصال حركاته، وكثرة غزواته.
في سَبيل العُلاّ قِتَالُكَ والسلمُ وَهَذا المُقامُ والإجْذَامُ
السلم: الصلح، وأوله يكسر ويفتح، فمن كسره ذكره، ومن فتحه أنثه، والإجذام: الإسراع.
فيقول: إن قتال سيف الدولة وسلمه، وإقامته ورحلته في طريق المجد وسبيل الكرم، وإنه لا يألف من ذلك إلا ما شرف قدره، وأظهر فضله.
ليْتَ أنا إذا ارتَحَلتْ لَكَ الخَيْلُوَأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيَامُ
ثم قال: ليت أني ومن يتصل بي نتحمل من مئونتك ما تتحمله الخيل عند رحلتك، وننوب في صيانتك عن الخيام عند إقامتك، رغبة في الشرف بقربك، والقضاء لحقوق فضلك.
كُلَّ يَوْمٍ لَكَ احتِمَالُ جَديدُوَمَسيرُ للمَجْدِ فيه مُقامُ
ثم ذكر: أنه لا ينفك من مرحلة وغزوة، يرفه المجد فيها بتعبه، ويجمه بتمونه،
فيوجب ذلك انفراده به، واجتيازه له، ولقد أبدع بالمطابقة بين المسير والمقام.
وإذَا كانَتِ النُّفُوسُ كِبَارَاًتَعِبَتْ في مُرَادِهَا الأجْسَامُ
ثم قال: وإذا عظمت النفوس، وارتفعت الهمم، سهل في مرادها الشديد، وقرب البعيد، وتعبت الأجسام، الأجسام، واستكره المقام.
وَكَذا تَطْلُع البُدُورُ عَلَيْنَاوَكَذَا تَقْلَقُ البُحُورُ العِظَامُ
وكذلك البدور إنما تطلع علينا سائرة، وتبدو لأعيننا راحلة، والبحر يمد ويحشر، ويهيج ويضطرب، فبين أن من عظم شأنه، كثر تمونه، ولم يستقر به موضعه، والبدور جمع بدر، وكأنه جعل بدر كل شهر بدراً على حياله.
ولَنَا عَادَةُ الجَميلِ من الصَّبرِلَو أنَّا سِوَى نَوَاكَ
ثم يقول: نحن أهل الصبر والحفاظ، والمعتادون لذلك، لو أننا
نطرق بغير نواك، ونعرض لغير بعدك، ولكن ذلك مما يخذل الصبر فيه محاولة، ولا يسعد عليه طالبه.
كُلُّ عَيشٍ ما لَمْ تُطِبْهُ حِمَامُكُلَّ شَمْسٍ ما لَمْ تَكُنْهَا ظَلامُ
ثم بين ذلك، بأن ذكر: أن العيش في غير جنبته موت، والحياة إذا لم تطب بقربه حمام، والشمس إذا لم تتأيد بضيائه ظلمته، والنهار إذا لم يستمد ببهجته سدفة، ومن كانت هذه حاله، فالصبر معدوم عند فقده.
أزِلِ الوَحْشَةَ التَّي عِنْدَنا يامَنْ بِهِ يأنَسُ الخميسُ اللُّهَامُ
الخميس: الجيش، واللهام: الذي يلتهم الأرض بكثرته، والالتهام: الابتلاع.
فيقول: أزل بقدومك علينا الوحشة التي أوجبتها رحيلك عنا، يا من بموضعه يأنس الجيش الكثير، والذي يعتد الجيش بشجاعته أكثر من اعتداده بجماعته. وأبدع بالمطابقة بين الأنس والوحشة.
والذي يَشْهَدُ الوغى سَاكِنَالقلْبِ كأنَّ القِتَالَ فِيها ذِمَامُ
ثم قال: والذي يشهد الحرب، رابط الجأش، ثابت النفس، غير
حافل بشدتها، ولا مشتغل بمخوف عاقبتها، حتى كأن قتاله فيها ذمام يقضيه، وفرض يؤديه.
والَّذي يَضْرِبُ الكَتَائبَ حَتَّىتَتَلاقَى الفِهَاقُ والأقدَامُ
الفهاق: جمع فهقة، وهو العلم الذي يكون على اللهاة.
ثم ذكر: أن السيف الدولة يضرب كتائب أعدائه، حتى تطأ الأقدام فهاق فرسانها، فتتلاقى حينئذ. وأشار بذلك إلى قتلهم، وسقوط رؤوسهم عن أجسادهم.
وإذَا حَلَّ سَاعَةً بِمَكانٍفَأذَاهُ عَلَى الزَّمانِ حَرَامُ
يريد: أن سيف الدولة إذا حل ببلد أقل إحلال، أجاره على الدهر، وكشف عنه صروفه، وحرم عليه أذاه، وأمن ببركته، وجانبه المكروه بسعادته.
والذي تُنْبِتُ البِلادُ سُرُورُوالَّذي تُمْطِرُ السَّحَابُ مُدَامُ
ثم قال: فكأن السرور نبات ذلك البلد لكثرته فيه، وكأن المدام سحابه؛ لظهور فرح أهله به.
كُلَّما قِيلَ قَدْ تَنَاهَى أَرَانَاكَرَماً ما اهْتَدت إليه الكِرامُ
يريد: أنه يبلغ في الكرم ما لا ترتقب الزيادة فيه، ويفعل منه كل ما تنتهي المعرفة إليه، فإذا قيل هذا غاية الكرم، أبدع فيه ما لا عهد لأحد بمثله، ولا يبلغه كريم بجهده.
وَكِفَاحاً تَكِعُّ عنهُ الأعَاديوارْتيَاحاً يَحَارُ فيه الأنامُ
ثم قال: وكذلك يظهر في الحرب جلاداً تنكص الأعداء منه على أعقابها، وتفر منه على وجوهها، ثم ذكر أنه يرتاح للكرام ارتياحاً، تحار العقول فيه، وتعجز الأنام عنه.
إنَّما هَيْبَةُ المُؤمَّلِ سَيْفِ الدْدَولَة المُلْكِ في القُلوبِ حُسَامُ
فَكَثيرُ مِنَ الشُّجاعِ التَّوَقِّيوَكَثيرُ من البليغِ السَّلامُ
ثم ذكر: أن في القلوب من هيبته، ما يشبه السيف في نفاذه، ثم قال: فالشجاع مقصر عن مباطشته، وكثير له توقيه، والبليغ منقطع عن مفاتحته، ويستعظم لفه أن يسلم عليه.
وقال عند مسيره عنها:
رَوَيْدَكَ أيُّها المَلِكُ الجُليلُتأيَّ وَعُدَّهُ مِمَّا تُنِيلُ
يقول: تمهل أيها الملك في رحيلك، وترفق في سيرك، واجعل ذلك مما تعتد به في نوالك، عند أهل بلدك، وهباتك للمشتملين بنعمتك.
وَجُودُكَ بالمُقامِ وَلَوْ قَليلاًفَمَا فِيما تجودُ بِهِ قَليلُ
وقال: وجودك في أن يقيم، ولو قليلاً، فيه بقربك، وإن كان لا قليل فيما تنيله، ولا يسير فيما تسمح به.
لأكْبِتَ حَاسِدَاً وأرَي عَدُوَّاًكأنَّما وَداعُكَ والرَّحيلُ
يقول له: ترفق في رحيلك؛ لأكبت بذلك حاسداً يشبه وداعك، وعدواً يشله رحيلك، فشبه الحاسد بالوداع، وكلاهما ذو ظاهر ولا حقيقة له، والعدو بالرحيل، وكلاهما معلن بمكروهه، فشبه شيئين بشيئين أصح تشبيه، وهذا أرفع وجوه البديع.
وَيَهْدَأ ذا السّحَابُ فَقَدْ شَكَكْنَاأتَغْلِبُ أمْ حَياهُ لكمْ
ثم سأله انتظار سكون المطر وهدوئه، إذ قد افضل منه ما لا يشبه جود الممدوح، حتى شككه في من يستحقه من الفريقين؛ تغلب قومه أم خيا السحاب الذي هو يشبهه.
