تجاوز إلى المحتوى

من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

حديث الأعرابيّ الذي حبق فتشوّر

قال الأصمعيّ قول العامّة تشوّر بمعنى خجل باطل ليس من كلام العرب أظنّه فارسيّاً. وقد حبق رجل بحضرة عمر بن الخطّاب فتغافل عنه حتى حضرت الصلاة فقال عزمت على من كانت منه هذه الريح إلاّ قام فتوضّأ فلم يقم أحد، ثم أعاد فلم يقم أحد. فقال جرير بن عبد الله البجليّ: لو عزمت علينا يا أمير المؤمنين أن نتوضّأ جميعاً كان ذلك لفاعله فريضة

ولغيره برّاً ونافلة وكان أستر على الرجل. فقال: جازاك الله خيراً فما عرفتك إلاّ سيّداً في الجاهلية فقيهاً في الإسلام، قوموا فتوضّأوا، فقام القوم فتوضأوا. وحبق كاتب لعمر بن عبد العزيز بين يديه فرمى بقلمه واستحيا ممّا جاء به. فقال عمر: لا عليك خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليذهب روعك فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. وحضر مجلس يزيد بن المهلّب رجل تميميّ، وقد جرّد يزيد رجلاً من الأزد ليضربه، فلما وقع السوط بجنبه حبق، فقال التميميّ ماله لعنه الله؟ أما أنّه لو كان من عدنان ما حبق لوقع السوط بجنبه فسمعها يزيد فقال تعصّباً للأزد: والله لأضربنك حتى تضرط. فقال والله لا ترى ذلك أبداً ولتجدنّها كما قال الأعشى:

كتوم الرغاء إذا هجّرتوكانت بقيّة ذود كتم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

فقيل له الأمير قد أقسم ليضربنّك أو تفعل فما عليك قال: كلاّ إنها كما قال الكميت:

كتوم إذا ضجّ المطيّ كأنماتكرّم عن أخلاقهن وترغب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «طربت وما شوقا إلى البيض أطرب»

وضرط أبو الأسود عند معاوية فقال: استرها عليّ فحدّث بها معاوية عمراً فدخل أبو الأسود على معاوية وعنده عمرو. فقال له عمرو ما فعلت ضرطتك؟ فقال ذهبت كما تذهب الريح فلتة من شيخ ألان الدهر أعصابه، وكلّ أجوف ضروط، ثم أقبل على معاوية فقال: إن امرأ ضعفت أمانته عن كتمان ضرطة لحقيق أن لا يؤمن على أمور المسلمين. وأخذ عبد الله بن عليّ ب عبد الله بن عبّاس أسيراً من أصحاب مروان فشهر عليه السيف ليقتل، فضرط ضرطة شنيعة فسقط السيف من يد السيّاف، ونفرت دابّة عبد الله فقال له: إذهب فأنت طليق ضرطتك. فقال هذا والله الإدبار كنّا ندافع الموت بأسيافنا فصرنا ندافعه بأدبارنا.

وأنشد أبو عليّ "، " لذي الرمّة:

ومستخلفات من بلاد تنوفةلمصفرّة الأشداق حمر الحواصل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

ع وبعده:

صدرن بما أسأرت من ماء آجنصرى ليس من أعطانه غير حائل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

الصرى: من الماء المجتمع الذي طال مكثه، ومنه الشاة المصرّاة التي حفلت بلبنها. والأعطان: جمع عطن وهي مبارك الإبل بعد الشرب. ويعني بالحائل البعر يقول ليس منه إلاّ ما قد أتى عليه حول حتى يبس وابيضّ، وإنما يريد أن هذا الماء بعيد العهد بالناس.

وأنشد أبو عليّ "، ":

فأقع كما أقعى أبوك على استهرأى أن ريماً فوقه لا يعادله
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

ع وبعده:

فإن كنت لم تصبح بحظّك راضياًفدع عنك حظّي إنني عنك شاغله

والشعر للمخبّل السعدي يهجو الزبرقان بن بدر. والمخبّل اسمه ربيعة بن مالك سعدي من بني شماس بن لأي ابن أنف الناقة يكنى أبا يزيد شاعر إسلاميّ.

وأنشد أبو عليّ "، " لمالك بن الريب المزني:

إذا متّ فاعتادي القبور فسلّميعلى الريم أسقيت السحاب الغواديا

ع هذا وهم من أبي عليّ إنما مالك مازنيّ لا مزنيّ، وهو مالك بن الريب بن

حوط بن قرط من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مرّ يكنى أبا عقبة. وأما مزينة فهو ابن مرّ بن ادّ بن طابخة بن اليأس بن مضر، منهم النعمان بن مقرّن، ومعقل بن يسار، وزهير الشاعر. وهذا البيت الذي أنشده أبو علي من قصيدة لمالك يرثي بها نفسه وكان سعيد بن عثمان بن عفّان لّما ولاّه معاوية خراسان قد استصحب مالك بن الريب، وكان من أجمل العرب جمالاً وأبينهم بياناً فمات هناك وقيل بل طعن فسقط وهو بآخر رمق فقال هذه القصيدة. وصلة البيت منها:

فيا ليت شعري هل بكت أمّ مالككما كنت لو عالوا نعيّك باكيا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
إذا متّ فاعتادي القبور فسلّميعلى الرمس أسقيت السحاب الغواديا
رهينة أحجار وترب تضمّنتقرارتها مني العظام البواليا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

ويروى فسلّمي على الرّيم أي القبر، والأولى رواية أبي عبيدة. وزعم بعض الرواة أن الجنّ رثته بهذا الشعر.

وأنشد أبو علي "، ":

وكنت كعظم الريم لم يدر جازرعلى أيّ بد أي مقسم اللحم يجعل

ع اختلف في هذا البيت فقيل إنه للطرمّاح بن حكيم وقيل إنه لأبي شمر ابن

حجر بن وائل بن ربيعة بن ربيعة الحضرميّ، وصلته:

ولو شهد الصفّين بالعين مرثدإذاً لرآنا في الوغى غير عزّل
وما أنت في صدري بغمر أجنّةولا بقذى في مقلتي متجلجل
أبوكم لئيم غير حرّ وأمّكمبريدة إن ساءتكم لم تبدّل
وأنتم كعظم الريم لم يدر جازرعلى أيّ بدأي مقسم اللحم يجعل

وأنشد يعقوب: على أيّ بدأي مقسم اللحم يوضع وهو خطأ. والأبداء: الأعضاء واحدها بدء.

وأنشد أبو عليّ "، ":

إذا علون أربعاً بأربع

ع الجعجع: المكان الذي لا يطمئنّ عليه من جلس فيه وكذلك الجعجاع. وموصيّة: موصولة. وأننّ: من الإعياء والجهد، وإنما يريد عند بروكهنّ. والأشطار لحكيم بن معيّة.

وأنشد أبو عليّ "، " لكعب بن زهير:

ثنت أربعاً منها على ظهر أربعفهنّ بمثنيّاتهنّ ثمان
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة

ع لا أعلم هذا البيت لكعب وقد جمعت من شعره كلّ رواية ومعناه ظاهر وقد رأيته منسوباً إلى ودّاك بن ثميل، وأخلق بهذا القول أن يكون صواباً. والبيت من قصيدته التي يقول فيها:

مقاديم وصّالون في الروع خطوهمبكل رقيق الشفرتين يمان
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهملأيّة حرب أم لأيّ مكان
للشاعر وداك بن ثميل المازني، اقرأ القصيدة

وقد تقدم نسب كعب عند ذكر أبيه زهير ويكنى أبا المضرّب وهو جاهلي إسلاميّ، وكان يهجو المسلمين وينال من النبي ﷺ ثم قدم عليه فأسلم ومدحه بقصيدته التي أولها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولمتيّم إثرها لم يفد مكبول
للشاعر المدائح النبوية، من قصيدة «بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ»

ويجير بن زهير أخوه أقدم إسلاماً منه، وكان أيضاً شاعراً أمّهما كبشة بنت عمّار من بني سحيم.

"

النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.