تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الجزء الثاني (٢)

الخافي من الأشياء: الذي يبدو ويظهر، والخفي: الذي ينطوي ويستتر، والمين: الكذب.

فيقول، وهو يريد كافورا: أريك من نفسي الرضا بقصدك، والاغتباط بما يكون من فعلك، لو أخفت النفس ما هو ظاهر من تكرهي لك، وطوت قدمي على ما ظننته من الجميل بك، وما أنا مع ما أظهره راضيا عنك، للدناءة التي خبرتها منك، ولا عن نفسي لسوء ما تخيرته فيك.

ثم قال: جمعت الإخلاف واليمن والخسة والغدر والدناءة والجبن، فما أدري أن كنت جثة منصوبة أو مخازي مجموعة؟!.

تَظُنُّ ابتِساماتِي رضجَاءً وغِبطَةًوَمَا أَنَا إلاَّ ضاحِكٌ مِنْ رَجَائِيا
وَتَعجِبُنِي رِجلاَكَ في النَّعلِ إنَّنيرَأيتُكَ ذا نَعلٍ وَإنْ كُنتَ حَافِيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»
وَإنَّكَ لا تَدري أَلونُكَ أَسودٌمِنَ الجَهلِ أم قَد صَارَ أبيَضَ صَافِيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

يقول، وهو يخاطب كافورا: أتظن ما أظهره من الفرح والتهلل، وآوي إليه من الضحك والتبسم، رجاء فيك، وغبطة بك، وجنوحا إليك، وإخلاصا لك، وما أنا إلا ضاحك من الرجاء الذي عدل بي إليك، والرأي المخطئ الذي قصر أملي عليك.

ثم قال، وهو يخاطبه: وتعجبني رجلاك وأستغربهما، ويطول ضحكي عند تأملها؛ لأني أراها، وإن كنت حافيا، في نعلين من جفاء جلدتهما، وواقيتين من خشونة خلقتهما.

ثم قال: ورأيتك لا تدري، لشدة جهلك، وما أنت عليه بسبيله من عمى قلبك،

ألونك أسود حالك سواده، أم هو أبيض ناصع بياضه؟ ومن جهل مثل هذا من نفسه، لم تكن به هدية في شيء من أمره.

وَيَذكرُني تَخييطُ كَعبِكَ شَقَّهُوَمَشيُكَ في ثَوبٍ مِنَ الزَّيتِ عَارِيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»
وَلَولاَ فُضولُ النَّاسِ جِئتُكَ مادِحَاًبِمَا كُنتُ في سِرِّي بِهِ لَكَ هاجِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»
فَأصبَحتَ مَسرُوراً بِما أَنا مُنشِدٌوإن كَانَ بالإنشَادِ هَجوُكَ غَالِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

تخييط الكعب: ظهور آثار الشقوق الملتئمة فيه كالخيوط في بياضها واندماجها.

فيقول، وهو يريد كافورا: ويذكرني تخبيط كعبك بشقوقه في حين مهنتك، وما كنت عليه زمان عبوديتك، ومشيك عاريا في ثوب من الزيت الذي كنت تواصل الإدهان به، وتكثر الاستعمال له.

وخصيان النوبة في حين جلبهم إلى مصر، يساقون عراة؛ ليس عليهم غير جلود تستر عوراتهم، ويكثرون من الإدهان بالزيت، ليلينوا بذلك ما جف من جسومهم، فأشار أبو الطيب لكافور إلى تلك الحال التي تصرف في بؤسها، وتقلب في دناءتها، وقال: (في ثوب من الزيت) على سبيل الاستعارة؛ لأن الزيت لما شمل جسمه صار كالثوب له.

ثم قال مخاطبا له: ولولا فضول الناس، وأني لا آمن على أن ينبهوك على ما لا تعلمه، ويشرحوا لك ما لا تفهمه، لأنشدتك هجوك على طريق المدح وأنت لا تفهم، وأجزت ذلك عليك وأنت لا تعلم.

ثم قال: فكنت تصبح مسرورا بما أنشده من هجوك، وأوفق الصدق بذلك في وصفك، وأن كان هجوك غاليا يتكلف (ما) لا تشاكله، ومتواضعا عن إشغال الفكر به.

فَإنْ كُنتُ لا خَيراً أَفَدْتُ فَإنَّنيأَفَدتُ بِلَحظِي مِشفَرَيكَ المَلاَهِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»
وَمِثلُكَ يُؤتَى مِن بِلادٍ بَعيدَةٍلِيُضحِكَ رَبَّاتِ الخُدُورِ البَوَاكِيَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا»

المشفر: إنما يكون للبعير، وهو منه بمنزلة الشفة من الإنسان، فاستعاره في كافور، إشارة إلى عظم شفتيه، وقبح خلقه، وهجنة شخصه، والخدور: جمع خدر، وهو ما تحجب النساء به من الستور في البيوت والهوادج.

فيقول لكافور: وأن كنت لم أفد خيرا في قصدك، ولا حصلت على طائل من برك، فقد أفدت بملاحظة مشفريك أفراحا مسلية، وضروبا من المضحكات مهلية.

ثم قال: وملك يؤتى من بلاد البعيدة، ويتكلف إليه مؤن الأسفار الطويلة، ليسلي ربات الخدور إذا طرقهن الحزن، ويلهيهن إذا عظم عليهن الرزء، فأخبر أنه لا نظير له في قبحه، ولا شبيه له في استكراه الأبصار لشخصه.

وقال أيضاً:

مِنْ أَيَّةِ الطُّرقِ يَأتِي مِثلَكَ الكَرَمُأينَ المَحَاجِمُ يا كَافُورُ والجَلَمُ؟
جَازَ الأُولى مَلَكَتْ كَفَّاكَ قَدرَهُمُفَعَرِّفُوا بِكَ أَنَّ الكَلبَ فَوقَهُمُ
لا شَيَء أَقبَحُ مِنَ فَحلٍ لَهُ ذَكَرٌتَقُودُهُ أَمَةٌ لَيسَتْ لَهَا رَحِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

الجلم: المقراض، والمعروف فيه أن يقال: جلمان، إلا أنه قد جاء في بعض أشعار المتقدمين، قال بعض الأعراب: ونيرب من موالي السوء ذي حسد يفتات لحمي ولا يشفيه من قرم داويت صدرا طويلا عمره إحنا منه وقلمت أظفارا بلا جلم.

الرحم: وعاء الولد في البطن.

فيقول مخاطبا لكافور: كيف لك بالكرم الذي لا يشبهك؟! ومن أية الطرق يقصدك وهو لا يليق بك؟! وإنما كنت عبدا ساقطا تحلق وتحجم، وتلوم ولا تكرم.

ثم قال: جاز أهل مصر أقدارهم فيما تخلقوا به من الكبر، وأمنوه من حوادث الدهر، فعرفوا بولايتك لأمورهم، وانفرادك بتدبيرهم، أن الكلب مع ضعته يتعالى عنهم، وأنه أرفع منزلة منهم.

ثم قال: لا شيء أقبح من فحل كامل الخلق، سوي جميل الشخص، يقوده متملكا، ويصرفه متلاعبا به، خصي أسود يخرج من الرجال بالخصاء، ويتواضع عن حقيقة النساء.

سَادَاتُ كُلَّ أُنَاسٍ مِنْ نُفُوسِهمُوَسَادَةُ المُسلمِينَ الأعبُدُ القُزُمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»
أَغَايَةُ الدِّينِ أَن تَحفُوا شَوَارِبَكُمْيا أُمَّةً ضَحِكَتْ مِنْ جَهلِهَا الأُمَمُ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

القزم: اللئام المحتقرون، وهي كلمة بمعنى المصدر، تقع للواحد والجمع، وإحفاء الشوارب: استئصال ما فيه من الشعر بالحلق، وكان أهل مصر يفعلون ذلك.

فيقول: سادات كل أمة رجال من أنفسهم، ومقدمون من صميمهم، وسادة المسلمين العبيد الذين لا تعرف أنسابهم، ولا ترضى مذاهبهم وأحوالهم. يشير إلى كافور وغيره ممن تأمر في أمصار المسلمين من الأتراك والديلم، فتممه على غلظ الخلق

في أمرهم وما نفذ في الإسلام من مكرهم.

ثم قال مخاطبا لأهل مصر: أغاية الدين عندكم، وجملة الفضل في معتقدكم إحفاؤكم شواربكم، وتقبيحكم بذلك لمناظركم، وأنتم مع ذلك معرضون عن محنتكم بهذا العبد الأسود الذي ملك رقابكم، وأستذل خياركم، وهذه العبارة وأن كانت تزيد على لفظه، فهي معربة عن حقيقة قصده، ومفهومة عند تأمل شعره.

ألا فَتىً يُورِدُ الهِندِيَّ هَامَتَهُكَيمَا تَزُولَ شُكُوكُ النَّاسِ والتُّهَمُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»
فَإِنَّهُ حُجَّةٌ يُؤذِي القُلُوبَ بِهَامَن دِينُهُ الدَّهرُ والتَّعطِيلُ والقِدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»
مَا أَقدَرَ اللَّهَ أَنْ يُخزِي خَليقَتَهُولا يُصَدِّقُ قَوماً بِالَّذي زَعَمُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من أية الطرق يأتي نحوك الكرم»

الهامة: الرأس من جميع الحيوان.

فيقول مشيرا إلى كافور: ألا فتى يورد السيف هامته فيقتله، ويبيع نفسه من الله في ذلك، ويهلكه ليزيل من أنفس الناس ما يلحقهم به من الشكوك والتهم، وتسقط عنهم ما يدركهم من الضلالات والفتن.

ثم قال: فإن تأمر مثل هذا الخصي الأسود، مع سقوطه وضعته، وعبوديته وخسته، حجة لأهل التعطيل والزيغ والقائلين بقدم الدهر، يؤذون القلوب بما في أمره من ظاهر المحنة، ويتسلطون بذلك على أهل التقصير والغفلة.

ثم قال: ما أقدر الله على أن يعاقب خليقته عن ذنوبهم بما شاء، دون أن يعجل لهم ما عجله من الخزي، وأن ينالهم ما نالهم به من الضر، وأن يكفيهم أمر كافور الذي قد صار من فتن الملحدين، وحدث به أشد المكاره على المسلمين.

وقال أيضاً:

أَمَا فِي هذهِ الدُّنيا كَرِيمُتَزُولُ بِهِ عَنِ القَلبِ الهُمومُ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»
أما في هذهِ الدُّنيا مَكَانٌ يُسَرُّبِأَهلهِ الجَارُ المُقيمُ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»
تَشَابَهَتِ البَهَائِمُ والعِبِدَّى عَلَيناوالمَوَالِي والصَّمِيمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

البهائم: ذوات الأربع وما أشبهها، والعبدى: جماعة العبيد على غير قياس واحده، والصميم: الخالص من كل شيء.

فيقول: أما في هذه الدنيا كريم يسكن إليه، وذو فضل يعول عليه، تزول بموضعه هموم النفس وتبعد، وتستدفع عنها المكاره وتطرد؟.

ثم قال: أما في هذه الدنيا مكان صالح يسكن العاقل إلى مثله، ويسر بما يباشره من حسنه، ويتأنس الجار المقيم فيه بعوائد فضله، ويغدو ويروح متشكرا لأهله؟!.

ثم قال: تشابهت البهائم فيه والعبدى لعدم العقول، وتساوت الطائفتان في قصر العلوم، وصار صميم القوم ومواليهم أشكالا في تواضع الهمم، وأشباها يعتقدونه بالإعراض عن الكرم.

وَمَا أَدرِي إذا دَاءٌ حَدِيثُأَصَابَ النَّاسَ أَمْ دَاءٌ قَدِيمُ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»
حَصَلتُ بأرضِ مِصرَ على عَبِيدٍ كَأَنَّالحُرَّ بَينَهُمُ يَتِيمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»
كَأَنَّ الأسوَدَ اللاَّبِيَّ فِيهِمْ غُرَابٌحَولَهُ رَخَمٌ وَبُومُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»

اللابي: منسوب إلى اللابة وهي الحرة، والحرة: أرض تلبسها حجارة سود، فنسب السودان إليها على سبيل المجانسة في اللون. روى أبو عبيدة أن العرب تقول في الحرة: لابة ولوبة، وإلى ذلك نسب السودان، وروى غيره لابة، والرخم والبوم: ضربان معروفان من الطير يماثلان الغربان في تكره الناس لهما، واستيحاشهم من أصواتهما.

فيقول: وما أدري أهذا الذي أصاب الناس، من محبتهم برئاسة العبدان، وأهل الزهادة في التفضل والإحسان، داء حديث طرقوا به، أو أمر قديم عرضهم الزمان

له.

ثم قال: حصلت بأرض مصر بين عبيد متغلبين وسوق معتدلين، كأن الحر فيهم يتيم مغلوب على أمره، ضعيف لا يدفع الضر عن نفسه.

ثم قال مشيرا إلى كافور: كأن الأسود اللابي، المتغلب على ملكهم، المنفرد بتدبير أمرهم، بين من يستضيف إليه من أصناف العبيد، اللذين هم أنصار دعوته، وأشباهه في دناءته، غراب يتجند بالبوم والرخم، ولا ينسب هو ولا من حوله إلى شيء من الكرم.

أُخِذتُ بِمَدحِهِ فَرَأيتُ لَهوَاًمَقَالِيَ لِلأحَيمَقِ يا حَليِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»
وَلَمَّا أَن هَجَوتُ رَأيتُ رَأيتُ عَيبَاًمَقَالِي لأبنِ آوَى يا لَئِيمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»
فَهَلْ مِن عَاذِرٍ في ذا وفي ذافَمَدفُوعٌ إلى السُّقمِ السَّقِيمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما في هذه الدنيا كريم»
إذا أَتَتِ الإساَءةُ مِنْ وَضيعٍوَلَمْ أَلمُ المُسِيَء فَمَنْ أَلُومُ؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحليم: الوافر العقل، الواسع الصدر، وأبن آوى: دويبة ضعيفة حقيرة، واللئيم: الدنيء الساقط.

فيقول مشيرا إلى كافور: دفعتني الأيام إلى مدحه، وامتحنتني بقصد مثله، فرأيت بابا من اللهو، وضربا من ضروب الهزء، أن أصفه بالحلم مع بيان سخفه، وبالرجاحة مع ظهور ضعفه.

ثم قال: ولما أن أخذت في هجوه وعدلت إلى ذمه، رأيت من العي أن أدل من عيوبه على ما لا يجهل، ومن نقصانه على ما لا ينكر فأصير كمن يحتقر أبن آوى ولا أحد يستعظمه، ويسترذله ولا أحد من الناس يستنبله.

ثم قال: فهل من عاذر لي في الأمرين اللذين عاينتهما من مدحه وذمه، وتقريظه وهجوه؟ فلم أك في ذلك إلا في قبض الاضطرار، وغير جار على شيء من وجوه الاختيار.

ثم قال مشيرا إلى الاعتذار من انحطاطه إلى هجو كافور: إذا أتت الإساءة من وضيع خسيس، قذر، لئيم، حقير أمره، ولم ألمه على سوء فعله، وأعنفه بتقصير عقله، فمن الذي أعتمده باللوم، وأصرف فيه وجوه الهجاء؟!.

وقال أيضا:

أَنوَكُ مِن عَبدٍ وَمِن عِرسِهِكمَن حَكَّمَ العَبدَ عَلى نَفسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»
وإنَّما تُظهِرُ تَحكِيمَهُ لِيَظهَرَالإفسَادُ في حِسِّهِ
ما مَنْ يَرَى أَنَّكَ في وَعدِهِكَمَنْ يَرَى أَنَّكَ في حَبسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»

عرس الرجل: زوجه، والحس: إدراك الأشياء بإحدى الحواس.

فيقول مشيرا إلى كافور: أنوك من العبد ومن عرسه الذي هو قيم أمرها، والمطلق على ملكها، من حكم العبد في نفسه، وهو يجد السبيل إلى مفارقة أرضه، والتباعد عن قربه.

ثم قال: وإنما نظهر التسليم لأمره، والوقوف عند رأيه، مغالطين غير محققين، ومظاهرين غير مجدين، لنخدعه عن نفسه، ونبين الإفساد في معرفته وحسه.

ثم قال: وليست حال من توهمه أنك منتظر لفضله، ومرتقب لما أسلف عندك من وعده، كحال من يعتقد أن بقاءك فيما قبله بقاء ضرورة وحبس، وغلبة وقهر، فنحن مضطرون إلى مغالطته في بقائنا عنده، لنستدفع بذلك مخوف فعله، ونأمن ما نحذره من أمره.

العَبدُ لا تَفضُلُ أَخلاَقُهعَنْ فَرَجِهِ المُنتِنِ أو ضِرسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»
لا يُنجزُ المِيعادَ في يَومِهِولا يَعِي ما قَالَ في أمسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»
وإِنَّما تَحتالُ في جَذبِهِكأَنَّكَ المَلاَّحُ في قَلسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»

الملاح: النوتي، والقلس: حبل ضخم من حبال السفينة.

فيقول: العبد بطبعه قصير الهمة، لئيم البنية، ليس في أخلاقه فضل عن فرجه وفمه، يشير إلى النكاح والأكل، واشتغال العبد بهما، وأن همته لا تتجاوزهما.

ثم قال، وهو يؤكد ما قدمه: أن وعد العبد بوعد تناساه في يومه، ولم يستقبح الكذب فيه على نفسه، وأن فاتحك بقول تناساه في ليلته، ولم يضبطه في الأمس بلؤم طبيعته.

ثم قال، وهو يشير إلى كافور: إنما تحتال في جذبه إلى ما ترغبه وعطفه على (ما) تقصده، باستعمال المخادعة، وإظهار الملاطفة، على نحو ما يتحيل الملاح في جذب قلس السفينة، وما يتحمله في ذلك من المؤونة.

فَلاَ تُرَجِّ الخَيرَ عِندَ امرئٍمَرَّتْ يَدُ النَّخَّاسِ في رَأسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»
وإنْ عَرَاكَ الشَّكُّ في نَفسِهِبِحالَةٍ فأنظُرْ إلى جِنسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»

يقول، وهو يخاطب نفسه، ويشير إلى كافور: فلا ترج الخير عند متن لئيم محتقر، قد مرت يد النخاس الذي عرض البيع به في ضرب رأسه، وامتهان نفسه، وإن نازعك في لؤم قدره، وتواضع أمره، بحال ينتقل إليها من الثروة، ورتبة يصير إليها من الرفعة، فأنظر إلى جنسه في العبودية، يتبين لك لؤم طبيعته، ولا يستتر عنك تمكن دناءته.

فَقَلَّما يَلؤمُ في ثَوبِهِإلاَّ الذي يَلؤم في غِرسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»
مَنْ وَجَدَ المَذهَبَ عَنْ قَدرِهِلم يَجِدِ المَذهِبَ عَنْ قِنسِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنوك من عبد ومن عرسه»

الغرس: شيء يخرج من الولد كأنه مخاط، والقنس: الأصل.

فيقول على نحو ما قدمه: فقل من يتحقق منه اللؤم مشاهدة، ويتبين منه معاينة، إلا الذي يكون اللؤم في خلقته، ويلزمه في حين ولادته.

ثم قال على سبيل المثل، مؤكدا لما قدمه: من وجد مذهبا على قدره بنعمة يكتسبها، ومنزلة يستجدها، لم يجد مذهبا عن أصله، الذي إليه ينزع بطبعه، ويستبين عليه في قوله وفعله.

وسبب له إلى الرملة بمال يقبضه، فأستأذنه في الخروج إليها ليقبض المال، فمنعه من الخروج، وقال له: نحن نوجه لك من يقبضه فقال:

أتَحلِفُ لا تُكلِّفُني مَسِيراً إلىبَلَدٍ أُحَاوِلُ فِيهِ مَالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتحلف لا تكلفني مسيرا»
وأَنتَ مُكلِّفِي أَنبَا مَكَانَاً وأَبعَدَشُقَّةً وَأَشَدَّ حَالا
إذا سِرنَا عَنِ الفُسطَاطِ يَومَاًفَلِّقني الفَوَارِسَ والرِّجالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
لِتَعلَمَ قَدرَ مَنْ فَارَفتَ مِنِّيوَأَنَّكَ رُمتَ مِن ضَيمِي مُحالا

الشقة: المسافة، والفسطاط: قصبة مصر، والضيم: الذل.

فيقول، وهو يريد كافورا: أتحلف على أنك لا تكلفني مسيرا أتمونه، ولا تحملني سفرا أتجشمه، وأن كان ذلك المسير إلى مال أستفيده، ومكسب أستحدثه، مظهرا للصيانة لي، ومحتملا على الضنانة بي.

ثم قال: وأنت تكلفني المقام عندك في أنأى مكان من ذلك واكره، وأسوأ حال وأضيق، وتحملني في ذلك أبعد المسافات المنيعة، وتشملني بأشد الأحوال الموجعة.

ثم قال: إذا ما سرت عنك من الفسطاط يوما، أخرج به عن ضبطك، ويسقط عني ما أحاط بي من حصرك، فلقني فوارسك ورجلك وأجلب في تعويقي عن السير بمبلغ جهدك.

ثم قال: لتعلم قدر من تفارق مني في الإقدام والجرأة، والصرامة والقوة، وأنك قد حاولت من ضمي محالا لا يتمكن لمحاوله، وأمرا لا يقرب على متناوله.

وقال أيضاً:

لَو كَانَ ذَا الآكِلُ أَزوَادَنَا ضَيفَاًلأَوسَعنَاهُ إحسَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لو كان ذا الآكل أزوادنا»
لَكِنَّنا في العَينِ أَضيَافُهُ يُوسِعُنَازُورَاً وَبُهتَانَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لو كان ذا الآكل أزوادنا»
فَلَيتَهُ خَلَّى لَنَا طُرقَنَا أَعانَهُاللَّهُ وإِيَّانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الزور: الكذب، والبهتان: قذفك الإنسان بما ليس فيه.

فيقول، وهو يريد كافورا: لو كان هذا الذي يأكل ما تزودناه، ويتحيف ما جمعناه، بإغفاله أمرنا، واضطرارنا إلى الإنفاق مما عندنا، (ضيفا) نتكلف مؤونته، وسائلا نتيقن ضرورته، لأوسعناه إحسانا ويرا، ولأوليناه إكراما وفضلا.

ثم قال: ولكننا أضيافه في عين الناظر، وقصاده في الشاهد، وهو يوسعنا مع ذلك زورا فيما يعدنا به، وبهتانا فيما يعرضنا له، غير مراع لحق ضيافتنا، ولا آخذ بحق من مجاملتنا.

ثم قال: فليته خلى لنا طرقنا فننصرف عنه، ولم يعترضنا في سلك سبلنا فنريح أنفسنا منه، وفقه الله لما فيه كفايتنا بفضله، وتخلصنا منه بخفي لطفه.

وقال عند خروجه من مصر في سنة خمسين وثلاث مائة.

عِيدٌ بأَيَّةِ حَالٍ عُدتَ يا عِيدُ بِمَامَضَى أَمْ لأَمرٍ فِيهِ تَجدِيدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالبَيدَاءُ دُونَهُمُفَلَيتَ دُونَكَ بِيداً دُونَها بِيدُ
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»

العيد: ما اعتاد الإنسان من مرض أو حزن، قال الشاعر:

عَادَ قَلبِي مِنَ الطَّويلَةِ عِيدُواعتراني مِنْ حُبِّها تَسهِيدُ

البيداء: المفازة المقفرة، وجمعها بيد، وكسرت الباء من بيد، وهي على وزن فعل، للياء التي بعدها، كما فعل ذلك ببيض.

فيقول مخبرا عن الحزن الذي كان يعتاده باتصال غربته، وتراخي عهده بأحبته: عيد أنت أيها الحزن تتتابع ولا تغفل، وتتكرر ولا تفتر، فبأي حال عدت الآن أيها الحزن المتأكد، والبث المتمكن؟! ألمثل ما مضى وأنصرم، وسلف وتقدم، أم بضرب من الأشواق أحدثته، ونوع من أنواع الأحزان جددته؟!.

ثم قال، يخاطب البث المعتاد له، والحزن المتولع به: أما الأحبة فدارهم نازحة، والبيد المقفرة فيما بيني وبينهم قاطعة، وأنت أيها الحزن قريب لا تبعد، وملازم لا تفقد، فليت بيني وبينك مسافات متراخية، ومفازات بعيدة متنائية.

لَولاَ العُلَى لم تَجُبْ بي ما أَجُوبُ بِهَا وَجَنَاءُحَرفٌ ولا جَرداءُ قَيدودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
وَكَانَ أَطيَبَ مِن سَيفِي مُضَاجَعَةًأَشبَاهُ رَونَقِهِ الغِيدُ الأمَالِيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

جبت المفازة: إذا قطعتها، والوجناء: الناقة الضخمة القوية، والحرف: الضامرة، والجرداء: القصيرة شعر الجلد، والقيدود: الطويلة، ورونق السيف: ماؤه وصفاؤه، والغيد: الطوال الأعناق، الواحدة غيداء، والماليد، الحسان النواعم، الواحدة أملود.

فيقول: لولا العلى وما أرغبه من إكتسابها، وما أعتقده من الشغف بها، لم أتمون الأسفار الطويلة، ولا تكلفت الرحل البعيدة، ولا قطعت بي الفلوات النازحة، والمهامة الشاسعة، نجائب الإبل وكرائمها، وعتاق الخيل وسوابقها.

ثم قال: وكان أطيب من مضاجعة السيف في الأسفار التي أحاولها، والرحل التي

ألازمها، الخفض والدعة، والسكون والرفاهية، ومضاجعة الحسان اللواتي يشبهن رونق السيف بما هن عليه من الحسن والبهجة، ويتمكن الفلوات بما يبدين من الشباب والنعمة.

لم يَترُكِ الدَّهرُ مِن قَلبِي وَمِنْ كَبِدِيشَيئاً يُتَيِّمُهُ عَينٌ ولا جِيدُ
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»
يا سَاقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُماأَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهِيدُ؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
أَصَخرَةٌ أَنَا؟ ما لي لا تُغَيِّرُنيهذي المُدَامُ ولا هذي الأَغاريدُ!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يتيمه: يستعبده، والتسهيد: ذهاب النوم، والأغاريد: الأصوات المطربة.

فيقول: أن الدهر بكثرة نوائبه، وما طرقه به من مؤلم حوادثه، أعدمه قلبه وكبده، بتأثير أوجد فيهما، فلم يترك له منهما ما تتيمه العيون الفاترة، وتروق الأجياد الناعمة.

ثم قال: يا ساقيي أهذا الذي تدايرانه في كؤوسكما خمر يلتذ بطعمها، ويستفاد السرور بشربها، أم ذلك هم وسقم، وتسهيد وألم؟ يشير إلى أن الخمر كانت تثير كوامن وجده، وتجدد أسباب حوبه.

ثم قال معجبا بما هو عليه من تعذر السلوة، وقلة الجلد على الغربة: أصخرة أنا فلا تغيرني المدام بما تبعثه من الفرح، والأصوات الغردة بما تثيره من الطرب! فقد خرجت في ذلك عن المعهود، واقتصرت على الأسف الشديد.

إذا أَرَدتُ كُمَيتَ اللَّونِ صَافِيَةًوَجَدتُها وَحَبِيبُ النَّفسِ مَفقُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
ماذا أبقَيتُ مِنَ الدُّنيا؟ وأعجَبُهاإِنِّي بِما أَنا بَاكٍ مِنهُ مَحسودُ!
أمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خَازِنَاً وَيَداًأَنَا الغَنِيُّ وَأقوَالي المواعِيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الكميت من الخمر وغيرها: ما كان فيه حمرة وسواد، والمثري: الكثير المال.

فيقول: إذا أردت الخمر الكميت الصافية ألفيتها قريبة ممكنة، كثيرة متأتية، إلا أن أحبه وأمقه، وأسكن إليه وأتعشقه، بعيد متعذر القرب، معدوم غير متمكن الوصل؛

وهذه الحال تمنع من السرور بالخمر، وتثير الأحزان في القلب.

ثم قال: ماذا لقيت من الدنيا وتصرفها، ومن الأيام وتقلبها، وأعجب ما خبرت من ذلك وباشرت، وأغرب ما أبصرت منه وشاهدت، أني أحسد على ما هو يبكي ويحزن، وأنافس في ما مثله يوجع ويؤلم.

ثم قال: أمسيت أروح المثرين نفسا وخادما، وأفرغهم يدا وخازنا، لأني غني وأموالي عدات غير حاصلة، ومكثر وذخائري أقوال غير صادقة.

إنِّي نَزَلتُ بِكَذَّابِينَ ضَيفُهُمُعَن القِرَى وَعَن التَّرحَالِ مَحدُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
جُودُ الرِّجالِ مِنَ الأيدِي وَجودُهُمْمِنَ اللِّسَانِ فلا كَانُوا ولا الجُودُ
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»
مَا يَقبِضُ المَوتُ نَفساً مِن نُفُوسِهمُإلاَّ وفي كَفِّهِ مِن نَتنِها عُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

المحدود: الممنوع.

فيقول مشيرا إلى كافور، ومن كان يستضيف إليه (من) الإخشيدية: إني نزلت بكذابين لا يصدقون في قلوبهم، مذمومين لا يشكرون في فعلهم، يمنعون ضيفهم من أن يقضوا بالقرى حقه، ويعرضون عنه ويطرحون بره، ويحولون بعد ذلك بينه وبين الرحيل من أرضهم، ويتركونه محبوسا على شرهم. يشير إلى أن كافورا قصر من أمره، ومنعه مع ذلك من الخروج عن أرضه.

ثم قال: جود كرام الرجال بأيديهم وبذلهم، وما يتقدمون به من إحسانهم وفضلهم، وجود كافور وأصحابه من ألسنتهم وقولهم، وما يستجيزونه من كذبهم وإفكهم، فلا كانوا ولا كان الجود المرجو منهم، ولا أعدمهم الله الذم المأثور عندهم.

ثم قال: ما يقبض الموت نفسا من أنفسهم الدنية، ولا يتلف روحا من أرواحهم الخبيثة، إلا والموت يتكره ذلك ويتقذره، ويتفادى منه ويتسخطه، حتى كأنه إنما يتناول تلك النفوس بعود يصونه عن قبح روائحها، ويدفعها به إلى خبيث مصائرها. فبين أنهم أرجاس مهجورون، وسقاط محتقرون.

مِنْ كُلِّ رِخو وكِاءِ البَطنُ مُنفَتِقٍلا في الرِّجالِ ولا النِّسوانِ مَعدُودُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أَكُلَّما اغتَالَ عَبدُ السُّوءِ سَيِّدَهُأو خَانَهُ فَلَهُ في مِصرَ تَمهيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
صَارَ الخَصِيُّ إمامَ الآبِقِينَ بِهافالحُرُّ مُستَعبَدٌ والعَبدُ مَعبودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الوكاء: الرباط، واغتال: قتل على غفلة، والتمهيد: التوطئة.

فيقول مشيرا إلى كافور: من كل عبد قد نقص الخصاء رباط بطنه، واضطربت لذلك أعضاء جسمه، فهو كالمنفق الذي لا يملك نفسه، والمغلوب الذي لا يضبط أمره، لا يعتد به في الرجال ولا في النسوان، ولا يلحظ إلا بعين النقصان.

ثم قال مشيرا إليه: أكلما اغتال عبد السوء سيده؛ بخيانة وجناية يتقلدها، كان له في مصر عند كافور تمهيد يفزع إليه، وسند يعول إليه، يريد أن لؤم العبودية نسب بينه وبين شرار العبيد، فهم يقصدونه فيأمنون به، ويقتحمون جناياتهم على طريق التأميل له.

ثم قال: صار الخصي كافور في هذه البلدة إمام الآبقين، وملجأ للمذنبين، فالحر فيما قبله مستعبد بحريته، مستذل بعروبيته، والعبد كالمعبود لجلالة قدره، وما يعترف به من تعظيم حقه.

نَامَتْ نَواظير مِصرٍ عَنْ ثَعالِبِهافَقَدْ بَشِمنَ وَمَا تَفنَى العَنَاقِيدُ
العَبدُ لَيسَ لِحُرٍّ صَالِحٍ بِأخٍلَو أَنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
لا تَشتَرِي العَبدَ إلاَّ والعَصَا مَعَهُإنَّ العَبِيدَ لأَنجَاسٌ مَناكِيدُ

النواظير: المخترسون، والبشم: غثيان النفس من الإفراط في الأكل، والأنجاس: الأقذار، الواحد: نجس، والمناكيد: المشائيم.

فيقول: نام المخترسون بفوائد مصر، والمعظمون لحرمتها، والمدافعون عن حوزتها، عن منع العبيد من ملكها، ودفعهم عن التغلب على أرضها، وكنى بالثعالب عن العبيد جنسهم، وضعتها في أنفسها. ثم قال: فقد أبشم تلك الثعالب

كثرة الأكل، وفوائد مصر لا تنفذ، وخيراتها لا تعدم، وكنى بالعناقيد والثعالب عن العبيد والفوائد.

ثم قال: العبد لا يؤاخي الحر الصالح؛ لمخالفته له بطبعه، ومباينته إياه بجنسه، فهو لا يألفه ولا يوده، ولا يضافيه ولا يحبه، لو أنه المشتمل عليه عند ولادته، والحافظ له بالغ حياطته.

ثم قال: لا تشتر العبد إلا وأنت مشتر للعصا معه، لتدخله تحت المخافة، وتحمله على أشد الإهانة، وإلا فإنك لا تستخلص وده، ولا تنتفع بما عنده، فالعبيد أنجاس لا يعدم نكدهم، شرار لا يؤمن تمردهم.

ما كُنتُ أَحسِبنُي أَحيَا إلى زَمَنٍيُسِيءُ بي فِيهِ كَلبٌ وهو مَحمُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
ولا تَوَهَّمتُ أَنَّ النَّاسَ قَد فُقِدواوَأَنَّ مِثلَ أَبي البَيضَاءِ مَوجودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
وَأنَّ الأسوَدَ المَثقُوبَ مِشفرُهُتُطِيعُهُ ذِي العَضَارِيطُ الرَّعادِيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
جَوعَانُ يَأكُّلُ مِنْ زَادِي ويَحسِبُنِيلِكي يُقالَ عَظِيمُ القَدرِ مَقصُودُ

أبو البيضاء: كناية عن سواد اللون على سبيل التفاؤل، كما قالوا للديغ سليم، وللقفر المفازة، والعضاريط: الذين يخدمون بطعام بطونهم، واحدهم عضروط، والرعاديد: الجبناء، واحدهم رعديد.

فيقول: ما كنت أحسبني أستديم العمر، وأصحب الدهر، إلى زمن بشيء بي فيه مثل كافور، وهو الكلب لؤما وضعة، وسقوطا ودناءة، وما اتفق له من السلطان، وأقترن به من إسعاد الزمان، يوجبان مظاهرته بالحمد على سوء فعله، والمساعدة له فيما يتكره من أمره.

ثم قال: ولا توهمت أن الناس قد عدم رؤساؤهم، وفقد زعماؤهم، حتى صار مثل أبي البيضاء موجودا فيمن يؤمل رفده، مذكورا فيمن يحاول قصده.

ثم قال، وهو يريد كافورا: ولا ظننت أن مثل هذا الأسود المثقوب المشفر، اللئيم

المحتقر، يرتهن طاعة المتصلين به من أتباعه السقاط الأرذلين، الأدنياء المستضعفين. وسمى شفته مشفرا على سبيل الإستعارة، وأشار بذلك إلى قبح خلقها، وتفاوت عظمها، والمشافر من الإبل كالشفاة من الناس، ودل بما ذكره من ثقبها على أنه من جفاة السودان، وأهل الغباوة فيهم والنقصان.

ثم قال: جوعان بلؤم طبعه وما هو عليه من افتقار نفسه، فهو لا يفتقدني بشيء من بره، ويسلبني ما قد تزودت به إلى أرضه، ويمنعني مع ذلك من الرحلة، ولا يوجدني سبيلا إلى النقلة، لكي يقال أنه مقصود مؤمل الفضل، مرجو معظم القدر.

إنَّ امرَأً أَمَةٌ حُبلَى تُدَبِّرُهُلَمستَضَامٌ سَخِينُ العَينِ مَفؤودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
وَيَلُمَّها خُطَّةً وَيلُمِّ قَابِلِهَالِمثلِها خُلِقَ المَهريَّةُ القُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
وَعِندَها لَذَّ طَعمَ المَوتِ شَارِبُهُإنَّ المَنِيَّةَ عِندَ الذُّلِّ فندِيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الأمة: المملوكة، والمستضام: المستذل، والسخين: العين الذي يبصر ما يكره، والمفؤود: الذي أصيب فؤاده. والفؤاد: القلب، وقوله: ويلمها: أراد ويل أمها، فحذف الهمزة استخفاف، وبنى الكلمتين: بناء واحدا، وحرك اللام بالكسر على كرحة ما بعدها، كما حركوا الميم في قولهم: أبنم على حركة ما قبلها، حين جعلوا الكلمتين كلمة واحدة، وحذفوا مستخفين، وكل ذلك مسموع من العرب، والمهرية: جمال تنسب إلى مهرة، وهم قبيل من العرب يستفرهون الإبل، ولذ: بمعنى استطاب وأستعذب، والقنديد: شراب يطبخ من عصير العنب يجعل فيه أفاويه.

فيقول، وهو يشير إلى كافور: أن امرأ يدبره خصي كالأمة الحبلى، كثير أكله، منتفخ بطنه، أسود لونه، لمستضام سخين العين، مفجع مصاب القلب، موقوف على غاية ما يكره، مدفوع إلى أشد ما يحذر.

ثم قال: ويلم تلك الخطة، ويلم القابل لها، وأبعدها الله، وأبعد الراضي لنفسه بها، فللفرار من مثلها، وطلب النجاة من نشرها، تكلف السفر البعيد، واستعملت المهرية

القود.

ثم قال: وعند تحمل تلك الخطة، ومباشرة مكروه تلك الرتبة، يلتذ بطعم الموت شاربه، ويستسهل مخوف الحتف مباشره، أن المنية عند الذل قنديد يستطاب طعمه، وأمر لا يتخوف فعله.

مَنْ عَلِّم الأسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةًأَقَومُهُ البِيضُ أَم آباؤُهُ الصَّيدُ؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أم أُذنُهُ في يَدِ النَّخَّاسِ دَامِيَةًأَم قَدرُهُ وهو بِالفَلسَينِ مَردُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

الصيد: الملوك السادة، واحدهم أصيد.

فيقول: من علم كافورا الأسود المخصي، الحقير الدني، إسداء النعم، وآثار الكرم؟ وأقومه البيض المشهورون بالرئاسة، أم آباؤه الصيد المتقدمون في السياسة؟!.

ثم قال: أم علمه المكارم حقيقة أمره، وما عهده قديما من نفسه، إذ كانت أذنه دامية في يد النخاس يفركها عند معاقبته، ويجبذها مظهرا لإهانته، أم قدره الساقط، وهو بالنزر اليسير بيعه، وبالتافه الحقير يتداول ملكه، فكيف يظن الخير بمثله، وينكر القبيح المذموم من فعله؟!.

أَولَى اللِّئامِ كُويفِيرٌ بِمَعذِرَةٍفي كُلِّ لُؤمٍ وَبَعضُ العُذرِ تَفنِيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
وَذَاكَ أَنَّ الفُحُولَ البِيضَ عَاجِزَةٌعَنِ الجَمِيلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السُّودُ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

التفنيد: اللوم والتثريب.

فيقول: أولى اللئام بمعذرة في لؤم طبعه، ودناءة نفسه، كويفير، وصغره محتقرا بشأنه؛ لأنه لا سبيل لمثله إلى محمود الشيم، ولا سبب له في شيء من الكرم، وبعض العذر تفنيد لا شك فيه، وتوبيخ لا خفاء عليه.

ثم قال: وذلك أن الفحول الذين تم خلقهم، البيض الذين يروق حسنهم، قد عجزوا عن الجميل في هذا الزمان، الذي قل خيره، وخبث أهله، فكيف يظن ذلك بالخصية السود، مع نقصان خلقهم، وخبث عنصرهم، وإشتمال القبيح على أولهم

وآخرهم؟.

وقال عند وروده الكوفة، يصف خروجه ومنال طريقه، ويهجو كافورا.

ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيزَلَىفِدَى كُلِّ ماشِيَةِ الهَيدَبَى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَكُلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍخَنُوفٍ وما بِيَ حُسنُ المِشَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وَلكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحَيَاةِوَكَيدُ العُدَاةِ وَمَيطُ الأذَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

الخيزلى: ضرب من مشي النساء فيه تفكك، والهيدبى: ضرب سريع من عدو الخيل، والنجاة من النوق: السريعة، والبجاوية: منسوبة إلى موضع من بلاد النوبة، يستفره أهله الإبل، قال الطرماح يصف ناقة كريمة:

بُجَاوِيَّةٌ لَمْ تَستَدِرْ حَولَ مَشبَروَلَم تَتَخَوَّنْ دَرَّها ضَبُّ آفِنِ

المشبر: الموضع الذي تضع فيه الناقة، وتخون الدر: استماحته، والضب: الحلب بجميع اليد، والآفن: الذي يلح في الحلب.

والخنوف: التي بيديها (ميل) إلى ناحية في مشيها لشدة نشاطها، والمشى: جمع مشية، والجبال: العهود والوصائل، والميط: مصدر ماط الشيء يميط، إذا أذهبه عن نفسه.

فيقول مشيرا إلى خروجه عن مصر، وما خلفه من التغرير بنفسه، والإسراع في سيره: ألا جعل الله حسان النساء اللواتي يمشين الخيزالي؛ لعظم خلقهن، وبراعة حسنهن، مع تمكنهن من النفوس، وتحكمهن على القلوب، فداء الخيل التي تهذب في سيرها، وتفوت الطلب بقوة عدوها.

ثم قال: وجعلهن الله فداء كل ناقة نجاة قوية، بجاوية كريمة، خنوف في مشيها، نشيطة في عدوها، وما بي أن اعتمد من المشي ما يعجب مثله، ويروق الأبصار حسنه.

ثم قال: ولكن الإبل والخيل من الأسباب التي تحرس الحياة، وتقرب النجاة، وتنفذ من الأعداء، وتنفذ الكيد فيهم، وتدفع أذاهم، وتسهل الظهور عليهم.

ضَرَبتُ بها التِّيهَ ضَرْبَ القِمارِإمَّا لِهذا وإِمَّا لِذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
إذا فَزِعَتْ قَدَّمَتها الجيادُوَبِيضُ السُّيوفِ وَسَمرُ القَنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
فَمَرَّتْ بِنَخلٍ وفي رَكبهاعَنِ العَالَمِينَ وَعَنهُ غَنَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

التيه: قفر لا يكاد يهتدي فيه، والقمار: المخاطرة في الميسر وما أشبهه، والفزع: الفرق، وقدمتها: بمعنى تقدمتها، يقال: قدم وأقدم وأستقدم بمعنى واحد، والجياد: الخيل، ونخل: منزل بالبادية.

فيقول: ضربت بما تحملت عليه من الإبل مجهول القفر، ضرب المقامر، وأقدمت عليه إقدام المخاطر، إما لخلاص أتعجله، وإما لهلاك أتقحمه.

ثم قال: إذا فزعت الإبل لاستيحاش القفر الذي تقطعه، وصعوبة الطريق الذي تركبه، أنستها الخيل بتقدمهم لها، وأنهضتها أسلحة الفرسان لإحاطتهم بها.

ثم قال: فمرت بنخل؛ هذا المنزل من البادية، وفي ركبها، بنفاذ عزمهم، واكتفائهم بأنفسهم، غنى عن العالمين وعن العدول إليه، وقوة تمنعهم من التعريج عليه.

وأَمسَتْ تُخبِّرُنا بالنِّقابِوادِي المِياهِ وَوادِي القُرى
فَقُلْنا لَهَا أَينَ أَرضُ العِراقِ؟فَقَالَتْ وَنَحنُ بِتُربَانَ: ها
وَهَبَّتْ بِحِسمَى هُبُوبَ الدَّبُورِمُستَقبِلاتٍ مَهَبَّ الصَّبَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

النقاب: موضع بعينه، ووادي (المياه) ووادي القرى: منزلان بالبادية بعيدان من النقاب، وتربان: واد معروف، بعيد من أرض العراق، وها: كلمة إجابة، وحسمى: موضع، وهبوب الرياح: انتشارها، والدبور: الريح الغربية، والصبا: الريح الشرقية.

فيقول مشيرا إلى سرعة مسيره، واستقرابه للبعيد من مسافات طريقه: ولما سرنا بالنقاب، كنا كالمشافهين لوادي المياه ووادي القرى؛ لسرعة ورودنا لها، وقصر المدة فيما حاولناه من الاتصال بها.

ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يشير إلى رواحله، ويخبر عما كانت عليه من سرعة

المشي، وقوة السير: فقلنا لها، ونحن بتربان، أين أرض العراق؟ مستطيلين للشقة، ومستكثرين لتراخي المدة، فكأنها أجابتنا منبهة على مشاهدتها، ومحيلة في ذلك المقام على معاينتها، وبين ما قصد إليه امرؤ القيس حيث يقول:

وَكَأّنَّما بَدرٌ وَصِيلُ كُتَيفَةٍكَأَنَّما مِن عَاقِلٍ أرمَامُ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بِسحام»

قال الأصمعي: يريد أن هذه المواضع كأنها اتصلت له مع تباعد من بينها؛ لسرعة سيرها، فلذلك قال أبو الطيب: (فقالت ونحن بتربان ها)، كأن ركائبه أجابته بالإشارة إلى العراق، استقصارا للمدة، وإخبارا عن قلة المهلة.

ثم قال، وهو يريد ركائبه، مؤكدا لما قدمه من سرعتها، وشدة نفاذها وقوتها: وهبت بحسمى، هذا الموضع، هبوب الريح الدبور إذا استقبلت مهب الصبا، وقصدت ذلك القصد، وأمت ذلك السمت، وشبه سرعتها بريح الدبور؛ لأن مهبها من المغرب، واعتمادها مهب الصبا، وهو حقيقة المشرق، وكذلك كان نهوضه من مصر وهي في المغرب، واعتماده العراق وهي في المشرق، فبلغ الغاية فيما وصفه من استعجال رحلته، وأعرب عن الابتداء والانتهاء في سفرته.

رَوَامِي الكِفَافِ وَكَبْدِ الوِهادوَجَارِ البُوَيرَةِ وادِي الغَضَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وَجَابَتْ بُسَيطَةَ جَوبَ الرَّدَاءِبَينَ النَّعامِ وَبَينَ المَهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
إلى عُقدَةِ الجَوفِ حَتَّى شَفَتْبِمَاءِ الجُراويِّ بَعضَ الصَّدَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

الكفاف وكبد الوهاد: موضعان، ووادي الغضا والبويرة: واديان متجاوران، وبسيطة: فلاة معروفة، والجوب: القطع، والمها: صغار بقر الوحش، وعقدة الجوف: موضع بعينه، والجراوي: ماء معروف، والصدى: العطش.

فيقول مشيرا إلى ركائبه، وذاكرا لمشاهير المواضع التي اجتازها في طريقه، ويؤكد لما قدمه من استعجال سيره: الكفاف، هذا الموضع، بقوة العدو، وحقيقة العزم، وفاعلة مثل ذلك في كبد الوهاد، هذا الموضع الآخر، وفي وادي الغضا

والبويرة، هذين الواديين المتجاورين، والموضعين المتقاربين.

ثم قال، وهو يريد ركائبه: وجابت بسيطة، هذه الفلاة، فشقتها شق الرداء، متوسطة لها، ومظهرة لأشد العجلة بها، وهي فيما هنالك بين النعام الشاردة، وصغار بقر الوحش السالمة. يشير إلى أن هذه المفازة بعيدة لا تسلك، ونائية لا تعبر، فوحشها لا يذعر، ونعامها لا ينفر.

ثم قال: أنه واصل السير غير مترفق، وأمضاه غير متثبط، حتى أورد مطاياه عقدة الجوف، فشفى بماء الجراوي بعض عطشها، وأعانها بورده على كد تعبها.

وَلاَحَ لَها صَوَرٌ والصَّبَاحُوَلاَحَ الشَّغُورُ لها والضُّحَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وَمَسَّى الجُمَيعِيَّ دِئْدَاؤُهاوَغَادَى الأضَارِعَ ثُمَّ الدَّنَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
فَيَالَكَ لَيلاً على أَعكُشٍأَحمَّ الرَّواقِ خَفِيَّ الصُّوَى

صور والشغور والجميعي: مواضع بالبادية، والدئداء عدو أسرع من الخبب، والأضارع والدنا: مياه معروفة، وأعكش: موضع، والأحم: الأسود، والرواق: ظلة ترفع على عمود واحد. والصوى: حجارة تجمع في الطريق لتكون هداية فيه، واحدتها صوة.

فيقول مخبرا عن ركائبه: ولاح لها، بعد الماضع التي قدم ذكرها، صور، والصباح ظاهر، والليل ظاعن، ولاح الشغور لها، في ضحى ذلك اليوم.

(ثم قال: ومسى الجميعي) دائداء تلك الإبل، وهي جاهدة غير مفترة، ومسرعة غير مقصرة، وغادى ذلك الدائداء الأضارع والدنا، مع ما بينهما وبين ما تقدمها من طول الشقة، وبعد المسافة.

ثم قال مشيرا إلى الليل الذي قطعه، والإظلام الذي أدرعه: فيا لك ليل غشيني على أعكش، هذا الموضع، فمد علي رواق سدفه، وأخفى عنى الصوى، التي هي الهداية، بشدة ظلمه، فقطعته مشتملا به، ونهضت فيه غير متهيبة له.

وَرَدْنَا الرُّهيمَةَ في جَوزِهِوَبَاقِيهِ أَكثَرُ مِمَّا مَضَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
فَلَمَّا أَنخنَا رَكَزنَا الرِّماحَفَوقَ مَكَارِمِنَا والعُلاَ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وَبَتنَا نُقَبَّلُ أسيَافَناوَنَمسَحُها مِنْ دِماءِ العِدَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

الرهيمة: موضع معروف، وجوز الليل: وسطه، والركز: الغرز.

فيقول: وردنا الرهيمة في وسط الليل، وقد أمنا مخوف الطلب، وتخلصنا من محذور الغرر، والليل قد استقبلنا أكثره، واستبقينا معظمه، فنزلنا مستريحين، وحططنا رحالنا مطمئنين.

ثم قال: فلما أنخنا رواحلنا، وأرحنا ركائبنا، وتركنا الرماح استغناء عن احتمالها، وفارقناها غير محتاجين إلى اعتقالها، فركزناها فوق ما خلدناه من مكارمنا، وأثبتناها فيما اخترناه من المجد بنفاذ عزائمنا.

ثم قال: وبتنا نقبل أسيافنا التي استدفعنا بها ما حذرناه، ونمسحها من دماء القوم الذين حاولوا منا ما كرهنا.

لِتَعلَمَ مِصرُ وَمَنْ بِالعِرَاقِوَمَنْ بِالعَواصِمِ أَنِّي الفَتَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وَأَنِّي وَفَيتُ وَأَنِّي أبَيْتُوَأَنِّي عَتَوتُ عَلَى مَنْ عَتا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وَمَا كُلُّ مَنْ قَالَ قَولاً وَفَىوَلا كُلُّ مَنْ سِيمَ خَسفَاً أَبَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

فيقول: أن الذي تكلفه بالخروج عن مصر من الخطر، وواقعه في مباينته لكافور من الغرر، إنما كان ليعلم رؤساء البلاد التي ذكرها، وسائر أهلها، أنه الفتى الذي لا يقر على الذل، والكريم الذي لا يصبر على الضيم.

ثم قال: وليعلموا أجمعون أني وفيت شاكرا على النعمة، وأبيت من احتمال الذلة، وعتوت على من عتا على من عتا علي وتكبر، وفارقت من عدل عن الإنصاف وتنكر، فجازيت المحسن بالاعتراف لفضله، وقابلت المسيء بمقارضته على فعله.

ثم قال: وما كل من يقول يفي بقوله، ويقف عند ما يعد به من نفسه، ولا كل من

يسام الخسف يأباه منكرا له، ويستدفعه غير مرتض به، فأشار إلى أنه فارق كافورا أنفة من الذل، ووفى له بما تقدم له في مفارقته من القول.

وَمَنْ يَكُ قَلبٌ كَقَلبِي لَهُ يَشُقُّإلى العِزِّ قَلبَ التَّوى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
ولا بُدَّ لِلقَلبِ مِن آلَةٍ وَرَأيٍّيُصَدِّعُ صُمَّ الصَّفَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»
وَكُلُّ طَرِيقٍ أَتَاهُ الفَتَى عَلىقَدَرِ الرَّجلِ فِيهِ الخُطَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا كل ماشية الخيزلى»

التوى: الهلاك، والآلة: الشدة والجرأة، والصفا: الحجر العظيم الأملس، والخطا: معروفة، واحدها خطوة.

فيقول: ومن يكن له قلب كقلبي في ثباته وقوته، وشجاعته وجرأته، يطلب العز وينافس فيه، ويحاوله ويحرص عليه، ويشق إليه الهلاك المحض، الذي لا يكاد يتخلص من مثله، ولا يبعد المنقحم فيه من الإشراف على التلف بنفسه.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.