وَكُنْتُ أَعِيبُ عَذْلاَ في سَمَاحٍفها أَنا في السَّمَاحِ لَهُ عَذُولَ
ذكر: أنه كان يعيب العذل في السماح حتى رأى جود الممدوح، فرأى من إفراصه، ما أوجب عليه أن يأتي في عذله على جوده، ما كان ينهى عنه
وَمَا أَخْشَى نُبُوَّكَ عن طَريقٍوَسَيْفُ الدَّوْلةِ اَلْماضِي الصُّقِيل
ثم قال: إنه لم ينهه عن الرحيل في المطر إلا رغبة في الاستكثار منه، لا خوفاً لنبوه عن وحل الطريق وخصوبته، فهو سيف الدولة الماضي حده، الصقيل متنه.
وَكُلُّ شَوَاةِ غِطْريفٍ تَمَنَّىلِسَيْرِكَ أَنَّ مَفْرِقَهَا السَّبِيلُ
يريد: أن الطريق تتشرف به، وتأتي على جمع الوجوه له. حتى أن رؤوس السادة
تود أن مفارقها بدل من طرقه، لتزداد شرفاً بسيره فيها، ورفعة باقترابه منها.
وَمثل العمق مملوء دماءمشت بك في مجاريه الخيول
يقول: ما أخشى نبوك عن هذه الوادي المعترض لك، ولو أنه مليء من دماء وقائعك، فمشت بك خيولك في مجاريه، فكيف أخشى عليك سيله.؟
إذَا اعتادَ الَفتَى خوض المنايافأهون ما يمر به الوحول
ثم قال: إن من اعتاد أن يخوض غمرات المنايا، فأهون ما يعانيه خوض الماء والطين؛ وهما الوحل.
ومن أمر الحصون فما عصتهأطاعته الحزونة والسهول
قال: من أطاعته الحصون الممتنعة فأفتتحها، والقلاع المتصعبة فتملكها، أطاعته لا محالة حزون الطرق وسهولها، وتمكن له قريبها وبعيدها.
أًتَخْفُرُ كُلَّ مَنْ رَمَتِ اللْياليوَتُنْشِرُ كُلَّ دَفَنَ الخُمُولُ!
قال: أتجير كل من رمته الليالي بصروفها، وقصدته بخصوبها، وتحيي كل من سقط ذكره، ودفنه خموله، فتجير ذلك بحمايتك له، وتحيي هذا بإكرامك إياه.
وَنَدْعُوكَ الُحسَامَ وهَلْ حُسَامٌيَعِيْشُ بِهَ مِنَ الموتَ القَتِيل!
قال وندعوك سيفاً، والسيف يعدم الحياة، وأنت تعيده، وهو يتلفها، وأنت تهبها، فكيف نسيمك بما فعلك ضد فعله، وقدرك فوق قدره؟.
وَمَا لِلسَّيْفِ إِلا القَطْعَ فِعْلُوأَنْتَ القَاطِعُ البُرُّ الوَصُولُ
قال: وما للسيف فعل غير قطعه، وأنت تقطع أعاديك، وتصل مؤمليك وتسر قصادك، وتحوط رعيتك فتشركه في أرفع أحواله، وتنفرد دونه بأرفع أحوالك أجل أوصافك.
وأنت الفارس القوال صبراًوقد فني التكلم والصهيل
يقول: أنت الفارس الثابت النفس، الرابط الجأش، الداعي إلى الصبر، إذا طاشت
العقول، وخرست الألسن، فلم يقدر الأبطال على الكلام، ولا الخيل على الصهيل.
يَحِيْدُ الرُّمْحُ عَنْكَ وفيهِ قَصْدُوَيَقْصُرُ أَنْ يَنَالَ وفيهِ طُولُ
ثم قال: إن في هذا المقام تنهبك الأبطال، فتحيد رماحهم عنك مع استقامتها، وتقصر عن أن تنالك مع طولها؛ يريد: أنه لا يتعاطى الفرسان مطاعنته، ولا تمثيل مقاومته.
فلو قَدَرَ السَّنَانْ على لِسَانٍلَقَالَ لَكَ الَسنَانُ كَمَا أَقُولُ
يقول: فلو أن سنان الرمح ينطق، لصدق ما أصفه من هيبته لك، ولقال بمثل ما أقول من ذلكن لترفيعه بك.
وَلَوْ جَازَ الخُلودُ خَلَدْتَ فَرُدَاًولَكِنْ لَيْسَ للدُّنْيَا خَليلُ
يقول: ولو أن الدنيا خلدت أحداً لتزينها بهن وما جمعه الله من الفضائل لكنت أنت ذلك المخلد، لعلو قدرك، وجلاله أمرك، ولكن الدنيا ليس لها خليل تؤاخيه، ولا أحد تبقيه وتصافيه.
وتوفيت لأن سيف الدولة بما فارقين، وورد خبرها إلى حلب، وأبو الطيب بإنطاكية، فقال هذه القصيدة، وأنشدها سيف الدولة بحلب في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
نُعِدُّ المَشْرَفِيَّةَ والعَوَاليوتَقْتُلُنا المَنُونُ بلا قِتَال
يقول: نعد صوارم السيوف، وعوالي الرماح، لمنازلة الأعداء، ومدافعة الأقران، وتحترمنا المنية دون قتال أو نزال، لا يمكننا حذارها، ولا يتهيأ لنا دفاعها.
وَنَرْتَبطُ السَّوابِقَ مُقْرَبَاتٍومَا يُنْجينَ مِنْ خَبَبِ اللَّيالي
قال: ونرتبط عتاق الخيل وسوابقها، ونكرمها باستقراب مرابطها، وهي مع ذلك لا تعصمنا بجهدها واستفراغها من عقوبة الدهر لنا، وخبب لياليه في آثارنا، بل ذلك العفو يغلب جهدها، ويعجز أبعد غايات سعينا.
وَمَنْ لم يَعْشَقِ الدُّنْيَا قَديماًوَلَكِنْ لا سَبيلَ إلى الوِصالِ
يقول: إن النفوس مجبولة على عشق الدنيا، مع التيقن بسرعة
زوالها، والتحقق لامتناع وصالها وإن سرورها يعقبه الحزن، وحياتها يقطعها الموت.
نَصِيْبُكَ في حَيَاتِكَ مِنْ حَبيبٍنَصِيبُكَ في مَنَامِك من خَيَال
يقول: إن نصيب الإنسان من وصال حبيبه في حياته، كنصيبه من وصال خياله في منامه؛ لاتفاق الأمرين في سرعة انقطاعهما، واشتباههما في صحة زوالهما، وإن الحالين كلاهما يعدم، ويحدث عنه ويمتثل، فما ظنك بحق يشبه الباطل، ويقظة يشاكلها النوم.!
رَماني الدَّهْرُ بالأرزاءِ حتَّىفُؤادي في غِشاءٍ من نِبالِ
ثم ذكر: أن الدهر قصده بفجائعه، ورماه بمصائبه، واعتمده بسهامه، وأثبت فيه نصاله، حتى صار منها في غشاء يشمله، ووعاء يعمه.
فِصرْتُ إذَا أصَابتْني سِهامَتَكَّسَرتِ النَّصالُ على النِّصَالِ
قال: فهو إذا أصابه الدهر بخطب من خطوبه، وصرف من صروفه،
فإن ذلك
إنما يوافق مثله، ويفرع شكله، وكنى بنصال السهام عن اجتداد الخطوب، وقال: إن بعضها يكسر بعضاً في فؤاده، لتزاحمها فيه، وتكاثرها عليه.
وَهَانَ فَمَا أبَالي بالرَّزَايالأني ما انتفَعْتُ بأن أُبالي
قال: وهان، يريد: رمي الدهر له برزاياه، فحذف الرمي لدلالة قوله (رماني الدهر) عليه، وأضمر ثقة بما قدمه من التفسير؛ لأنه لما قدم وصف حاله، ورمي الدهر له، قال (وهان)، يريد: وهان ذلك، وإضمار ما يقدم ذكره حسن في الكلام، ثم ذكر أنه لا يبالي بما طرقه من الرزايا لتتابعها، فهو لا يجزع لها، لتيقنه أن الجزع غير نافع فيها.
وهَذَا أوَّلُ النَّاعِيْنَ طُرَّاًلأوَّلِ مَيْتَةٍ في ذَا الجَلالِ
كَأنَّ الموتَ لم يَفْجَعْ بِنَفْسٍوَلَمْ يَخْطُرْ لِمَخْلُوقٍ بِبِالِ
ثم قال: إن الناعي لأم سيف الدولة أول من نعى ميتة في شرفها، ومفقودة في مثل منزلتها، وإم المصيبة بها أنست المصائب، وبعثت من الحزن ما أفقد جميل الصبر، وأوجب أشد الجزع، حتى كأن الموت قبلها لم يفجع بنفس، ولا خطر ببال.
صَلاةُ الله خَالِقنَا حَنُوطُعلى الوَجْهِ المُكَفَّنِ بالجَمَالِ
ثم قال: رحمة الله ومغفرته حنوط هذه الميتة التي غيبها الجمال كما غيبها الكفن، وسترها كما سترها القبر.
عَلَى المَدْفُونِ قَبْلَ التُّرْبِ صَوْناًوَقَبْلَ اللَّحْدِ في كَرَمِ الخِلاَلِ
ثم قال: على التي كانت قبل أن تدفن في الترب دفينة في ستر الصيانة، وقبل أن تشتمل في اللحد مشتملة بالكرم والديانة، وأن شخصها وإن أبلاه الترب، وغيره الموت، فذكر كرمه جديد، وأثر فضله ظاهر، وشاهد إحسانه بين.
فإنَّ لَهُ بِبَطْنِ الأرْضِ شَخْصاًجَديداً ذِكْرُنَاهُ وَهو بَالي
وقال: (ذكرناه)، فوضع الضمير المتصل موضع الضمير المتصل، وقد ذكر سيبويه أن ذلك جائز في الشعر، وأنشد عليه:
همُ القائلون الخيرَ والآمِرُونَهُإذا ما خَشُوا من مُحْدَثِ الأمْرِ مُعْظَمَا
فوضع الهاء في قوله (والآمرونه) موضع المنفصل، كما وضعها المتنبي في قوله (ذكرناه).
أطَابَ النَّفْسَ أنكِ مُتِّ مَوْتَاًتَمنَّتْهُ البَوَاقي والخَوَالي
يقول: عزى عن عظيم مصابك أن الموت طرقك ولا بد منه، على سبيل من الرفعة، وحال من السلطان والنعمة، يتمنى الموت في مثلها كل من كان قبلك، ومن يتلوك بعدك.
وَزُلْتِ وَلَمْ تَرَيْ يَوْماً كَرِيهاًيُسَرُّ الروحُ فيه بالزَّوَالِ
رِوَاقُ العِزِّ فَوْقَكِ مُسْبَطُّروَمُلْكُ عليَّ ابْنِكِ في كَمَالِ
ثم إنك لن تري في حياتك يوماً تكرهينه، ولا شيئاً تسائين به، وعوفيت من خطوب الدهر التي يتمنى لها الموت، فزلت ورواق العز ممدود عليك، وابنك كامل ملكه، جليل قدره.
سَقَى مَثْوَاكِ غَادٍ في الغَوَادينَظِيرُ نَوَالِ كَفَّكِ في النَّوَالِ
ثم قال: سقى قبرك غيث وابل، يكون موقعه في السحاب، موقع نوال كفك في العطاء، وأشار بذلك إلى أن إعطاءها غاية ما يطلبه المتمني في الكثيرة.
لِساحِيهِ على الأجْدَاثِ حَفْشُكأيْدي الخَيْلِ أبْصَرَتِ المَخَالي
ثم وصف ذلك الغيث الذي دعا لها به، فقال: لساحيه، وهو وابله وغزيرة، على الأجداث، وهي القبور، وقع يشبه بشدته وقع أيدي الخيل على الأرض، إذا بحثت بها عند نظرها إلى العلف.
أُسَائِلُ عَنْكَ بَعْدَكِ كُلَّ مَجْدٍوَمَا عَهْدي بِمَجْدٍ مِنْكِ خَالي
يَمُرُّ بِقَبْرِكِ العافي فَيَبْكيويَشْغُلُهُ البكاءُ عن السُّؤَالِ
ثم قال: إن المجد كان مقصوراً عليها في حياتها، فصار (معدولاً) عنها بعد مماتها، وإن العافي، وهو السائل، إذا مر بقبرها، وتذكر ما كان يشمله منها، وما يناله من فضلها، أذهله الحزن عن الطلب، وشغله البكاء عن السؤال.
وما أهدَاكِ للجدْوَى علَيْهِلَوْ أنَّك تَقْدِرينَ على فِعَالِ
يقول: وما كان أعلمك بطريق الإفضال عليه، لو أن الموت أمهلك، والأفعال تتمكن لك.
بِعَيْشِكِ هَلْ سَلَوتِ فإنَّ قَلْبيوإن جَانَبْتُ رَبْعَكِ غَيْرُ سالي
يقول: بعيشك هل سلوت عن الحياة، فإني غير سال عن الحزن عليك، أذكرك وإن كنت بعيداً عن موضعك، وأندبك وإن كنت منتزحاً عن أرضك.
نَزَلْتِ عَلَى الكَرَاهيةِ في مَكَانٍبَعُدْتُ عَنِ النَّعامَى والشَّمَالِ
ثم قال: نزلت مكرهة في منزل بعدت فيه عن الرياح مع شدة هبوبها، وقصرت أن تدركك مع سيرها، فدل على أنها في بطن الأرض، وأشار أبدع إشارة إلى اللحد.
تُحَجَّبُ عَنْكِ رائِحَةُ الخُزَامَىوتُمْنَعُ مِنْكِ أنْدَاءُ الطَّلالِ
ثم أكد ذلك بأن قال: تحجب عنك رياح الرياض العبقة، وتمنع منك أنداء طلالها المونقة، وأشار بالخزامى والأنداء إلى الرياض أحسن إشارة، ودل على القبر أبين دلالة، واعتمد الطلال من بين سائر الأمطار؛ لأنها أسمحها في الروض، وقطرها برقته يثبت على طاقات النور، ويرسخ بلينه في الأرض.
بِدَارٍ كُلُّ سَاكِنِها غَرِيْبُطَويلُ الهَجْرِ مُنْبَتُّ الحِبَالِ
ثم أكد بيان ما أبهمه، فقال: بدار من القبر ساكنها غريب، وقاطنها فقير، من حل فيها امتنع وصالة، ومن صار إليها انبتت حباله.
حَصَانُ مِثْلُ مَاءِ المُزْنِ فيهِكَتُومُ السِّرِّ صَادِقَةُ المَقَالِ
ثم قال: إن أم سيف الدولة في شرف نسبها، وعلو منصبها، وطهارة نفسها، وصيانتها في قومها، كماء المزن، قد تناهت صيانتها كتناهي صيانته فيه، وارتفع موضعها كارتفاع موضعه، وطاب عنصرها كطيب عنصره، وهي مع ذلك كاتمة لسرها، صادقة في قولها.
يُعَلَّلُها نِطاسِيُّ الشَّكَاياوواحِدُها نِطَاسِيُّ المعَالي
إذا وَصَفُوا له دَاءً بِثَغْرٍسَقَاهُ أسِنَّةَ الأسَلِ الطَّوالِ
أخبر: أنها تعللت بطبيب عالجها، وقد ولدت طيب المكارم، وواحدي الفضائل، وأنه إذا وصفت له علة بثغر شفت من دائها أسنته، وأمنت مخافتها سيوفه، ولكن المنية لا تدفع بقدرة، ولا يعتصم منها بمنعة.
وَلَيْسَتْ كالإنَاثِ ولا اللَّوَاتيتُعَدُّ لَهَا القُبُورُ من الحِجَالِ
ولا مَنْ في جَنازَتِها تِجاَرُيَكُونُ وَدَاعُها نَفْضَ النِّعَالِ
يقول: ليست كالإناث اللواتي تنقص بالجبلة، ويتمنى موتهن للسترة؛ لأنها عاشت ظاهرة الإحسان، وماتت مرتفعة المكان، وولدت ملكها تشرف الملوك بخدمته، ويتصرفون على حسب إرادته، فهم كانوا أهل جنازتها، لا التجار الذين يمتطون إلى المشاهد أقدامهم، وينفضون عند انصرافهم نعالهم.
مَشَى الأمَرَاءُ حَوْلَيْها حُفَاةًكأنَّ المَرْوَ من زِفَّ الرِّئالِ
حوليها: بمعنى حولها، تقول العرب: حولك وحوليك وحوالك وحواليك، كل ذلك بمعنى واحد، والمرو: حجارة بيض براقة تكون فيها النار والزف: صغير الريش، والرأل: ولد النعامة، وجمعه رئال.
فيقول: إن الأمراء مشوا في هذه الجنازة حفاة متحزنين، قد ملكتهم الهيبة، وأفرطت عليهم الجلالة، حتى صاروا يطئون المرو ولا يتألمون به كما لا يتألم
زف الرئال من وطأه.
وَأبْرَزَتِ الخُدُورُ مُخَبَّآتٍيَضَعْنَ النِّفْسَ أمْكِنَةَ الغَوالي
النقس: المداد.
وأبرزت الخدور من نوادي هذه الميتة وحشمها، مخبآت غذتهن النعمة، وأنشأتهن الرفاهية، فهن يضعن النفس من وجوههن موضع الغالية.
أتَتْهُنَّ المُصِيْبَةُ غَافِلاتٍفَدَمْعُ الحُزْنِ في دَمْعِ الدَّلاَلِ
الدلال: الدالة.
يقول: أتتهن المصيبة على حين غفلة، ولم يكن من المصائب على عادة، فهن يظهرن الدلال مع الحزن، ويبدين الوله مع الحسن.
وَلو كانَ النَّسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَالَفُصِّلَتِ النَّسَاءُ عَلَى الرِّجالِ
يقول: لو كمل النساء كمال هذه الفقودة، واحتزن ما احتازته من الفضل، لبان فضل النساء على الرجال، فرب تأنيث يقصر التذكير عنه، ولا يبلغ مبلغه، ولا ينال موضعه.
وَمَا التَّأنِيثُ لاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبُولا التَّذْكيرُ فَخْرُ لِلْهلاَلِ
ثم بين ذلك بأن الشمس مؤنثة، والفضل لها، والقمر مذكر، وليس يعدل بها.
وأفْجَعُ مَنْ فَقَدْنَا مَنْ وَجَدْنَاقُبَيْلَ الفَقْدِ مَفْقُودَ المِثالِ
ثم قال: إن أعظم المفقودين فجيعة، وأجلهم مصيبة، من فقد
مثاله قبل فقده، وعدم نظيره قبل موته، وهذه المفقودة كذلك؛ إنها لم يماثلها أحد في فضائلها مدة حياتها، فعظمت الفجعة بها عند تمامها.
يُدَفِّنُ بَعْضُنَا وَيَمْشيأواخِرُنَا عَلَى هَامِ الأوَلي
الأوالي: بمعنى الأوائل، إلا أنه قلب، والعرب تفعل ذلك.
فيقول: إن الإنسان مجبول على السلوة، مطبوع على الإعراض عن الرزية،
فالحي يدفن سالياً، والآخر يطأ قبر الأول ناسياً، والمصير واحد، والاغترار زائد.
وَكَمْ عَيْنٍ مُقْبلةِ النَّواحيكَحِيلٍ بالجَنَادل والرَّمَالِ
ثم قال: وكم من ذي نعمة نقل عنها إلى لحده، وذي رفاهية أخرج منها إلى قبره، وذي عين محبوبة مزينة عوضت بالبلى من زينها، وبالتراب من كحلها.
وَمُغْضٍ كانَ لا يُغْضِي لخَطْبٍوَبَالٍ كَانَ يُفْكِرُ في الهُزَالِ
الهزال: سوء الحال.
ثم قال: ورب من كان لا يغضي للخطوب لرفعة قدره، قد ثنى الموت طرفه، وغير جسمه، ورب من كان يحذر الضر، ويتوقع الفقر، قد عاجله الموت فأبلاه قبل ما كان يحذره، وإخترمه قبل الذي كان يتوقعه. والإغضاء: تقريب ما بين الجُفُونِ.
أسَيْفَ الدَّوْلَةِ اسْتَنْجِد بِصَبْرٍوَكَيْفَ بِمِثْل صَبْرِكَ لِلْجَبالِ
الاستنجاد: الاستعانة.
فيقول لسيف الدولة: استعن بالصبر، وأنت أهله، وأثبت من الجبال فيه.
وأنْتَ تُعَلِّمُ النَّاسَ التَّعَزيَّوَخَوْضَ الموتِ في الحَرْبِ السِّجالِ
الحَرْبُ السجال: التي تتداول فيها الغلبة، وذلك أدعى إلى شدتها. ثم قال: وأنت أهل العزاء؛ لأن العزاء منك يتعلم، والجدير بالصبر؛ لأن الصبر إليك ينسب، وبك يقتدي في الإقدام على الموت، والنفاذ في غمرات الحرب، والاستقلال بشدائدها، والقيام بها عند تساجلها.
وَحَالاتُ الزَّمانِ عَلَيْكَ شَتَّىوَحَالُكَ وَاحِدُ في كُلِّ حَالِ
فحالات الزمان تختلف عليك بالسراء والضراء، والشدة والرخاء،
وحالك لا تختلف في كرم نفسك، ونفاذ عزمك. وما يتكفل الله به من جميل العاقبة لك.
فلا غِيْضَتْ بِحَارُكَ يا جَمْومَاًعلى الغَرَائِب والدَّخالِ
غيض: الماء: ذهابه، والجموم: البئر الغزيرة، والعلل: الشرب الثاني، والدخال: هاهنا أن تشرب الإبل ثم تثار فتعرض على الماء، وقد يقال بخلاف ذلك، والغرائب من الإبل: المستضيفة إلى إبل أهل الماء من غيرها. فيقول لسيف الدولة: لا أعدم الله العفاة جزيل عطائك، ومتتابع إحسانك، يا بحر كرم يتدفق مع كثرة الواردين له، ويزيد مع ترادف الشارعين فيه، فينال منه الغريب القاصد، كما ينال القريب القاطن، وضرب لذلك مثلاً من السقيا، فشبههة بالمورد الغزير الذي يكثر مع تتابع الشرب فيه، وليس تصير الغرائب من الإبل إلى العلل والدخال إلا عن غزر المورد، وبلوغ إبل الماء إلى غاية الري.
رَأيْتُكَ في الَّذينَ أرَى مُلُوكاًكأنَّكَ مُسْتَقيمُ في مُحَالِ
فإن تَفُقِ الأنَامَ وأنتَ منهُمْفإن المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغزَالِ
ثم قال: إن بيان فضله على الملوك، كبيان فضل الاستقامة على المحال، والحق على الباطل، فإن فاق الأنام وهو منهم، وفضلهم مع مشاركته في الجنس لهم، فالمسك من دم الغزلان في أصله، وسائر دماء الحيوان يقصر عنه، ولا يشبه بشيء منه، ورب واحد قد بذ أمه، وبعض قد فات جملة.
ونجم خارجي يعرف بابن هرة الرماد في كلب ببرية حمص، فأغار على أطراف حمص، وصاحب حربها أبو وائل، تغلب بن داود بن حمدان من قبل سيف الدولة، وكان قد خرج من ذلك اليوم كالمنتزه وحده، فأسره الخارجي، وطالبة بمال، وخيل كانت له سوابق، فوعده بها، واتصل الخبر بسيف الدولة، فسار في جيشه، فما أراح حتى أوقع به، وجعل العرب على مقدمته، فوقعت بابن هرة الرماد فهزمها، إلى أن بلغ إلى سيف الدولة، وكان سيف الدولة في ألفين من غلمانه ووجوه رجاله، فحمل عليه فقتله وجميع أصحابه، واستنقذ أبا وائل، فقال أبو الطيب - أنشدها في شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
إلامَ طَمَاعِيَةُ العَاذِلِوَلاَ رَأيَ في الحُبِّ لِلْعَاقِلِ
إلام: هي إلى التي للخفض، دخلت على ما التي للاستفهام، فبنيت
معها بناء كلمة واحدة، وسقطت الألف من ما استخفافاً، واعتداداً بالي في الكلمة الموصولة بها، وكذلك يفعلون بما التي للاستفهام إذا اتصل بها سائر حروف الجر، ولا يفعلون ذلك بما في الخبر، وأخرجهم إلى ذلك كثرة الاستعمال، لما في الاستفهام، والطماعية: مصدر بمعنى الطمع، كالعلانية والكراهية.
فيقول: إلى أي شيء يصرف العاذل طمعه من سلوان المحب، وما يرجوه من ذلك ممتنع، والمقصد بينه وبين المحب مختلف؛ لأن المحب مغلوب على أمره، والمتعقب العاقل مختار لنفسه، ولا رأي له في الحب الذي يوجع قلبه، ويشغل نفسه.
يُرَادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيَانُكُمْوتَأبى الطِّبَاعُ على النَّاقِلَ
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع