من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الأول (٣)
ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: وقبل أن يرى من عموم جوده ما رأيته، ويشهد من
كثرته ما شهدته، ويسمع من العذل فيه كالذي سمعت، ويعرض عنه كما أعرضت. ودل بكثرة العذل عليه، علي قلة إصغائه غليه، وحذف أن من كلامه، وهو يريدها في قوله: (وقبل يسرى). والعرب تفعل ذلك: قال الشاعر وهو طرفه.
(ألا أيُّهذا الزَّاجري أحْضُرَ الوَغَى)
يريد: أن أحضر، فحذف لدلالة الكلام على ما أراد.
وَيَلْقَى كَما تَلْقَى من السَّلْمِ والوَغَىوَيَمْسِي كَمَا تَمْسِي مَلِيكاً بلا مِثْلِ
يقول: ويلقى كالذي تلقاه من عظيم سلطانك، وارتفاع شأنك
في السلم وجلالة قدرك، ومشهور ظفرك في الحرب، ويصير في حالك ملكاً لا يماثل ملكه، وسلطاناً لا يعترض أمره.
تُوَلَّيه أوسَاطَ البِلاَدِ رِمَاحُهُوَتَمْنَعُهُ أطْرَافُهُنَّ من العَزْلِ
ثم قال: توليه رماحه قواعد البلاد، ووسائط الأرض، بتغلبه عليها، وتمنعه أطراف تلك الرماح، برهبة الأعداء لها، من أن يعزل عنها، وطابق بين الولاية والعزل، والأوساط والأطراف، وذلك من البديع.
نُبَكِّي لِموْتَانَا على غَيْرِ رَغْبَةٍتَفُوتُ من الدُّنيا ولا مَوْهبٍ جَزْلِ
يقول: نبكي على موتانا، ونحزن لهم، ونكثر الأسف لفراقهم، ونحن نتيقن أنهم لا يفوتهم من الدنيا ما يرغب في مثله، ولا يمنعون منها ما يجب أن يتنافس في نيله؛ لأنها بجملتها غرور، وتمنع من بقي فيها بصحبتها يسير.
إذا ما تأمَّلْتَ الزَّمانَ وَصَرْفَهُتَيَقَّنْتَ أنَّ الموتَ ضَربُ مِن القَتْلِ
ثم قال: إذا ما تأملت الزمان وصروفه، وتدبرت الدهر وخطوبة، تيقنت أن ما حتم على الإنسان من الموت، كالذي يتوقعه من القتل؛ لأن الأمرين متساويان في مكروههما، متماثلان فيما يشاهد من عدم الحياة بهما، فما ظنك بشيء يكون آخر
مصيره إلى أكره ما يحذر من أموره، وهذا يوجب الزهد في الدنيا، ويدعو إلى الإعراض عنها، وقلة الأسف عليها.
هَلْ الوَلَدُ المَحْبُوبُ إلاَّ تَعِلَّةُوهل خَلْوةُ الحسناءِ إلا أذَى البَعْلِ
التعلة: الشغل.
فيقول: هل الولد المرغوب فيه إلا شغل لوالده، وفتنة لمنسله، وهل خلوة الحسناء التي تدعو إليه إلا أذى للبعل المتعرض لها؛ لأنه غير مستديم للذتها، ولا حامد للنسل في عاقبتها.
وَقَدْ ذُقْتُ حَلْوَاَء البَنيْنَ على الصِّبَافلا تَحْسِبنِّي قُلتُ ما قُلتُ عن جَهْلِ
والحلوى: معروفة، واسمها يستعار لكل ما استحلي.
ثم قال: وقد ذقت حلاوة البنين في حين الصبوة، والعدم لحقيقة
المعرفة، ثم لحظتهم بعين اليقين، بعد تجربتي لأمرهم، وإحاطتي بعلمهم، فلا تحسبني ذممتهم عن غير معرفة، وزهدت فيهم دون تجربة.
وما تَسَعُ الأزْمَانُ عِلْمِي بأمْرِهاولا تُحْسِنُ الأيَّامُ تَكْتُبُ ما أمْلي
يقول، مؤكداً لما قدمه من إحاطته بالأمور، وما خض عليه من الزهد في الدنيا، وقلة الأسف على التولد: وما تسع الأزمان ما أعلمه من أمرها، وأتيقنه من شدة تكدرها. يريد أنها تضيق عن علمه وتقصر، وتعجز عن الاشتمال عليه وتتأخر، وأنها لا تحسن أن تكتب من ذلك ما يمله، وتضبط ما يعده.
وما الدَّهْرُ أهلُ أنْ تُؤَمَّلَ عِنْدَهحَيَاةُ وأنْ يُشْتَاقَ فيه إلى نَسْلِ
ثم قال: وما يحسن بالدهر المذموم أمره، الشديد تنكره، أن تؤمل عنده حياة، أو يشتاق فيه إلى نسي؛ لأن مآل الحياة فيه إلى الموت، ومآل
النسل فيه إلى الفقد بعد طول الشغل والنصب، ومعاناة الكد والطلب، وما كان كذلك، فالسرور يسير بوجوده، والحزن غير واجب عند فقده.
وسأله عن صفة فرس ينفذه إليه، فقال ارتجالاً.
مَوْقِعُ الخَيْلِ مِنْ نَدَاك طَفيفُوَلَوْ أنَّ الجيَادَ مِنْها ألُوفُ
ومن اللَّفْظِ لَفظةُ تَجْمَعُالوَصف وذاكَ المُطَهَّمُ المَعْرُوفُ
ما لَنا في النَّدَى علَيْكَ اختِيارُكُلُّ مَا يَمْنَحُ الشَّريفُ شَريفُ
الطفيف: الحقير، والمطهم من الخيل: التام الخلق. فيقول: موقع الخيل حقير في جودك، والألوف منها يسير في بذلك، ثم قال: ومن اللفظ قليل يجمع الكثير من النعت، ولفظة تشتمل على جملة الوصف، في الخيل، المطهم التام خلقه، المعروف المشهور عتقه، ثم قال: وما لنا في نداك اختيار عليك، أنت الشريف، وشريف ما تهبه، والرفيع، ورفيع ما تبذله.
وخيّره بين فرسين: دهماء وكميت، فقال ارتحالاً:
اخْتَرْتُ دَهْمَاَءتَيْنِ يا مَطَرُوَمَنْ لَهُ في الفَضَائِلِ الخِيَرُ
الخيرُ: جمع خيرة، وخيرة الشيء: أرفعه.
فيقول لسيف الدولة: اخترت دهماء هاتين الفرسين، وأسقطها التي للتنبيه، كما تقول في المذكر: اخترت أفضل دين، وأنت تريد هاذين، وشبهه بالمطر في عموم جوده، وتدفق كرمه، فقال له: يا مطر، ويا من له من الفضائل أجلها رتبة، وأبينها رفعة.
وَرُبَّما فَالَتِ العيونُ وَقَدْيَصْدُقُ فِيها وَيَكْذِبُ النَّظَرُ
قال الشيء: إذا أخطأ.
ثم قال: ربما أخطأت العيون فيما تؤثره، وغلطت فيما تتخيره، فالنظر يصدق ويكذب، ولست أبرئ نفسي من ذلك، فيما تخيرته. واستحسنته.
أنْتَ الذي لو يُعَابُ في مَلاءٍما عيبَ إلاَّ بأنَّهُ بَشَرُ
يقول أنت الذي لو يعيبه عائب في ملا يحصلون قوله، ويراقبون كذبه وصدقه، ما عيب إلا بأنه بشر يماثل في كرمه وفضله.
وإنَّ إعطاءهُ الصَّوارِمُ والخَيْلُ وسُمْرُ الرِّماحِ والعَكَرُ
العكر: ثلاث مائة من الإبل، فما زاد على ذلك.
ثم قال: وإن إعطاءه، السلاح التي توجب المنعة، والخيل التي تقرب البغية، والكثرة العظيمة من الإبل التي تضمن الثروة، فعائبه لا يعيبه إلا بيان فضله، وتناهي كرمه. وهذا من البديع باب يعرف بالاستثناء.
فَاضِحُ أعْدائهِ كأنَّهُمُلَهُ يَقِلُّونَ كُلّما كَثُرُوا
يريد: أنه يفضح أعداءه، بظهور فضله فيهم، واستحكام غلبته عليهم حتى كأنهم كلما كثروا يقلون له؛ لأنه يحتقرهم، ويملكهم ويستذلهم، ويقهرهم.
أعَاذَكَ اللهُ مِنْ سِهَامِهِمُوَمُخطِئُ مَنْ رَمِيَّهُ القَمَرُ
ثم دعا له، فقال: أعاذك الله مما يرمونك به من كيدهم، ويوجهونه إليك من مكرهم، وإعاذة الله لك مضمونة، وكفايته متيقنة؛ لأنك القمر في بيان فضلك، وعلو قدرك، ومخطئ من رميه القمر؛ لأنه يحاول ما لا يدركه، ويرمي ما لا يبلغه.
وأمر سيف الدولة بإنفاذ خلع إليه، فقال:
فَعَلَتْ بِنَا فِعْلَ السَّمَاءِ بأرْضِهِخِلَعُ الأميرِ وَحَقَّهُ لم نَقْضِهِ
السماء: المطر.
فيقول: فعلت خلع الأمير بنا، فيما ظهر علينا من حسنها وجمالها، فعل المطر بالأرض، فيما يكسوها من الروض، ويظهر فيها من الزهر.
فَكَأنَّ صِحَةَ نَسْجِها مِنْ لَفْظِهِوَكَأنَّ حُسْنَ نَقَائِها مِنْ عِرْضِهِ
ثم وصف تلك الخلع، فقال: فكأن صحة نسجها تحكي من سيف الدولة صحة لفظه، وكأن حسن رونقها يحكي رونق عرضه.
وإذَا وَكَلْتَ إلى كَريمٍ رَأيَهُفي الجُودِ بانَ مَذِيقُهُ مِنْ مَحْضِهِ
المذيق: المخلوط، والمحض: الخالص.
ثم قال: وإذا وكلت إلى الكريم رأيه في الجود، كشف لك حقيقته، وأبان لك يقينه، وعرفت بما يبديه لك، فضل ما بين المذيق والمحض، وفرق ما بين المشوب والصفو.
وقال أيضاً يمدحه:
لا الحُلْمُ جَادَ بِهِ ولاَ بِمِثَالِهِلَوْلا ادِّكارُ وزِيَالِهِ
الزيال: كالزوال، يقال: زال الشيء زوالاً، وزالت الخيل بركبانها زيالاً، تقلب الواو ياء للكسرة التي قبلها.
فيقول: إن الأحلام لم يكن في قوتها أن تجود بمن أحبه فتقربه، ولا بما يشبهه فتمثله، لولا ما يدعو إلى ذلك من وكيد التذكير لوداعه عند فرقته، وزياله عند رحلته.
إنَّ المُعيدَ لَنَا المَنامُ خَيَالهُكَانَتْ إعَادَتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ
ثم قال: إن المحبوب الذي أعاد لنا النوم خياله، كانت تلك الإعادة لخفه وقعتها، وتقاصر مدتها من ذلك الخيال، كالخيال الذي لا حقيقة له، ولا شفاء للعاشق به.
بِتْنَا يُنَوِلنا المُدَامُ بكَفِّهِمَنْ لَيْسَ يَخْطُرُ أن نَراهُ بِبَالِهِ
ثم وصف حاله عند زيارة الطيف له، وما قرب بذلك من البعيد وأمكنه من العسير، فقال: إنه بات يتناول المدام من كف محبوبه،
وذلك المحبوب لا يخطر بباله رؤيته، لتباعده عنه ولا يتوهمها، لانفصاله بالمسافة المتراخية منه.
نَجْني الكَواكِبَ مِنْ قَلائِدِ جِيدهِوتنالُ عَيْنَ الشَّمْسِ من خَلْخَالِهِ
ثم شبه جواهر عقود محبوبه بالكواكب، ولمعان خلاله بعين الشمس، وذكر أنه بات يجني الكواكب من تلك القلائد، بتناوله لها، وينال عين الشمس من تلك الخلاخل، بلمسه إياها، فأحرز صواب التشبيه فيما شبه به، مما لا زيادة عليه في حسن المنظر، وامتناع الموضع. وأشار إلى المعانقة والملامسة أحسن إشارة، وغير عنهما ألطف عبارة.
بِنْتُمْ عَنِ العَيْنِ القَريحَةِ فِيكُمْوَسَكَنْتُمْ وَطَنَ الفُؤادِ الوَالِهِ
فَدّنَوْتُمُ وَدُنُوُّكُمْ مِنْ عِنْدهِوَسَمَحْتُمُ وَسَماحُكُمْ مِنْ مَالِهِ
الفؤاد: القلب، والوله: ذهاب العقل لشدة الحب
فنقول: بنتم عن العين القريحة من مواصلة البكاء لبينكم، وسكنتم وطن الفؤاد الواله بحبكم، المشغول بذكركم، المقصور على تمثلكم،
فأدناكم الحلم من عاشقكم في نومه، بذكره لكم، وقربكم الوهم منه في يقظته، لشغفه بكم، فذلك الدنو من عنده، ولا من عندكم، وذلك السماح من ماله، لا من قبلكم. وأجرى ذكر السماح والمال على طريق الاستعارة.
إنِّي لأبْغِضُ طَيْفَ مَنْ أحْبَبْتُهُإذَ كَانَ يَهْجُرُنَا زَمَانَ وِصَالِهِ
يقول: إنه يبغض طيف محبوبه مع كلفه به، ويكرهه مع ارتياحه له؛ لأنه كان يهجره في زمان الوصل، ولا يطرقه مع التئام الشمل.
مِثْلَ الصبَابَةِ والكآبَةِ والأسَىفَارَقْتُهُ فَحَدَثْنَ من تَرْحَالِهِ
ثم قال: مثل الصبابة والكآبة والأسى، فارقت من أحب، فحدثن بفرقته، وعدمته، فشكوتهن بعد رحلته، وكذلك الطيف، إنما زار في زمان الهجر، وطرق عند امتناع الوصل.
وقد استَقَدْتُ مِن الهَوَى وأذَقْتُهُمِنْ عِفَّتي ما ذُقْتُ منْ بَلْبَالِهِ
البلبال: شدة الوجد.
فيقول: وقد أخذت قودي من الهوى، وأذقته من الأسف بالعفة، التي سهلت لي خلافه، كالذي أذاقني من الألم ببلابله، والتحمل للواعجه.
وَلَقَدْ ذَخَرْتُ لِكُلِّ أرضِ سَاعةًتَسْتَجْفِلُ الضِّرْغَامَ عَنْ أشْبَالِهِ
الاستجفال: الاستعجال.
ثم قال: ولقد ذخرت للأرض وقعة أوقعها، وساعة أثور فيها، تستعجل الضرغام بشدتها عن شبله، وتجعل له أوكد شغل في نفسه
تَلْقَى الوُجُوهُ بها الوجُوهَ وَبَيْنَهاضَرْبُ يَجُول الموتُ في أجْوَالِه
الأجوال: النواحي، واحدها جول.
ثم وصف تلك الساعة، فقال: إن وجوه الأبطال الذين لا ينكصون، يلقى بعضها بعضاً، وبينها ضرب شديد، وجلاد وكيد، يكثر الموت فيه،
ويجول في نواحيه. وجانس بقوله يجول الموت في جواله؛ لأن حروف الأصل في يجول وفي أجواله واحدة، والمراد بالكلمتين مختلف، واتفاق هذا في الكلام هو التجنيس، وهو من البديع.
وَلَقَدْ خَبَّأتُ مِنَ الكلامِ سُلافَهُوسَقَيْتُ مَنْ نَادَمْتُ من جِرْيَالِهِ
السلاف والسلافة: ما سال من الخمر دون أن يعصر، والجريال: صيغ أحمر، وما اشتدت حمرته من الخمر، يسمى جريالاً على المشابهة.
فيقول: إنه خبأ من الكلام أسهله وأفضله، وما هو منه كالسلاف في ضروب الخمر، وأظهر منه ما لا يدفع فضله، ولا ينكر حسنه، كالجريال في أنواعها، إلا أن الذي أظهره مع تقدمه دون الذي خبأه. يشير بهذا إلى قدرته على الكلام وإحاطته به.
وإذَا تَعَثَّرَتِ الجِيادُ بِسَهْلهِبَرَّزْتُ غَيْرَ مُعَثَّرٍ بِجِبَالِهِ
ثم قال: وإذا بعد سهل الكلام على أهل الإحسان، وصعب انقياده لهم، صعوبة المقامات التي توجب ذلك، برزت هنالك غير مقصر في
غوامض القول، ولا متعثر في بدائع الشعر. وكنى (بالسهل) عما قرب من الكلام، (وبالجبال)، عما غمض منه، (وبالجياد)، عن أهل الإحسان، فاستعار هذه الألقاب أحسن استعارة، وأشار إلى إحسانه أبدع إشارة، وكل ذلك من بديع الكلام.
وَحَكَمْتُ في البَلَدِ العَراءِ بناعِجٍمُعْتَادِهِ مُجْتَابِهِ مُغْتَالِهِ
العراء: الأرض الفضاء التي لا يستثر فيها، والناعج من الجمال: الأبيض، وذلك من دلائل كرمه، والمجتاب للبلد: الذي يقطعه، والمغتال له: الذي يستوفي غايته.
فيقول: إنه اقتدر على الفقر العراء بجمل معتاد للسير فيه، مستضلع بالقطع له،
مستقل ببلوغ غايته، فحكم في هذا الفقر، بركوبه جملاً هذه صقته.
يَمْشي كَمَا عَدَتِ المَطِيُّ وَرَاءهُوَيزِيدُ وَقْتَ جَمَامِها وكَلالِهِ
العدو: ضرب من الجري.
ثم قال: إن هذا الجمل لقوته يساوي بمشيه جري غيره من المطي، فيستظهر بمشيه على عدوها، وبعفوه على جهدها، فتصير وراءه، ويزيد على ذلك عند كلاله وجمامها، وتعبه وراحتها، فما ظنك به إذا تساوت الحال وذهب عنه الكلال؟
وَتُراعُ غَيْرَ مُعقَّلاتٍ حَوْلَهُفَيَفُوتُها مُتَجَفَّلا بِعِقَالِهِ
وتراع المطي حول هذا الجمل، وكلها لا عقال عليه، وهو معقول بينها، فتفر هذا الجمل لفراها، فيفوتها مسرعاً، وهو بعقاله، وهي مطلقة ويتقدمها موثقاً برباطه، وهي مجتهدة. والمتجفل: المسرع.
فَغَدَا النَّجَاحُ وَرَاحَ في أخْفَافِهِوَغَدَا المِرَاحُ وَرَاحَ في إِرْقَالِهِ
المراح: النشاط.
يقول: إنه أعمل هذا الجمل في قصد هذا الرئيس، فاقترن الظفر بسيره، والفوز والغبطة بسفره، وبلغه والنجاح يغدو ويروح في أخفاف مطيته، والنشاط يحملها، والقوة تنهض بها.
وَشَرِكْتُ دَوْلَةَ هَاشِمٍ في سَيْفِهَاوَشَقَقْتُ خِيْسَ المُلْكِ عَن رِئْبَالِهِ
الرئبال: الأسد: والخيس: أجمته.
يقول: إنه شرك دولة هاشم في هذا الرئيس، الذي هو سيفها، فاختاره لقصده، كما اختاره الملك لنفسه، ووصل إلى دار سلطانه، ورفيع مكانه، فأبدى له مستقر تلك المنعة، وموضع تلك الرفعة، عن أسد الملك المانع منه، وسيفه المدافع عنه، وكنى بالرئبال عن سيف الدولة، وبالخيس عن بلده.
عَنْ ذَا الَّذي حُرِمَ اللَّيوثُ كَمالَهُيُنْسِي الفَريسَةَ خَوْفَهُ بجَمَالِهِ
الفريسة: ما اختطفه الأسد، فدق عنقه.
فيقول إنه شق خيس الملك عن الأسد، الذي حرمت الأسد كماله، ومنعت خصاله؛ لأنه يشركها ببأسه، ويفوتها بحسنه، فهي منسوبة إلى القبح، وهو لحسنه ينسي فريسته خوفه بجمال وجهه، ويشغلها ببهائه عما تتوقعه من بأسه.
وَتَواضَعَ الأمَراءُ حَوْلَ سَرِيرهِوتُرِى المَحَبَّةَ وهي من آكَالِهِ
الآكال: جمع أكل.
ثم قال: إنه لشدة هيبته، وارتفاع رتبته، تتواضع الأمراء حول سريره، وتعتصم بالخضوع له، وتريه محبتها، وليست من أشكاله، وتتودده، وهي من آكاله.
وَيُمِيتُ قَبْلَ قِتَالِه، وَيَبَشُّقَبْلَ نَوَالِهِ، وَينِيلُ قَبْلُ سُؤَاِلِه
البشاشة: الاستبشار.
فيقول إن هذا الممدوح يميت بهيبته قبل أن يقاتل، ويستبشر بنواله قبل أن يعطي، وينيل من يقصده قبل أن يسأل.
إنَّ الرِّياحَ إذا عَمدْنَ لِنَاظِرٍأعْنَاهُ مُقْبِلُهَا عن استعْجَالهِ
ثم ضرب له مثلاً، في قوته على ما يقصده، وقدرته على ما يفعل، بالريح في قوة هبوبها، وعجلة مسيرها، فقال: وكذلك الرياح إذا اعتمدت الناظر إليها، أغناه سرعة حلولها عن استعجالها في مسيرها.
أعطَى وَمَنَّ على الملوكِ بِعَفْوِهِحَتَّى تَسَاوَي النَّاسُ في إفْضَالِهِ
يقول: أعطى، فغم بفضله، واقتدر على الملوك المرتفعين عن
تقبل العطاء، فمن عليهم بعفوه، وكان صفحه عنهم من أوفر العطاء عندهم، فتساوى، الملوك والسوق فيما شملهم من إفضاله، وتماثلوا فيما أحاط بهم من إحسانه.
وإذا غَنُوا بِعَطَائِهِ عن هَزِّهِوإلى فأغْنَى أن يَقُولوا وَالِهِ
ثم قال: وإذا أغنى كرمه عن مسألته، وابتداؤه للعطاء عن هزه وإلى ذلك وتابعه،
وأعاده وواصله، فأغنى احتماله عليه من تحريكه بالمسألة إليه.
وَكَأنَّما جَدْوَاهُ من إكْثَارهِحَسَدُ لسائِلِهِ على إقْلاَلِهِ
الجَدْوَى: العطاء.
فيقول: وكأنما عطاؤه لكثرته، وما هو عليه من مواصلته، استكراه منه للمال، وحسد للسائل على الإقلال.
غَرَبَ النُّجُومُ فَغُرْنَ دُونَ هُمُومِهوَطَلَعْنَ حِيْنَ طَلَعْنَ دُونَ مَنَالِهِ
الهم والهمة بمعنى واحد.
ثم قال: إن النجوم مع ارتفاع مواضعها، وانتزاح مغاربها
ومطالعها، تغرب مقصرة عما تبلغه همته، وتطلع متواضعة عما يدركه تناوله.
واللهُ يُسعِدُ كلَّ يَوْمٍ جَدَّهُوَيَزيدُ من أعْدَائِهِ في آلِهِ
يقول: والله يمده في كل يوم بكرامة يصلها به، وسعادة يجددها له، ويظفره بمن ناوأه، ويظهره على من عاداه، ويجعلهم بعد العداوة أتباع أمره، وأنصاراً لحزبه.
لَو لَمْ تَكُنْ تَجْري عَلى أسَيافِهِمُهَجَاتُهُمْ لَجَرَتْ عَلَى إقْبَالِهِ
ثم قال: لو لم يهلكهم بوقائعه، وتجري مهجاتهم على سيوفه، لتكفل له بذلك إقبال جده، وما أظهره الله من تمكنه وسعده.
فَلِمثْلِهِ جَمعَ العَرَمْرَمُ نَفْسَهُوَبِمِثلْه انفَصَمَتْ عُرَا أَقْتَالِ
العرموم: الجيش الكثير، والأقتال: الأعداء، والواحد قتل، والانفصام: الانقطاع
فيقول: فلمثل سيف الدولة جمعت الجيوش أنفسها، وسلمت
طاعتها، إعظاماً لقدره، بفضله، وبمثله من أهل الحزامة، والمتقدمين في الرياسة، انفصمت عرا أعدائه، وانحل عقدهم، وانفل حدهم.
لم يَتْركوا أثَرَاً عَلَيْهِ مِنَ الوَغَىإلاَّ دِمَاَءهُم على سِرْ بَالِهِ
ثم قال، مشيراً إلى استنفاذه لأعدائه، بقتله لهم، وبلوغه المراد منهم: لم يتركوا
عليه للحرب أثراً يظهره، وشاهداً يتكلفه؛ لاستغنائه عن ذلك ببلوغ البغية فيه، إلا ما في ثوبه من دمائهم، التي سفكتها صوارمه، وأجرتها وقائعه، وهذا من البديع يعرف بالاستثناء.
يا أيُّها القمرُ المُباهي وَجْهَهُلا تُكْذَبَنَّ فَلَسْتَ من أشْكالِهِ
يقول: يا أيها القمر الذي يباهي وجه سيف الدولة بنوره، ويساجله بحسنه، لا تكذبن عن نفسك، فهو أبهى منك وأحسن، وأضوء منك وأنور، وله في البأس والكرم رتب لا تبلغها، ومنازل لا تستحقها، فلست ممن يشاكله ويضاهيه، ويماثله ويساويه.
وإذَا طَمَا البَحْرُ المُحِيْطُ فَقُلْ لَهُدَعْ ذا فإنَّك عاجِزُ عَنْ حَالِهِ
ثم قال: وإذا طما البحر المحيط، وطموه: ارتفاعه، فقل له: دع ما
تظهره، فكرم سيف الدولة يغمرك، ومواهبه تحقرك، وأنت عاجز عن رتبته، ومقصر عن جلالته ورفعته.
وَهَبَ الّذي وَرِثَ الجُدودَ وما رَأىأفْعالَهُمْ للابْنٍ بلا أفْعَالِهِ
ثم قال: (وهب الذي ورث الجدود)، والعرب تسقط حرف الجر مع ورث، فتعمل الفعل، والحرف ثابت في النية، فيقول أحدهم: ورثت أبي ماله، وهو يريد: ورثت من أبي ماله، وأنشد سيبويه:
وَرِثْتُ أبي أخْلاَقَهُ: عاجِلَ القِرَىوَعْبْطَ المَهارِي كُومُها وشبُوبُها
يريد من أبي.
فيقول أبو الطيب: إن سيف الدولة لسعة فضله، وعموم جوده، وهب الذي ورثه من جدوده، وأشار بهذا إلى استنفاذه لجمعه، واستيعابه لكسبه؛ لأن نفقة التالد بعد نفقة الطارف، ولم يقنع بما خلده جدوده من المجد، وأسلفوه من الجود، دون أن يتلوهم بفعله، ويماثلهم، ولا رأى أن أفعال
الآباء تشرف الابن، إذا لم تشرفه
أفعاله، وترفعه أحواله، نحو قول الجعدي:
لِسْنَا وإن كَرُمَتْ أوائِلُنايَوْماً على الأحْسَابِ نَتَّكِلُ
حَتَّى إذا فَنِيَ التُّراثُ سِوَى العُلاَقَصَدَ العُدَاةَ مِنَ القَنَا بِطِوَالِهِ
قم قال: حتى إذا أفنى البذل تراثه، واستوعب طارفه وتالده، ولم يبق من ذلك إلا العلا التي خلدها، والمكارم التي شيدها، طلب المال مغالبة، فقصد عداه بطوال رماحه، واستعمل فيهم صوارم سيوفه.
وبأرعَنٍ لَبِسَ العَجَاجَ إلَيْهِمِفَوْقَ الحَديدِ وَجَرَّ مِنْ أذْيالهِ
الرعن: أنف الجبل، والأرعن: الجيش الكبير التي تكون له فضول، كفضول الجبال ورعونها.
فيقول: إن سيف الدولة قصد أعاديه بجيش ضخم، له رعون وفضول، يلبس ما يثيره من العجاج فوق ما يلبس فرسانه من السلاح، ويجر أذياله لوفوره، ويسحبها إلى العدو في مسيره.
فَكَأنَّما قَذِي النَّهَارُ بِنَقْعهِأوْ غَضَّ عَنْهُ الطَّرْفَ من إجلالِهِ
القذى: ما وقع في العين فعاقها عن النظر، والنفع: الغبار.
ثم قال: إن ذلك العجاج طمس ضياء النهار بشدته، حتى كأنه قذي بغباره، أو غض طرفه عنه، لمخافته وإجلاله. يشير بذلك إلى تغلب الإظلام على نوره، واستيلاء العجاج على ضوئه.
الجَيْشُ جَيْشُكَ غَيرَ أنَّكَ جَيْشُهُفي قَلْبِهِ وَيَمِينِهِ وَشِمَالِهِ
يقول: الجيش جيشك في امتثاله لأمرك، وتصرفه على إرادتك، وأنت جيشه في أنه إنما يشجع بشجاعتك، ويقدم بك، وتهابه الأعداء من أجلك. هذه حالك في قلبه، ويمينه وشماله، فإذا امتنع الرؤساء بجيوشهم، فأنت تمنع جيشك، وإذا احتموا بجموعهم، فأنت تحمي جمعك.
تَرِدُ الطَّعَانَ المُرَّ عَنْ فُرْسَانِهِوَتُنازِلُ الأبْطَالَ عَنْ أبْطَالِهِ
ثم قال: يسبق فرسانه إلى الطعان، فيرد قبلهم مرة، ويسبق أبطاله إلى النزال، فيصلي دونهم حره.
كُلُّ يُريدُ رجالهُ لحِياتِهِيا مَنْ يريدُ حَياتَهُ لِرجالِهِ
ثم قال: كل الأمراء غيرك يريد الرجال ليستبقي حياته، وأنت تريد الحياة لتسبقيني رجالك، وتحفظ جمعك، جندك.
دُونَ الَحلاوةِ في الزَّمان مَراَرةّلا تُخْطَى إلا على أهواله
يقول: دون حلاوة الظفر، ولذة بلوغ الأمل، مرارة من الغرر، ومشقة من الخطر، لا تتجاوز تلك المرارة إلا بمقارعة أهوال الزمان وشدتها، والتعرض لمحنتها وصعوبتها، وضرب هذا مثلاً فيها قدمه، والمثل أرفع وجوه البديع.
فَلِذاكَ جَاوَزَها عَليُّ وَحْدَهُوَسَعى ُبمْنُصِلِه إلى آمالِه
ثم قال: فلذلك انفرد علي بجواز تلك المرارة، وتخطي تلك الصعوبة، وسعي إلى أمله بسيفه، واقتدار على مراده بعزمه.
وقال أيضاً، يمدحه:
أنا مِنْكَ بَيْنَ فَضَائِلٍ وَمَكارمِوَمِن ارتَياحِكَ في غَمَامٍ دائِمِ
الارتياح: انبساط الخلق بالمعروف.
فيقول لسيف الدولة: أنا منك بين فضائل باهرة، ومكارم شاملة، ومن ارتياحك في سحاب لا يقلع، وعطاء لا ينقطع.
وَمِنَ احتِقَارِكَ كُلَّ ما تَحْبو بهِفِيما ألاَ حِظُهُ بعَيْنَيْ حَالِمِ
ثم قال: وأنا من احتقارك لعظيم ما تفعله، وكثير ما تبذله في شيء ألحظه بعيني حالم غير محقق، ومتوهم غير مصدق.
إنَّ الخَليفَةَ لَمْ يُسَمِّكَ سَيْفَهُحَتَّى بَلاَكَ فَكُنْتَ عَيْنَ الصَّارِمِ
الابتلاء: التجربة، وعين الشيء: حقيقته.
فيقول: إن الخليفة لم يمسك سيف دولته حتى جربك، فكنت السيف حقيقة لا ينبو حدك، ولا ينفل عزمك، ولا يطمع فيك عدوك.
فإذا تَتَوَّجَ كُنْتَ دُرَّةَ تَاجِهِوإذا تَخَتَّمَ كُنْتَ فَصَّ الخَاتَمِ
ثم قال: فأنت أرفع آلات تاجه إذا تتوج؛ لأنك درته، وأجل ما يشتمل عليه خاتمه إذا تختم؛ لأنك فصه. يشير إلى أنه أرفع ما يترفع الخليفة به، وأجل ما يباهي بموضعه.
وإذا انتَضَاكَ على العِدَى في مَعْرَكِهَلَكُوا وَضَاقَتْ كَفُهُ بالقائِمِ
يقول: إذا جردك على أعاديه في معرك، وعارضهم بك في موقف، أهلك بنفاذك جمعهم، وأذل بابتدارك عزمهم، وضاقت كفه عن قائم سيف أنت حقيقته، وقل هذا الاسم لقدرك، وتواضع لجلالة أمرك.
أَبْدَى سَخَاؤُكَ عَجْزَ كُلِّ مُشَمِّرٍفي وَصْفِهِ وأضَاقَ ذَرْعَ الكَاتِمِ
ثم قال: أبدى سخاؤك لكثرته عجز واصفه، وأضاق كرمك بتظاهره ذرع كاتمه، فمحاول وصفه لا يبلغه، لعجزه عنه، ومحاول كتمه لا يمكنه، لما تبين منه.
وقال فيه، وقد أمر له بفرس وجارية.
أيَدْرس الرَّبْعُ أيَّ دَم أرَاقَاوأيَّ قُلُوبِ هَذا الرَّكْبِ شاقَا
الشعراء تذكر أن الحزن إذا أفرط، والبكاء إذا اتصل، امتزج الدم بالدمع، فتلاه في جريه، وانحدر في فيقول: أيدري هذا الربع أي الركب الوقوف به، أراق دمه، مما كلفه من البكاء فيه، وأكد اشتياقه بما جدده من الجزع عليه؟
لَنَا وَلأهْلِهِ أبَداً قُلوبُتَلاقى في جُسُومٍ ما تَلاقَا
ثم قال: لنا وللراحلين من أهله قلوب تتلاقى أبداً، بما هي عليه من التذكر لسالف العهد، والامتثال لأيام الوصل، في أجساد متباينة، وأجسام غير متلاقية.
وَمَا عَفَت الرِّياحُ لَهُ مَحَلاًعَفَاهُ مَنْ حَدَا بِهمُ وَسَاقَا
يقول: وما غير آثار هذا الربع، وعفي رسومه، اختلاف الرياح عليه، وتكررها بالهبوب فيه، وإنما غيره وعفاه، وأخلقه وأبلاه، من رحل بأهله عنه، وأخرج العامرين له منه.
فَلَيْتَ هَوَى الأحِبَّةِ كانَ عَدْلاًفَحَمَّلَ كُلَّ قَلْبٍ ما أطَاقَا
ثم قال: فليت هوى الأحبة الراحلين، والآلاف المتحملين، عدل في حكمه، وأنصف من نفسه، فحمل كل قلب ما يطيقه من الحب، وأودعه ما يستقل به من الصبابة والوجد.
نَظَرْتُ إليهمُ والعَيْنُ شَكْرَىفَصَارَتْ كُلُّهَا للدَّمْعِ مَاقَا
العين الشكري: الممتلئة بالدمع، والمآق: طرف العين مما يلي الأنف، وهو مخرج الدمع من العين.
فيقول: نظرت إليهم عند رحلتهم، والعين ممتلئة بدمعها، فصارت كلها مخرجاً للدمع، لكثرته فيها، وشدة انحداره منها. يخبر عن غلبة البكاء له.
وَقَدْ أخَذَ التَّمامَ البَدْرُ فيهمْوأعْطَاني من السَّقَمِ المُحَاقَا
قم قال: وقد أخذ البدر الراجل فيهم حال التمام في حسنه، والكمال في جماله،
وأعطاني المحاق من السقم عليه، والنحول من الوجد به، والتضاؤل بعد الفقد له. وطابق بين المحاق والتمام، وذلك من بديع الشعر.
وَبَيْنَ الفَرْعِ والقَدَمَيْنِ نُورُيَقُودُ بِلاَ أزِمَّتِها النِّيَاقَا
الفرع: الشعر، والنياق: جمع ناقة.
فيقول: وبين الفرع والقدمين نور، من ضياء وجه من أحبه، وتلألؤ حسنه، يقود النياق بلا أزمة، ويحدوها على السير بلا مؤونة.
وَطَرْفُ إن سَقَى العَشَّاقَ كَأسَاًبِهَا نَقْصُ سَقَانِيها دِهَاقا
الدهاق: الممتلئة.
وفيما هنالك منه، لحظ فاتر، وطرف ساحر، إذا سقى العشاق المغرمين به كأساً من خمرة ناقصة، سقانيها دهاقاً مترعة.
وَخَضرُ تَثْبُتُ الأبْصَارُ فيهكأنَّ عَلَيْهِ مِنْ حَدَقٍ نِطَاقَا
وفيما هنالك أيضاً، خصر لطيف، تثبت الأبصار فيه، وتتردد لحسنه عليه، وتكثر الإعجاب منها به، حتى كأن عليه منها نطاقاً يشمله ووشاحاً يعمه.
سَلي عَنْ سِيْرتي فَرَسي وسَيْفِيوَرُمحي والهَمَلَّعَةَ الدِّفَاقَا
الهملعة: الناقة الخفيفة القوية، والدفاق: السريعة
فيقول للتي يخاطبها: سلي عن سيرتي في الإقدام على الأهوال، والقوة على الأسفار، والنفاذ في الفلوات، فرسي الذي يحملني في الحرب، وسيفي ورمحي اللذين أبطش بهما في الطعن والضرب، وناقتي التي تحملني في الأسفار، وأقطع عليها الفلوات بالارتحال.
تَرَكْنَا مِنْ وَرَاء العِيْسِ نَجْداًونَكَّبْنَا السَّمَاوَةَ والعِراقَا
السماوة: فلاة بين الشام والعراق.
ثم قال: تركنا نجداً من وراء رواحلنا، ونكبنا عن السماوة والعراق في سفرنا،
قاصدين سيف الدولة في موضعه من الشام، ومستقره من تلك الأرض.
فَمَا زَالَت تَرَى واللَّيْلُ دَاجٍلِسَيْفِ الدَّوْلَةِ الملِكِ ائْتِلاَقَا
الائتلاق: التلألؤ واللمعان.
يقول: فما زالت عيسنا عند دجو ليلها، واعتراض الظلام لها، ترى لسيف الدولة الملك ضياء يقتادها، ونوراً يسطع لها، إشارة إلى ما تظاهر في أرضه من فضله، وأشرق فيها من أنوار مجده.
أدِلَّتُهَا رِيَاحُ المِسْكِ مِنْهُإذا فَتَحَتْ مَنَاخِرَها انْتِشَاقا
يقول: أدلة عيسنا إليه، تضوع المسك لفوحه، وسطوع روائح طيبه، فإذا فتحت مناخرها، قادها استنشاق ذلك الفوح نحوه، وعرفت بتضوعه أرضه.
أباحَكِ أيُّها الوَحَشُ الأعَاديفَلِمْ تَتَعَرَّضينَ له الرِّفَاقَا
ثم قال: مخاطباً للوحش المعترضة له: أباحك سيف الدولة، أيها الوحش، العداد، بوقائعه فيهمن وقتله لهم، وإلحامك أجسادهم، فما لك، واعتراض الرفاق التي تعتمده، وأشار بهذا القول إلى كثرة إيقاعه بمن يخالفه، وشده استظهاره على من يعارضه.
وَلَوْ تَبَّعْتِ مَا طَرَحَتْ قَنَاهُلَكَفَّكِ عَنْ رَذَايَانَا وَعَاقَا
الرذايا: جمع رذية، وهي ما هزل من الإبل، وانقطع فلم يستطع براحاً.
فيقول للوحش المعترضة له: لو تبعت ما طرحت لك قناة، من قتلى وقائعه، وصرعى ملاحمه، لأغناك ذلك عنها، ومنعك بكثرته منها.
وَلَوْ سِرْنا إليه في طَريقٍمِنَ النِّيرانِ لم نَخَفِ احتِرَاقَا
ثم قال: ولسنا نرهب أيها الوحش سطوتك، ولا نخاف على ركائبنا مضرتك؛ لأن ما يحيط بنا من سعادة سيف الدولة مقصودنا يكفك، وما نتقلب فيه من إقباله يعوقك، ولو سلكنا إليه طرقاً من النيران، لعادت ببركته برداً وسلاماً لا نحذرها،
وأمناً وعافية لا نتألمها.
إمَامُ للأئِمَّةِ من قُرَيْشٍإلى مَن يَتَّقونَ لَهُ شِقَاقَا
إمام القوم: متقدمهم، والشقاق: الخلاف.
فيقول: إن سيف الدولة بجلالة قدره، وارتفاع أمره، يتخذه الخلفاء من قريش، وهم أئمة الناس، إماماً في حروبهم، يقدمونه إلى من يحذرون نفاقه، ويتوقعون خلافه، فيذل لهم عزه، ويسهل عليهم صعبه.
يَكُونُ لَهُمْ إذا غَضِبُوا حُساماًولِلْهَيْجَاءِ حِينَ تَقُومُ سَاقَا
ساق الشيء: ما قام عليه.
ثم قال: يكون لهم سيفاً يبطشون به عند غضبهم، وساقاً يعتمدون عليها في حربهم، فبموضعه يحتمي سلطانهم، وبمكانه يذل لهم أعداؤهم.
فلا تَسْتَنْكِرَنَّ لَهُ ابْتِساماًإذَا نَهقَ المَكَرُ دَمَاً وَضَاقَا
المكر: مجال الحرب، وفهقه: اتساعه وجري الدم فيه
فيقول لمخاطبه: فلا تنكرن استبشار سيف الدولة بالحرب، واستسهاله لها، وابتسامه عند تضايق مجالها، وانسفاك الدم في مكرها، فهو متيقن لغلبة من نازعه، والظهور على من ناصبه.
فَقَدْ ضَمِنَتْ لَهُ المُهَجَ العَوَاليوَحَمَّل هَمَّهُ الخَيْلَ العِتَاقَا
يقول فقد ضمنت له رماحه مهج أعدائه، وتكفل له بما يبغيه منهم، عتاق خيله، وأبطال جيشه.
إذَا أنْعِلْنَ في آثَارِ قَوْمٍوإنْ بَعِدَوا جَعَلْنَهُمُ طِرَاقَا
إنعال الخيل: تصفيح أيديها بالحديد، والطراق: تضعيف جلد النعل.
ثم قال: إذا أنعلت خيله في آثار قوم، وحاول غزوهم، وقصد أرضهم، وإن بعدوا بجهدهم وتحرزوا بطاقتهم، أسرعت تلك الخيل في
قتلهم، واستباحة حريمهم،
وغادرت أجسادهم بعد القتل كالطراق، يدوسها الحافر، ويطأها القدم.
وإن نَقَعَ الصَّريخُ إلى مَكانٍنَصَبْنَ لَهُ مُؤَللةَ دِقَاقا
النقع: ارتفاع الصوت، والصريخ: المستغيث، والمؤللة: المحددة، والدقاق: الرقاق.
فيقول: (وإن نقع الصريخ) أي: ارتفع الصوت باستغاثة إلى مكان قد طرقه عدو، أصاخت خيله إلى ذلك الصوت أصاخت استشعار للحذر، وتسرع إلى الجري. والخيل تحدد آذانها عند مثل هذه الحال. فأشار بهذا الوصف إلى تبادر هذه الخيل نحو الصريخ، ودل بانتصاب آذانها على حذرها، وبدقتها على كرمها.
فَكَانَ الطَّعْنُ بَيْنَهُما جَوَاباًوَكَانَ اللَّبْثُ بَيْنَهُما فُوَاقَا
الفواق: ما بين الحلبتين
ثم قال: فكان الطعن بينهما جواباً، يريد: بين هذه الخيل وبين العدو الطارق، يعني أن جواب ذلك الصريخ، كان بطعن هذه الخيل في نحور
الطارقين، وكان اللبث بينهما فواقاً، يريد: أنها لم تلبث العدو إلا فواق ناقة، واستبان ظفرها، ففر الأعداء عنها ناكصين، وولوا منهزمين.
مُلاقَيةُ نَواصِيها المَنايَامُعَاوِدَةُ فَوارِسَها العِنَاقَا
ثم قال: إن خيل سيف الدولة تلقى نواصيها المنايا مقدمة عليها، وتواجهها متسرعة إليها، وتعتاد فوارسها عناق الأقران في الحرب، وتلك غاية الصبر، وأبعد أوصاف البأس؛ لأن الحرب أولها المراماة، ثم المطاعنة، ثم المجالدة ثم المعانقة.
تَبِيْتُ رِمَاحُهُ فَوْقَ الهَوادِيوَقَدْ ضَرَبَ العَجَاجُ لَها رِوَاقَا
هوادي الخيل: أعناقها.
فيقول: تبيت رماح سيف الدولة معرضة على أعناق خيله في سراه إلى عدوه، والعرب تعرض الرماح على أعناق الخيل في السير، وتسددها في الحرب، فيقول:
إنه يبيت وهذه حال خيله، وما تثيره من الغبار
والعجاج كالرواق عليها. يشير إلى أنه يسري إلى أعاديه، ويدرع الليل نحوهم.
تَميلُ كَأنَّ في الأبْطَالِ خَمْراًعُلِلْنَ بِهِ اصْطَباحاً واغْتَبَاقا
الخمر والخمار بمعنى، يراد بها بقية السكر، والعل: إعادة الشرب. ثم قال: تميل فرسان تلك الخيل، كأن بها خماراً من مداومة السهر، وغلبة النوم، كأن ذلك الخمار يتكرر لهم اغتباقاً بعد اصطباح، يشير بهذا إلى ملازمة هذه الخيل للغارات.
تَعَجَّبَتِ المُدَامُ وَقَدْ حَسَاهافَلَمْ يَسْكَرْ وَجَادَ فَما أفَاقَا
ثم قال: تعجبت المدام وقد شربها، فعجزت عن إحالة ذهنه، وقصرت عن مغالبة عقله، واستولى عليه جوده، فلم يفق من طربه له، ولا صحا من ارتياحه به.
أَقَامَ الشّعْرُ يَنْتَظِرُ العَطَايافَلَمَّا فَاقَتِ الأمْطَارَ فَاقَا
يقول: أقام الشعر ينتظر زمان الكرم، وأوان العطاء، فلما ظهر منه بسيف الدولة ما فاق الأمطار بكثرته ظهر شعر أبي الطيب، ففاق الشعر ببراعته.
وَزَنَّا قِيمَةَ الدَّهماءِ مِنْهُوَوَفَّيْنَا القِيَانَ بِهِ الصَّدَاقَا
ثم قال: بعثنا منه إلى سيف الدولة ما كافأ قيمة الدهماء، وهي الفرس التي أهداها إليه. ووفى بصداق القينة التي بعث بها مع الفرس، فأشار إلى أنه قارض بشعره جوده، وكافأ بمدحه هبته.
وَحَاشَى لارتِيَاحِكَ أنْ يُبَارىوَلِلْكَرَمِ الذَّي لك أن يُباقى
حاشى: بمعنى التعويذ والتنزيه، والارتياح: الطرب لفعل الجميل، والمباقاة: المداومة.
فيقول، معتذراً مما قدمه في قوله هذا؛ إنه كافأ جود سيف الدولة بشعره: وأعيذ ارتياحك من أن يجازى، ويماثل، ويساوي ويشاكل، وأعيد كرمك من أن يباقيه
شاكر بشكره، أو يستوفيه شاعر بشعره.
ولَكِنَّا نُداعِبُ مِنْكَ قَرْماًتَرَاجَعَتِ القُرومُ له حِقَاقَا
القرم: الصعب من الإبل، والحقاق: جمع حقة، وهي التي استحقت أن يحمل عليها من النوق.
يقول: ولكنا فيما قدمناه من ذلك مفاكهون لك، مداعبون منك، لملك قرم، عادت له قروم الملوك وصعابها كالحقاق، تخضع لأمره، وتسلم لحكمه. وجرى في القروم والحقاق على سبيل الاستعارة:
فَتىً لا تَسْلُبْ القَتْلَى يَدَاهُوَيَسْلُبُ عَفْوُهُ الأسْرَى الوَثَاقَا
يقول: إن سيف الدولة يقتل الأقران، ولا يسلبهم، ويطلق الأسرى ولا يوثقهم، إيثاراً للإبقاء عند الغلبة، واحتمالاً على العفو عند المقدرة.
وَلَمْ تَأتِ الجَميلَ إليَّ سَهْواًولم أظْفَرْ بِهِ مِنْكَ اسْتِرَاقا
ثم قال: ولم تأت ما أوليتنيه من الجميل ساهياً في فعلك، ولا مضيعاً في فضلك، ولا ظفرت به منك ظفر المسترق، ولا قبلته قبول المختلس، ولكني كنت أهلاً لما أسديته، وكنت مصيباً فيما أوليته.
فَأبْلِغْ حَاسِديَّ عَلَيْكَ أنيكَبَا بَرْقُ يُحَاوِلُ بي لِحَاقَا
كبا الجاري: إذا سقط لوجهه.
فيقول: فأبلغ من يحسدني عليك، أني الذي لا يدرك، والمتقدم الذي لا يلحق، وأن البرق لو سابقني لكبا وقصر، وعجز وتأخر.
وَهَلْ تُغْنى الرَّسائِل في عَدَّوإِذا ما لم يَكُنَّ طُبَاً رِقَاقا
ثم قال: والرسائل في العدو غير مغنية، والأقوال فيه غير مجزية، إذا لم تكن الرسائل سيوفاً ماضية، والزواجر أفعالاً واقعة.
إذَا ما النَّاسُ جَرَّبَهُمْ لِبِيبٌفإنَي قَدْ أَكَلْتُهُمُ وَذَاقَا
يقول: إذا ما الناس جربهم لبيب، عالم بأمورهم، خبير بأحوالهم، فموقع ذلك مني على ثبات معرفته، موقع الذائق من الآكل، والمتطرف من المستوعب، لإحاطتي بمعرفتهم، وتمكني في اخيبارهم.
فَلَمْ أرَ ودَّهُمْ إلاّ خِداعاًولم أرَ دِيْنَهُمْ إلا نِفَاقاً
قال، فلم أر ما يتجاوزن به من الود إلا خداعاً ومكادبة، وما يبدونه من التدين إلا نفاقاً وكمظاهرة.
يُقَصِّر عَنْ يَمينكَ كُلُّ بَحْرٍوَعمَّا لم تُلِقْهُ ما ألاقَا
لاق الشيء بالشيء: إذا لصق به وأمسك فيه.
فيقول: يقصر كل بحر عن يمينك، لعظم جودك، واتساع كرمك، ويقل ما يمسكه البحر ويجمعه عند ما تهبه وتبذله.
وَلَوْلا قُدْرَةُ الخَلاَّقِ قُلْنَاأعَمْداً كانَ خَلْقُكَ أمْ وِفَاقا
ثم قال: ولولا اتساع قدرة الله ﷿، لقلنا لما اجتمع فيك من
ضروب الخير، وتكامل لك من صنوف الفصل، أتيسر هذا أم قصد، واتفق أم اعتمد، ولكنا لا نقول ذلك لاتساع القدرة عليه.
فَلا حَطَّتْ لكَ الهَيْجاءُ سَرْجَاًولا ذَاقَتْ لَكَ الدُّنيا فِرَاقا
ثم دعا له، فقال: حطت الهيجاء سرجك، بفقدها لك، ولا زلت مالكاً لتدبيرها، ولا ذاقت الدنيا فراقك، وبقيت مصرفاً لأمورها.
وقال يمدحه، ويرثي أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان، أنشدها إياه في جمادى الأولى من سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
مَا سَدِكَتْ عِلَّةُ بِمَوْرُودِأكْرَمَ مِنْ تَغْلِبَ بنِ دَاودِ
السدك: المولع بالشيء.
فيقول: ما ولعت علة بمورود نالته، وعليل داومته، أكرم من هذا الهالك تغلب بن داود.
يَأنَفُ من مِيْتَةِ الفِرَاشِ وَقَدْحَلَّ بٍِهِ أصْدَقُ المَوَاعيدِ
ثم قال: يأنف من أن يموت على فراشه، وأن يهلك حتف أنفه، وقد حل به من الموت وما لا يدفعه بأنفته، ولا يرده بشجاعته؛ لأنه أصدق موعود، وختم غير مردود.
وَمِثْلُهُ أنْكَرَ المَماتَ عَلَىغَيْر سُرُوجِ السَّوَابحِ القُودِ
السوابح في الخيل: التي تمد أيديها في الجري، والقود: الطوال الأعناق، واحدها أقود.
فيقول: ومثل أبي وائل من الممارسين للحرب، والمتحققين بها، والمقدمين على شدائدها، أنكر الموت على غير سروج الخيل السوابح في طردها، الدالة على الكرم بقودها وحسن خلقها.
بَعْدَ عِثَارِ القَنَا بِلَبَّتِهِوضَرْبِهِ أرؤُّسَ الصَّنَادِيدِ
الصناديد: الملوك.
ثم قال، مؤكداً لما قدمه: بعد استهدافه للرماح، وتعثرها بلبته، واعتصامه منها بحصانة سلاحه، وضربه رؤوس الملوك في وقائعه، وإقدامه عليهم في ملاحمه.
وَخَوْضِهِ غَمْرَ كُلِّ مَهْلَكَةٍللذِّمْرِ فيها فُؤَادُ رِعْدِيدِ
الغمر: مجتمع الماء، فاستعار ذلك من الحرب، والذمر: الشجاع، والرعديد: الجبان.
ثم قال: وبعد خوضه من الحرب أشد مواضعها، واقتحامه على مجتمع مهالكها، حيث يكون قلب الشجاع الجريء، كقلب الجبان الضعيف، أصابه الموت وادعاً في حاله، واخترمه آمناً بين أهله.
فَإنَّ صَبَرْنَا فإنَّنَا صُبُرُوإن بَكَيْنَا فغيْرُ مَرْدُودِ
يقول: فإن صبرنا على هذا المصاب، فنحن متقدمون في الصبر، مستقلون بمؤلم الرزء، وإن بكينا، فغير مردود من نبكيه، ولا مرجو من نحزن عليه.
وَإنْ جَزِعْنَا لَهُ فَلاَ عَجَبُذَا الجَزْرُ في البَحْرِ غَيْرُ مَعْهُودِ
ثم قال: وإن جزعنا على هذا المفقود، فلا عجب في ذلك، ففقده جليل أمره، والمصاب به لم يعهد مثله. وضرب بالجزر الذي ينتقص البحر مثلا في هذا الرزء، وكنى به عن عظيم هذا الخطب.
أيْنَ الهِباتُ التي يُفَرِّقُهاعَلَى الرَّزَافاتِ والمَوَاحيدِ
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع