من «سمط اللآلي في شرح أمالي القالي» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
قول هيت تقبل بأربع وتدبر بثمان
ع وخبره أنه كان بالمدينة ثلاثة من المخنّثين يدخلون على النساء فلا يحجبن هيت وهرم وماتع، وكان هيت يدخل على نساء رسول الله ﷺ، فدخل يوماً دار أمّ سلمة ورسول الله ﷺ عندها فأقبل على أخي أمّ سلمة عبد الله ابن أبي أميّة ابن المغيرة فقال إن فتح الله عليكم الطائف فاسأل أن تنفّل على بادنة بنت غيلان بن سلمة بن معتّب فإنها مبتّلة هيفاء، شموع نجلاء، تناصف وجهها في القسامة، وتجرأ معتدلاً في الوسامة، إن قامت تثنّت، وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغنّت، أعلاها قضيب،
وأسفلها كثيب، تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان، ونتوء ينتبيئ بين فخذيها كالقعب المكفإ. فهي كما قال قيس بن الخطيم:
تغترق الطرف وهي لاهيةكأنما شفّ وجهها نزف
بين شكول النساء خلقتهاقصد فلا جبلة ولا قضف
فسمع ذلك رسول الله ﷺ. فقال: مالك سباك الله؛ ما كنت أحسبك إلاّ من غير أولي الإربة من الرجال. ثم أمر أن يسيّر إلى خاخ وبقي مسيّراً هناك إلى أيام عثمان فردّه إلى المدينة. وقال إسحاق بن إبراهيم: قيل لنعيمان المخنّث كيف رأيت عائشة بنت طلحة؟ قال أحسن البشر، قال صفها قال: تناصف وجهها في القسامة، وتجزّأ معتدلاً في الوسامة، إن مشت تثّنت، وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغّنت. قوله تبنّت: التبنّي تباعد ما بين الفخذين، يقال تبنّت الناقة إذا باعدت ما بين فخذيها عند الحلب. وقيل معنى تبنت صارت كأنها بنيان من عظمها.
وأنشد أبو عليّ "، " للعرجيّ:
وما أنس م الأشياء لا أنس موقفاًلنا ولها بالسفح دون ثبير
ع العرجيّ هو عبد الله بن عمرو بن عثمان سميّ العرجي لأنه ولد بالعرج من مكة.
وقيل بل كان له فيه مال فكان يكثر الاختلاف إليه فشهر به، يكنى أبا عمرو، شاعر مطبوع في النسيب.
وأنشد أبو عليّ "، ":
وما أنس م الأشياء لا أنس قولهاوأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتّع بذا اليوم القصير فإنّهرهين بأيّام الشهور الأطاول
ع هذا الشعر عزاه أبو تمام إلى قيس بن ذريح، ونسبه ابن الأعرابي إلى ابن ميّادة وذلك أنه أنشد لعلقمة بن عبدة:
تراءت وأستار من البيت دونهاإلينا وحانت غفلة المتفقّد
بعيني مهاة يحدر الدمع منهمابريمين شتّى من دموع وإثمد
ثم قال: فسرقه ابن ميّادة فقال:
وما أنس م الأشياء
ثم قال: فسرقه بعض المحدثين فقال:
خذي عدّة للبين إنّي راحلقرى أمل يجديك والله صانع
فسحّت بسمطي لؤلؤ خلط إثمدعلى الخدّ إلاّ ما تكفّ الأصابع
وأنشد أبو علي "، ":
شيّب أيّام الفراق مفارقيوأنشزن نفسي فوق حيث تكون
ع هذا الشعر لجميل وهي قصيدة، ورأيت بخطّ أبي عليّ هذا البيت. قال: أراد بلغت الحلقوم وموضعها الصدر. ويروى:
إلى النازع المشتاق كيف يكون
والنازع: البعيد الذي فارق أصحابه فقصر: أي حبس فهو دائم الحنين إليها.
وأنشد أبو عليّ "، " أشعاراً لقيس بن ذريح، ومجنون بني عامر، وقد مرّ ذكرهما "، " وقال في خلالها ثم مرّ المجنون فأجمز في الصحراء.
ع يقال أجمز الرجل عدواً وكذلك البعير، والإجمار: السعي. قال الخطابي: سمّيت الجمرات لأن إبليس عرض لآدم ﵇ فرماه بحصاة فأجمر بين يديه. وقال غيره: سمّيت الجمرات لاجتماعها وكثرتها، ومنه جمرات العرب وهي أربع: بنو الحارث بن كعب، وبنو عبس، وبنو تميم، وبنو ضبّة، طفئت منها جمرتان لأنهما حالفتا وهما بنو الحارث وبنو عبس، وبقيت جمرتان. والجمز: بالزاي ضرب من سير الإبل فيه سرعة وهو أشدّ من العنق. وفي الحديث: كانوا يأمرون الذين يحملون الجنازة بالجمز، فكان ذلك كالسّنّة حتى مات عثمان ابن أبي العاصي الثقفي وكان سقي بطنه فسير به سيراً رويداً، فترك الناس السنّة الأولى بعد ذلك وبذلك سمّيت الجمّازة من الإبل. وكانت أم جعفر قد خشيت موت الرشيد في بعض أسفارها معه فأمرت بالحثّ في طلبه فسارت بها راحلتها ضروباً من السير حتى وقعت على الجمز فوجدته سيراً سهلاً تستلذّه مع سرعته فأمرت بلزومه فاتّخذت الجمّازات مذ ذلك. وقوله فيها "، ":
وعذّبه الهوى حتى براهكبرى القين بالسّفن القداحا
السّفن: المبرد لأنه يسفن أي يقشر، وبذلك سمّيت السفينة لأنها تقشر وجه الماء.
وأنشد أبو عليّ "، " لابن مرّة المكّيّ:
ساعة ولّى شمت العاذل
ع وهذا الشعر في ديوان خالد الكاتب، وقد مضى ذكر ابن أبي مرّة وذكر خلد.
وأنشد أبو عليّ "، " للمجنون:
أمزمعة ليلى ببين ولم تمتكأنّك عمّا قد أظلّك غافل
ع وبعدهما:
وإنّك ممنوع التصبّر والعزاإذا بعدت ممّن تحبّ المنازل
وأنشد "، " لحبيب:
لو كان في البين إذ بانوا لهم دعةلكان بينهم من أعظم الضرر
ع وهذا الشعر لم يروه عنه أحد من الرواة المشهورين برواية شعره. وهو أبو تمّام حبيب بن أوس بن ثابت طائيّ من أنفسهم، شاعر متقدّم لطيف الفطنة دقيق المعاني، وله مذهب في المطابقة والبديع، بذّ فيه الشعراء وغبّر في وجوه السوابق.
وأنشد أبو علي "، " للحسين بن مطير:
لقد كنت جلداً قبل أن توقد النوىعلى كبدي ناراً بطئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمتولكنّ شوقاً كلّ يوم يزيدها
ع ويروى لتصرّمت بصاد مهملة، فمن رواه بالضاد المعجمة فمعناه: لو تركت لم تزل
متضرّمة: متّصلة الوقود، فكيف بزيادتها ضراماً كلّ يوم، ومن رواه بصاد مهملة فمعناه: لو تركت لخمدت وهمدت، ولكنها تذكى كلّ يوم، وهما مذهبان للشعراء والأول أبلغ. وفيه:
فقد جعلت في حبّة القلب والحشىعهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
قال أبو علي: قال ابن الأعرابي: بشوق بعيدها بالباء.
ع فينبغي أن يكون على هذه الرواية يولي بالياء أخت الواو لا تولي بالتاء، لأنه المعنى يولي بعيدها بشوق. وفيه:
عذاب ثناياها عجاف قيودها
وقد تقدّم القول في القيود والضمير عائد إلى اللثات. وفيه:
بصفر تراقيها وحمر أكفّها
في هذه الصفرة قولان. أحدهما: أنه أراد اصفرارها بما عليها من الحلى، والثاني: أنه أراد اصفرارها بما عليها من الطيب وأنها رادعة. وقال الحسن بن هانئ في مثله:
وقد غلبتها عبرة فدموعهاعلى خدّها بيض وفي نحرها صفر
وقال بشار:
وصفراء مثل الزعفران شربتهاعلى نحر صفراء الترائب رود
وفيه:
يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنارفيف الخزامي بات طلّ يجودها
قال ابن الأعرابي ترفّ قلوبنا: أي تبرق وليس للبريق هنا معنى، وبريق القلب شيء غير معروف ولا محسوس ولا مرئيّ، وإنما ترفّ هنا تتحرك ثقة بنيل المنى منهن حركة اختلاج لا حركة خفقان لأن الخفقان إنما يكون من الذعر. قال الراجز:
لم أدر إلاّ الظنّ طنّ الغائبأبك أم بالغيب رفّ حاجبي
أراد اختلج، وشبّه الشاعر تلك الحركة بحركة الخزامي إذا ثقلت بالطلّ وهي حركّة ضعيفة. وقال الأصمعي في كتاب الأمثال له في قولهم: " هو يحف له ويرفّ " أي هو يقوم له
ويقعد، وينصح له ويشفق، ويراد بيحفّ له: أي تسمع له حفيفاً، ويقال رفّ الشجر يرفّ إذا كان له كالاهتزاز من النضارة والريّ، ويقال ورف يرف وريفاً في معناه، وقيل الوريف البريق.
وأنشد أبو علي "، " لابن ميّادة:
كأنّ فؤادي في يد ضبثت بهمحاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
ع الضبث: القبض وبذلك سمّيت مخالب الأسد مضابث وسمّي هو ضبّاثاً.
وأنشد "، " للبحتريّ:
الله جارك في انطلاقكتلقاء شأمك أو عراقك
ع هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد من بني بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان بن ثعل الطائيّ ويروى عنين بن سلامان بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طئ، شاعر متقدّم لا يعدل به أحد.
وأنشد أبو عليّ "، " لمسلم بن الوليد:
وإنّي وإسماعيل يوم وداعهلكالغمد يوم الورع فارقه النصل
ع هو مسلم بن الوليد مولى أبي امامة أسعد بن زرارة الخزرجيّ يكنى أبا الوليد
ويلّقب صريع الغواني وذلك أنه أنشد الرشيد:
سأنقاد للّذات متّبع الهوىلأمضي همّا أو أصيب فتى مثلي
وما العيش إلاّ أن تروح مع الصبيوتغدو صريع الكأس والأعين النجل
فلقبه صريع الغواني فجرت عليه، وهو شاعر كوفي من شعراء الدولة الهاشميّة، وفيه:
أما والحبالات الممرّات بينناوسائل أدّتها المودّة والوصل
يروي الممرّات بكسر الميم الثانية والممرّات بفتحها، فمن كسرها فهي الناصبة لقوله وسائل، ومن فتحها جعل وسائل بدلاً من الحبالات. وفيه:
يذكّرنيك الدّين والفضل والحجىوقيل الخنى والحلم والعلم والجهل
وهذا أخذه من قول أبي الشغب العبسيّ يرثي بني الزهراء، واسمه عكرشة العبسيّ وقيل يرثي بنيه:
غطارفة زهر مضوا لسبيلهمألهفي على تلك الغطارفة الزهر
يذكّرنيهم كلّ خير رأيتهوشرّ فما أنفكّ منهم على ذكر
وقوله:
وليس له إلاّ بني خالد أهل
يعني بني خالد بن برمك، وإسماعيل رجل منهم.
وأنشد أبو علي "، " بعد هذا بيتاً لأبي ذؤيب قد تقدم ذكره " ص، " وأنشد أبو علي "، " لحميد بن ثور:
ولقد نظرت إلى أغرّ مشهرّبكر توسّن بالخميلة عوناً
ع وبعد قوله متسنّم سنماتها:
بتنا نراقبه وبات يلفّناعمد السنام مقدّماً عثنونا
لقح العجاف له. والعمد: الذي يعضّ الحمل غاربه وسنامه حتى ينفضخ فجعل الغيث كرمّ تلك العمدة قال لبيد:
فبات السيل يركب جانبيهمن البقّار كالعمد الثقال
قال أبو عليّ "، " في حديث الأصمعي مع الأعرابيّ: فألقي كساءه كان اكتفل به.
ع والكفل: كساء يعقد طرفاه يركب عليه الرديف، وقيل كساء يدار حول سنام البعير ثم يركب عليه وهو الحويّ والحويّة. وفي شعر هذا الأسدي:
تجلّلت عاراً لا يزال يشبّهشباب الرجال نقرهم والقصائد
هكذا الرواية عن أبي علي التي لا اختلاف فيها ويروى نثرهم والقصائد. وفي بعض طرر الكتب وأخبرني من أثق به أنّ صاعد بن الحسن كان يردّ هذه الرواية في البيت ويقول إنّ الصحيح:
تجلّلت عاراً لا يزال يشبّهسباب الرجال نثره والقصائد
سباب بسين مهملة يريد نثر السباب ونظمه. قال ولا وجه لتخصيص شباب الرجال هنا لأن مشايخهم أعلم بالمناقب والمثالب وأروى للممادح والمذامّ، قال وأما ذكر النظم والنثر
فقد حصر جميع الكلام وطابق بين الألفاظ. وما بال ذكر النقر مع القصائد. وقال المحتجّ لأبي عليّ النقر هنا الغناء وهو للشباب دون الكهول، وقيل إن معنى النقر هنا السبّ والعيب ومنه قول امرأة من العرب لزوجها مرّ بي على بني نظّري ولا تمرّ بي على بنات نقّري، تعني العيّابات السبّابات. تقول مرّ بي على الرجال الذين يقنعون بالنظر دون السببّ. وقيل معنى بنات نقّرى هنا من التنقير وهو البحث والفتش عن الأخبار. ورواية صاعد بيّنة جليّة وعن ذلك التكلف غنيّة.
وأنشد أبو عليّ "، ":
تعزّ فإنّ الصبر بالحرّ أجملوليس على ريب الزمان معوّل
ع هذه الأبيات لإبراهيم بن كنيف النبهانيّ شاعر إسلاميّ.
وأنشد أبو عليّ "، ":
إذا ما فقدتم أسود العين كنتمكراماً وأنتم ما أقام ألائم
ع وبعده:
يخبّر ركبان البلاد بلؤمكموتقرى به الضيف اللقاح العواتم
غثاء كثير لا عزيمة عندكمسوى أنّ خيلاناً عليها العمائم
قال ابن قتيبة أسود: جبل. والعين: المنظر. وهذا خلاف قول أبي علي. وخيلان: جمع خيال أي ليسوا شيئاً. وقوله وتقرى به الضيف اللقاح العواتم: يعني أن الرعاة يشتغلون
بذكر لؤمهم وإنشاد هجوهم إن إراحة الإبل من مراعيها فلا يحلبونها إلاّ معتمين وذلك وقت ورود الضيفان فكأن لؤمهم هو الذي قراهم. وقيل بل أراد أن أهل الأندية يتشاغلون بذكر لؤمكم عن حلب لقاحهم حتى يمسوا فإذا طرقهم الضيف صادف الألبان في ضروعها لم تحلب.
وأنشد أبو عليّ "، " لعديّ بن زيد:
أحال عليه بالقناة غلامنافأذرع به لخلّة الشاة راقعا
ع وقبله:
فصادفنا في الصبح علج مصرّدإذا ما غدا يخاله الغرّ صاعدا
يطيف بستّ كالقسيّ قواربفأيأس إذا أدبرن من كان طامعا
أحال عليه العلج الحمار. يقول يحسبه الغرّ ظالماً لنشاطه حتى رآه بعد فأيأسه. والشاة هنا: الحمار. والعرب تسمّى الحمار والثور والبقرة والظبية كل واحدة منها شاة. قال الأعشى:
فلما أضاء الصبح قام مبادراًوحان انطلاق الشاة من حيث خيّما
يعني الثور.
وأنشد أبو عليّ "، " لزهير بيتاً قد تقدّم ذكره.
وأنشد أبو عليّ "، " لرؤبة: مشتبه الأعلام لمّاع الخفق: وأنشد أبو عليّ "، ":
نستنّ بالضرو من براقش أوهيلان أو ناضر من العتم
ع هذا الشعر للجعديّ. وقبل البيت:
كأنّ فاهاً إذا توسّن منطيب مشمّ وحسن مبتسم
ركّب في السام والزبيب أقاحيّ كثيب تندي من الرهم
تستنّ بالضرو من براقش أوهيلان أو ناضر من العتم
توسّن: أي قبّل بعد الوسن. فشبّه لثاتها بالسام وهو عرق الذهب، وثغرها بالأقاحيّ، وريقها بخمر الزبيب فحذف المضاف وهو الخمر وأقام المضاف إليه مقامه بالأقاحي. وقال إبراهيم بن عرفة: السام: عرق المعدن الذي تكون فيه الفضّة، وهو أسود شبّه اللثات به لحوّتها.
وأنشد أبو عليّ "، " لطفيل:
إذا ما غدا لم يسقط الروع رمحهولم يشهد الهيجا بألوث معصم
ع وقبله:
وما جاورت إلاّ أشمّ معاوداًكفاية ما قيل أكف غير مذمّم
إذا ما غدا. الألوث الذي فيه لوثة: أي استرخاء. وقوله: ولم يشهد الهيجا بألوث: يعني من نفسه، وهذا من باب التجريد وقد مرت نظائره.
وأنشد أبو علي "، " لعلقمة بن عبدة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحص
ع وصلته:
فوالله لولا فارس الجون منهملآبوا خزايا والإياب حبيب
فجالدتهم حتى اتّقوني بكبشهموقد حان من شمس النهار غروب
رغا فوقهم سقب السماء فداحصبشكّته لم يستلب وسليب
فارس الجون: الحارث ابن أبي شمر الغسّاني وهو الممدوح، وكان أسر أخاه شأساً في هذه الحرب، فرحل إليه يطلبه منه وفيه يقول في آخر القصيدة:
وفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمةفحقّ لشأس من نداك ذنوب
فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابةفإنّي امرؤ وسط القباب غريب
عن جنابة: أي عن بعد غربة. فقال له الملك: نعم وأذنبة، وقد خيّرتك بين الحباء الجزل وبين اساري بني تميم. فقال: عرّضتني لألسن بني تميم، دعني اليوم أنظر في أمري، فأتاهم في السجن فأخبرهم. فقالوا: ويلك تدعنا عناة وتنصرف. قال: فإنّ الملك سيحملكم ويكسوكم ويزوّدكم، فإذا صرنا إلى الحيّ فلي الحملان وباقي الزاد والكسوة، ففعلوا. وهو علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ولا تحفظ له كنية، شاعر جاهليّ.
وأنشد أبو علي "، ":
محلّها إن عكف الشفيفالزرب والعنّة والكنيف
قال أبو عليّ: ومنه قيل للبعير معنّى.
ع إذا هاج الفحل ولم يكن كريماً خافوه على كرام الإبل فنجّفوا ثيله بنجاف وجعلوه في العنّة، فلا يزال يرغو ويهدّر ويحنّ ولا يضرب، وهو السدم المعنّي. قال الوليد بن عقبة وكتب بها إلى معاوية:
قطعت الدهر كالسدم المعنّيتهدّر في دمشق ولا تريم
وإنّك والكتاب إلى عليّكدابغة وقد حلم الأديم
وأنشد أبو عليّ "، ":
وكلّ فتى وإن أمشى فأثرىستخلجه عن الدنيا منون
ع البيت للنابغة الذبياني وقبله:
فإن تك قد نأت ونأيت عنهافأصبح واهنا حبل متين
فكلّ قرينة ومقرّ إلفمفارقه إلى الشحط القرين
وكلّ فتى.
وأنشد أبو عليّ "، ":
يصدّ الكرام المصرمون سواءها
ع هذا الشعر للمعلوط بن بدل القريعيّ ثم السعديّ شاعر إسلاميّ. وصلة البيت:
أعاذل ما يدريك أنّ ربّ هجمةلها فوق أصواء المتان فديد
يصدّ الكرام المصرمون سواءهاوذو الحقّ عن أقرانها سيحيد
وكائن رأينا من غنّى مذمّموصعلوك قوم مات وهو حميد
ويروى:
لأخفافها فوق الفلاة فديد
والأصواء: جمع صوى، والصوى: جمع صوّة
وهي علم من حجارة يكون في علويّ الأرض. والفديد: شدّة الوطء على الأرض من نشاط ومرح. وفي الحديث: " إن الأرض تقول وقد كنت تمشي فوق فدّادا ". والهجمة: من الإبل ما بين الثمانين إلى المائة. وهذا الشاعر عيّرته امرأته قلّة إبله فقال لها: ربّ كثير الإبل يلؤم فيها ويضنّ بحقوقها فالناس منصرفون عنها وعن أمثالها من إبل البخلاء فيموتون مذمّمين، وربّ قليل المال آسي فيما ملكت يداه وأعطى مما يجده فمات حميداً فقيداً. وقوله سواءها: يريد قصدها حكاه الفرّاء قال السواء القصد يقول: إذا حان قصد سبيلها صدّ عنها، ويحتمل أيضاً أن يكون قوله سواءها بمعنى حذاءها. يقال زيد سواء عمرو أي حذاؤه.
وأنشد أبو عليّ ط، ":
وربّت غارة أو ضعت فيهاكسحّ الهاجريّ جريم تمر
ع الهاجريّ: رجل منسوب إلى هجر علي غير قياس، وخصّ هجر لكثرة تمرها. والجريم: من التمر المصروم وهو الجرام والصّرام والجداد. والعرب تشبّه شنّ الغارات بنثر التمر، قال ضمرة بن ضمرة النهشليّ:
الآن ساغ لي الشراب ولم أكنآتي التجار ولا أشدّ تكلّمي
حتى صبحت على الشقوق بغارةكالتمر ينثر من جريم الجرّم
والبيت لدريد بن الصمّة وصلته:
أسرّك أن يكون الدهر وجهاًعليك بسيبه يغدو ويسري
وإن لا ترزئي أهلاً ومالاًيضرّك هلكه ويطول عمري
لقد كذبتك نفسك فاكذبيهافإن جزعاً وإن إجمال صبر
متى ما أمس في جدث مقيماًبمهجرة من البلدان قفر
فربّت غارة أوضعت فيهاكسحّ الهاجريّ جريم تمر
ويروى:
كسحّ الخزرجيّ جريم تمر.
والأنصار أصحاب نخل وتمر
وأنشد أبو علي "، " لأبي كبير بيتاً قد تقدّم ذكره ومضى موصولاً " ص ": وأنشد أبو علي "، ":
إلاّ بجيش لا يكتّ عديده
ع هذا البيت لربيعة أبي ذؤاب رجل من بني نصر بن قعين ثم من بني أسد يرثي ابنه ذؤاباً وهو جاهليّ قال:
أبلغ قبائل جعفر إن جئتهاما إن أحاول جعفر بن كلاب
أن الهوادة والمودّة بينناخلق كسحق اليمنة المنجاب
إلاّ بجيش لا يكت عديدهسود الجلود من الحديد غضاب
جعفر بن كلاب من بني عامر إنما يعني جعفر بن ثعلبة بن يربوع رهط عتيبة بن الحارث بن شهاب.
قال أبو عليّ "، " ومن أمثالهم: كلا جانبي هرشي لهن طريق ع وهذا عجز بيت وصدره:
طريق قفا هرشي وآخر تحتهكلا جانبي هرشي لهن طريق
ويروى:
خذا بطن هرشي أو قفاها فإنّهكلا جانبي هرشي لهن طريق
وهرشي: ثنيّة يرى منها البحر، وهي قريبة من الجحفة وفي المنتصف بين مكة والمدينة، وعلما المنتصف بين مكة والمدينة دون عقبة هرشي بميل، وفي مسيل هرشي مسجد للنبيّ ﵇.
قال ويقال: " ضغث على إبّالة ".
ع قال أعرابي يخاطب الذئب وكان عاث في غنمه:
في كلّ يوم من ذؤالهضغث يزيد على إباله
فلأحشونّك مشقصاًأوساً أويس من الهباله
ذؤالة: اسم الذئب وكذلك أويس. والأوس: العطيّة يقال أسته أوساً، يقول أحشونّك بهذا المشقص أي أصيب به حشاك عوضاً من الغنيمة وهي الهبالة. يقال اهتبل فلان غفلة فلان: أي اغتنمها.
وأنشد أبو علي "، ":
فما أراهم جزّعاً بحسّعطف البلايا المسّ بعد المسّ
ع هذا الرجز للعجّاج وقد تقدّم إنشاده.
وأنشد أبو علي "، ":
ربّ شريب لك ذي حساس
ع أسقط أبو عليّ منها الرابع وهو بعد الأول:
شرابه كالحزّ بالمواسيأقعس يمشي مشية النفاس
وأنشد أبو علي "، " للعجّاج:
في معدل الملك القديم الكرس
وصلته:
قد علم القدّوس مولى القدسأنّ أبا العبّاس أولى نفس
بمعدن الملك القديم الكرسليس بمقلوع ولا منحس
حتى تزول هضبات قدس
الكرس: المتكارس بعضه فوق بعض وإنما يعني اجتماعه وقدمه. وقدس: من ضخام جبال نجد.
وأنشد أبو علي "، " لأبي زبيد:
خلا إن العتاق من المطاياحسين به فهنّ إليه شوس
ع وقبله:
فباتوا يدلجون وبات يسريبصير بالدجى هاد هموس
إلى أن عرّسوا وأغبّ عنهمقريباً ما يحسّ له حسيس
وأنشد أبو علي "، " للقطاميّ:
أخوك الذي لا يملك الحسّ نفسهوترفضّ عند المحفظات الكتائف
ع وبعده:
فنحن الزمام القائد المهتدي بهومن غيرنا المولى التبيع المحالف
وأنشد أبو عليّ "، ":
إذا تجافين عن النسائجتجافي البيض عن الدمالج
وأنشد أبو علي "، " لعبيد:
يا من لبرق أبيت الليل أرقبهفي عارض كمضيء الصبح لمّاح
ع هو عبيد بن الأبرص بن جشم بن عامر الأسدي شاعر جاهليّ يكنى أبا دودان وأبا زياد، وقد اختلف في هذا الشعر فبعضهم يرويه لعبيد، وبعضهم يرويه لأوس بن حجر، وهو ثابت في ديوانيهما بخلاف يسير. وفيه من الغريب قوله: لّما علا شطباً وهو جبل معروف. وقوله: أقراب أبلق فإنّه يعني أن البرق إذا برق رأيت الذي يضيئه لك من السحاب أبيض والباقي أسود. قاله أبو حنيفة فلذلك شبّه بياضه بأقراب الأبلق الذي باقيه أدهم، وقد تقدّم مطلب هذا البيت. والقرواح: الأرض البارزة التي لا يسترها شيء. ومحفله: موضع اجتماع مائه. واللهاميم: الغزيرات الألبان. وقوله قد همّت بإرشاح: يقال أرشحت الناقة إذا شبّ ولدها، وقيل إذا أطاق ولدها يمشي معها. وقوله تزجي مرابيعها: المرباع: الناقة التي تضع في ربعيّة النتاج وهو أوله وإنما يعني أولادها.
وأنشد أبو عليّ "، " للحمّانيّ:
دمن كأنّ رياضهايكسين أعلام المطارف
ع الحمّانيّ هو عليّ بن محمد العلويّ الحمّانيّ يكنى أبا الحسين شاعر من شعراء الدولة الهاشمية وكان نزل الكوفة في بني حمّان فنسب إليهم وغلب عليه الحمّانيّ. وأوّل الشعر:
كم وقفة لك بالخورنق لا توازي بالمواقف
بين الغدير إلى السدير إلى ديارات الأساقف
دمن كأنّ رياضها.
وقوله:
طرر الوصائف يلتقين بها إلى طرر الوطائف
الطرّة: أن يقطع للجارية من مقدّم ناصيتها كالطرّة تحت التاج لا يبلغ حاجبيها، وقد تتخذ من رامك. وقوله: بأربعة ذوارف هذا لكثرة الدمع حتى يسحّ من الموق واللحاظ.
وأنشد أبو علي "، " لعبيد شعراً فيه:
جوناً تكفكفه الصباوهناً وتمريه خريقه
ع الخريق: الريح الشديدة، وانخرقت: اشتدّ هبوبها. وفيه:
ودنا يضيء ربابهغاباً يضرّمه حريقه
كنى بالغاب عن السحاب تشبيهاً لها بالآجام. والغاب: جمع غابة وهي الأجمة، وقيل بل أراد إضاءة غاب يضرّمه حريقه. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما قال الفارسي في بيت الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
أراد اغتماض ليلة أرمد وليس بظرف، ونسب الاغتماض إلى الليل كما قال ﷿: " بل مكر الليل والنهار ". ويحتمل أن يريد عبيد كغاب يضرّمه حريقه فحذف حرف الصفة ونصب.
وأنشد أبو علي "، " لكثيّر:
تسمع الرعد في المخيلة منهامثل هزم القروم في الأشوال
ع المخيلة: هي ذات الخلاقة بالمطر يريد سحابة ذات مخيلة، ويقال أخالت إذا تخيّل فيها المطر فهي مخيلة، والبيت يحتملهما إلاّ أن الرواية بالفتح عن أبي عليّ، ورواهما اليزيديّ معاً في شعر كثيّر. ويقال سغّم وسعّم بالغين معجمة ومهملة إذا روّى، ورجل مسغّم ومسعّم إذا كان حسن الغذاء، وكذلك مسرهف ومسرهد وضدّه مجحن وجحن ومقرقم وجدع.
وأنشد أيضاً لكثيّر "، ":
أهاجك برق آخر الليل واصبتضمّنه فرش الجبا فالمسارب
ع الواصب: الدائم الدائب، وفلاة واصبة لا غاية لها. وفيه:
تألّق واحمومي وخيّم بالربىأحمّ الذرى ذو هيدب متراكب
احمومي: أي أسودّ. وخيّم: أقام. وهيدبه: ما تدلّى منه لثقله فكأنه على وجه الأرض كما قال عبيد:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالراح
وكما قال زهير السكب:
إذا الله لم يسق إلاّ الكرامفسقّى وجوه بني حنبل
فسقّى ديارهم باكراًمن الغيث في الزمن الممحل
كأن الرباب دوين السحابنعام يعلّق بالأرجل
وهو زهير بن عروة بن جلهمة المازنيّ سمّي زهير السكب بقوله:
برق يضئ خلال البيت أسكوب
وقال معقر بن حمار لابنته وهي تقوده وقد كفّ بصره وسمع صوت رعد: يا بنيّة أي شيء ترين؟ قالت: سحماء عقاّقة، كأنها حولاء ناقة، ذات هيدب دان، وسيروان. فقال يا بنيّة: وائلي بي إلى قفلة فإنها لا تنبت إلاّ بمنجاة من السيل وفيه:
إذا حرّكته الريح أرزم جانببلا هزق منه وأومض جانب
أرزم: أراد صوت رعده. والهزق: الخفّة يريد أنه بطئ السير وقيل الهزق شدّة الرّعد، والهزق: أيضاً كثرة الضحك. وأومض: يريد إيماضه بالبرق كما أومضت بعينها خريع وهي الفاجرة، وقيل هي التي تتثنّى في مشبتها وكلّ ليّن خريع. وقوله لا يذكر السير أهله: لا ينتجعون غيثاً غيره. والجادب: العائب.
وأنشد أبو علي "، " لابن المعتزّ:
ترى مواقعه في الأرض لائحةمثل الدراهم تبدو ثم تستتر
ع يحتمل أن يريد غدران الماء ثم تنضب، ويحتمل أن يريد ما يكون عنه من النزّ ثم يذهب. وقيل في قول عنترة:
جادت عليها كل عين ثرّةفتركن كلّ حديقة كالدرهم
أنه أراد امتلأت ماء فصارت في بياض الدرهم. وقيل إنه أراد حسن نباتها فشبّهه بنقش الدرهم وحسنه. ولولا قول ابن المعتزّ:
ترى مواقعه في الأرض
لاحتمل أن يريد مواقع القطر في الماء وما يحدث عنها من تلك الأشكال المستديرة ولحسّن هذا التأويل قوله: ثمّ تستتر وجانس قول بعض المحدثين يصف خبّازاً:
ما أنس لا أنس خبّازاً مررت بهيدحو الرقاقة وشك اللحظ بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرةوبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلاّ بمقدار ما تنداح دائرةفي صفحة الماء ترمي فيه بالحجر
وأنشد أبو عليّ "، ":
فجادت ليلها سحّاً ووبلاًوهطلاً مثل أفواه الجراح
هذا الشعر لابن المعتزّ وهو من التشبيه المقلوب. ومثله قول ذي الرمّة:
ورمل كأوراك العذارى قطعتهوقد جللّته المظلمات الحنادس
وقول الآخر وهو أبو محمد المكّيّ:
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهممصبّغات على أرسان قصّار
أخذه أبو تمّام فقال:
نار يساور جسه من حرّهالهب كما عصفرت شقّ إزار
وأنشد أبو عليّ "، " لأبي الغمر:
نسجته الجنوب وهي صناعفترقّى كأنّه حبشيّ
ع أبو الغمر هذا كاتب كان لأبي دلف العجليّ أو لابن عمّه من شعراء الجبل. وقوله كان يقروها يريد يتبعها. والقريّ: مجرى الماء إلى الروضة وجمعه قريان وأنشد أبو عليّ "، ":
كأنّه لّما وهي سقاؤهوانهلّ من كلّ غمام ماؤه
حمّ إذا حمّشه قلاؤه
ع هكذا الرواية عنه حمّشه بالحاء المهملة وقال حمّشه أحرقه، وروى غيره جمشّه: بالجيم من قولهم سنة جموش إذا أحرقت النبت، وجمّشت النورة الجسد إذا أحرقته. وصلة هذه الأشطار:
في إثر غيث بلغت أنباؤهأحبار من يعجبه انتواؤه
كأنّه لمّا وهي سقاؤهوانصبّ من كلّ غمام ماؤه
حمّ إذا حمّشه قلاّؤهفهو يرى كما نمى غثاؤه
بالجدّ حيث ارّتقبت معزاؤهقطائف الموصل أو عباؤه
الجدّ: الجدد، وارتقبت: أشرفت.
وأنشد أبو عليّ "، ":
سرى كاقتذاء الطير والليل ضارببأرواقه والصبح قد كاد يسطع
ع اقتذاؤها: تغميضها عينيها وفتحها كما يفعل من يريد إخراج القذى من عينيه ويروى كاحتساء الطير.
وأنشد أبو عليّ "، ":
أرقت لبرق سرى موهناًخفيّ كغمزك بالحاجب
ع هو لعبد الله بن العبّاس بن الفضل بن الربيع بن يونس والربيع وزير أبي جعفر المنصور، والفضل ابنه وزير الرشيد والأمين. وعبد الله شاعر مطبوع مليح المذاهب في شعره من الشعراء الأولين المترفين وأولاد النعم المرفّهين، وكان مع ذلك مغنيّاً محسناً ويكنى أبا العبّاس. قال ابن عباس: كنّا عند الواثق في يوم دجن ولاح برق واستطار. فقال الواثق: قولوا في هذا شيئاً فبدرهم عبد الله فقال البيتين وصنعفيهما غناء شرب الواثق عليه بقيّة يومه ووصله بصلة سنيّة.
وأنشد أبو علي "، ":
نار تجدّد للعيدان نضرتهاوالنار تلفح عيداناً فتحترق
ع وقبله:
فقمت أخبره بالغيث لم يرهوالبرق إذ أنا محزون به أرق
لّما اكفهرّ شريقيّ اللوى وأوىإلى تواليه من سفّاره رفق
تربّص الليل حتى قال شائمهعلى الرويشد أو خرجائه يدق
ألقى على ذات أحفار كلاكلهوشبّ نيرانه وانجاب يأتلق
ناراً يعاود منها العود جدّتهوالنار تلفح عيداناً فتحترق
وهذا الشعر ينسب إلى ابن ميّادة. وقال البحتري في معناه ومعنى قول أبي تمّام:
فسقاهم وإن أطالت نواهمخلفة الدهر ليله ونهاره
كلّ جود إذا التظى البرق فيهأوقدت للعيون بالماء ناره
وأنشد أبو علي "، " للطائيّ:
يا سهم للبرق الذي استطارا
ع هو سهم بن أوس أخو حبيب بن أوس وسهم كان ينشد أشعاره لأن حبيباً كان تمتاماً.
وأنشد أبو علي "، " للعجّاج:
ماء قرىّ مدّة قرىّ
ع قال يصف الليل:
ومخدر الأبصار أخدريّلجّ كأنّ ثنيه مثنىّ
كأنّه والهول عسكريّإذا تبارى وهو ضحضاحيّ
ماء قرىّ مدّة قرىّغبّ سماء فهو رقراقيّ
مخدر الأبصار كأنه جعلها في خدر فمنعها أن تبصر. والأخدريّ: الأسود. ثم قال كأنّه لجّة بحر لتكاثف ظلمته. والهول عسكريّ: أي معسكر عليهم لا يفارقهم. والضحضاح: الرقيق. والرقراقيّ: الترقرق.
وأنشد أبو عليّ "، ":
رعى غير مذعور بهنّ وراقهلعاع تهاداه الدكادك واعد
قد نسب هذا البيت إلى ابن ميّادة ولا أعلمه في شعره، ولكن له بيت آخر شاهد على هذه اللفظة وهو قوله:
من كان أخطاه الربيع فإنّهنصر الحجاز بغيث عبد الواحد
سبقت أواخره أوائل نورهبمشرّع عذب ونبت واعد
ونسبه أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب الشجر والنبات إلى سويد بن كراع، وكذلك قال أبو حنيفة إنه لسويد بن كراع، وقد نسبه غيرهما إلى ابن الرقاع. فأما
قول الشاعر:
كاد اللعاع من الحوذان يسحطهاورجرج بين لحييها خناطيل
فقال ابن الأنباري في كتاب الحاء هو لجران العود النميريّ. وأنشد قبله:
لمّا ثغا الثغوة الأولى فأسمعهاودونه شقّة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يسحطهاورجرج بين لحييها خناطيل
وكذلك أنشده أبو علي في البارع لجران العود ثم رأيت بعد هذا في قصيدة لابن مقبل هذا البيت الشاهد، وهي قصيدة أوّلها:
لم يبق من كبدي شيئاً أعيش بهطول الصبابة والبيض الهراكيل
يقول فيها:
كأنّها حين ينضو الدرع مئزرهاسبيكة لم تنقّصها المثاقيل
أو نعجة من إراخ الرمل خذّلهاعن إلفها واضح الخدّين مكحول
قالت لها النفس كوني عند مولدهإنّ المسيكين إن جاوزت مأكول
حتى احتوى بكرها بالجزع مطّردهملّع كهلال الشهر هذلول
كأنّ ما بين أذنيه وزبرتهمن صبغه في دماء الجوف منديل
لّما ثغا الثغوة الأولى فأسمعهاودونه شقّة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها
هملّع: خفيف. كهلال الشهر: دقيق ضامر. وهذلول: سريع يعني الذئب. وقوله كاد اللعاع: يقول كادت تغصّ بالحوذان أي تغصّ بما لا يغصّ به من حزنها على ولدها. واللعاع: بقل ناعم في أوّل ما يبدو، ويقال إنما الدنيا لعاعة. وكاد يسحطها: أي يذبحها. ورجرج: يعني لعابها يترجرج في فيها فهي لا تسيغ اللعاع بلعابها وإنما يسيغ الطعام اللعاب. وخناطيل: قطع متفرّقة.
وأنشد أبو علي "، ":
إذا سقط السماء بأرض قومرعيناه وإن كانوا غضاباً
ع يليه:
بكلّ مقلّص عبل شواهإذا وضعت أعنّتهن ثابا
ومحفزة الحزام بمرفقيهاكشاة الربل أفلتت الكلابا
والشعر لمعاوية بن مالك معوّد الحكماء وقد مضى ذكره " ص ".
وأنشد أبو عليّ "، ":
يقيم أمورها ويذب عنهاويترك جدبها أبداً مريعا
وأنشد أبو عليّ "، " لأبي ذؤيب:
قصر الصبوح لها فشرّج لحمها
ع وصلته:
تعدو به خوصاء يفصم جريهاحلق الرحالة فهي رخو تمزع
قصر الصبوح لها فشرّج لحمهابالنيّ فهي تثوخ فيها الإصبع
تأبى بدرّتها إذا ما استكرهتإلاّ الحميم فإنّه يتبضّع
خوصاء: غائرة العينين ساهمة الوجه يفصم جريها: يقول إذا عدت فزفرت فصمت الحزام. وهي رخو: أي سهلة الجرى. تمزع: تسرع وقال أبو عبيدة: المزع أوّل العدو. وقوله فشرّج لحمها: أي صار لحمها وشحمها شريجين. وقال أبو بكر قال الأصمعي: هذه كانت سمّنت للأضحى، وهذيل ليسوا بأصحاب خيل، والجيّد قول امرئ القيس:
بعجلزة قد أترز الجرى لحمهاكميت كأنّها هراوة منوال
أترز: أي أيبس: وقد عيب أيضاً قوله تأبى بدرّتها وقيل هذه حرون. وقال قوم إنما أراد أنّها عزيزة النفس لا تعطي ما عندها على الاستكراه إلاّ العرق فإنه يتبضّع ويتبصّع: أي يسيل قليلاً قليلاً، وهو المحمود في الخيل أن لا يكون هشّاً ولا صلوداً.
وأنشد أبو عليّ "، ":
لمّا رأى الرمل وقيزان الغضا
ع هذا رجل حضريّ لّما رأى القفر بكى وأبكى.
وأنشد أبو عليّ "، " لأبي ذؤيب:
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعاً
وصلته:
أمن المنون وريبة تتوجّعوالدهر ليس بمعتب من يجزع
قالت أمامة ما لجسمك شاحباًمنذ ابتليت ومثل مالك ينفع
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعاًإلا أقضّ عليك ذاك المضجع
هذا الشعر يرثي به بنيه. والمنون هنا: الدهر فلذلك ذكّره، ومن أراد به المنيّة أنثّه. وقال الأخفش: المنون مؤنّثة وهي جماعة لا واحدة لها. وقال الأصمعي: المنون واحد لا جماعة له. وقوله: ومثل مالك ينفع المعنى: ما لجسمك شاحباً ومثل مالك لا تكون معه ضيعة
ولا هزال ولا شحوب لأنه واسع مبذول، وهذا كما قال كعب بن سعد الغنوي:
تقول سليمى ما لجسمك شاحباًكأنّك يحميك الطعام طبيب
وقال النمر بن تولب:
وفي جسم راعيها هزال كأنّهشحوب وما من قلّة الطعم يهزل
وقوله: إلا أقضّ عليك ذاك المضجع: أي تجده كأنّ فيه قضّة: وهي الحصا الصغار.
وأنشد أبو عليّ "، ":
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموايا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
ع هذا البيت للأسعر بن مالك الجعفيّ شاعر جاهليّ وقد تقدّم ذكره وصلة البيت:
وإذا رأيت مسالماً ومحارباًفليبغني عند المحارب من بغى
إخوان صدق ما رأوك بغبطةفإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموايا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
قال الأصمعي: هذا سنّة العرب كان أحدهم إذا أراد أن يخطب مسح لحيته وعثنونه، وقال أبو عمر: سألنا ثعلباً عن هذا البيت فقلنا ما كان يصنع فيهم؟ قال: يحلق لحاهم مجازاة لهم على الموادعة، وسيأتي هذا البيت على خلاف هذا.
وأنشد أبو عليّ "، " شعراً فيه:
أمين فأدّى الله ركباً إليهمبخير ووقاّهم حمام المقادر
وروى عبد الرزّاق عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله عن أبي هريرة قال: أمين اسم من أسماء الله تعالى قال: والألف فيه حرف نداء، والعرب تقول: أفلان وآفلان. وقال ابن قتيبة وغيره عن مجاهد أمين: هو اسم من أسماء الله تعالى. أقول أنا وكان يلزم على هذا أن يكون مضموماً. وقال آخرون: إنه اسم للفعل بني علي الفتح من أجل الياء وأصله السكون مثل رويد ومعناه استجب كما أنّ رويداً بمعنى أمهل، وقيل معناه اللهم افعل. وقال ابن عبّاس والحسن: معنى أمين: ذلك يكون. وفيه:
حذاراً على القلب الذي لا يضيرهأحاذر وشك البين أم لم يحاذر
هذا بيت اختلف فيه فقيل إنه أراد بالقلب قلب محبوبته، ولو أراد نفسه لكان متناقضاً، ومحبوبته هي التي لا تسأل عن بين ولا تلاق ولا هجر ولا وصال. وقال أبو علي في الكتاب البارع، وقد أنشد الأبيات مستشهداً على قصر أمين فقال: أراد بقوله لا يضيره: لا ينفعه فلما لم يستقم له الشعر جاء بالضدّ ضرورة.
وأنشد أبو عليّ "، " لجميل:
خليليّ هل في نظرة بعد توبةأداوي بها قلبي عليّ فجور
ع يعني بعد توبة من لمم أو قراف. وفيه:
وكيف بأعداء كأنّ عيونهمإذا حان إتياني بثينة عور
هذا من قول الأعشى:
يريد يغضّ الطرف دوني كأنمازوى بين عينيه عليّ المحاجم
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوىولا تلقني إلاّ وأنفك راغم
وقال عنترة فأحسن:
إذا أبصرتني أعرضت عنيكأنّ الشمس من قبلي تدور
أخذه ابن الطثريّة فقال:
إذا ما رآني مقبلاً غضّ طرفهكأنّ شعاع الشمس دوني تقابله
وفيه:
وإنّي وإن أصبحت بالحبّ عالماًعلى ما بعيني من قذى لخبير
يقول هو خبير بأنه مغطّى على بصره للحبّ لا تخفي عليه غوايته فيه، وضرب القذى لذلك مثلاً، ويروى:
على ما بعيني من عشا
يريد أن الحبّ أعشاه عن تبيّن الرشد وهذا كما قال مالك بن أسماء:
أمغطّي منّي على بصري للحبّ أم أنت أكمل الناس حسنا
والمثل السائر: " حبّك الشيء يعمي ويصمّ ". ومن هذا الباب قول الشاعر:
قل لنصر والمرء في دولة السلطان أعمى مادام يدعى الأميرا
فإذا زالت الولاية عنهواستوى بالرجال صار بصيرا
وقال آخر:
والمرء يعمى عمّن يحبّ فإنأقصر عن بعض ما به أبصر
وأنشد أبو عليّ "، ":
كأنّ خوق قرطها المعقوب
ع المعقوب: الذي فيه العقاب: وهو الخيط الذي يشدّ في طرف حلقة القرط ثم يشدّ في حلقة القرط الآخر لئلا يسقط أحدهما ذكر ذلك ابن دريد في كتاب الملاحن هذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو عليّ من شدّة بالعقب إذا خشوا أن يزيغ فإن
قرطاً يشدّ بعقب ينبغي أن يكون من خشب. وهذا الرجز لسيّار الأبانيّ قال:
أعار عند السنّ والمشيبما شئت من شمردل نجيب
أعارهم من سلفع صخوبيابسة الظنبوب والكعوب
كأنّ خوق قرطها المعقوبعلى دباة أو على يعسوب
تشتمني في أن أقول توبي
قوله أعار: يعني الله سبحانه ورزقه عند كبره أولاداً جساماً نجباء. والشمردل: الطويل الحسن الجسم يقول هؤلاء الأولاد من امرأة سلفع وهي الصخّابة البذيئة. وقوله على دباة: يعني قصر عنقها وصفها بالوقص. والدبا: صغار الجراد.
وأنشد أبو علي "، " لسلامة بن جندل:
ولّى حثيثاً وهذا الشيب يطلبه.
ع وصلته:
ولّى الشباب حميداً ذو التعاجيبولّى وذلك شيء غير مطلوب
ولّى حثيثاً وهذا الشيب يطلبهلو كان يدركه ركض اليعاقيب
التعاجيب: العجب جمع لا واحد له كما قالوا التعاشيب وتباشير الصبح. والمعنى كان الشباب يعجب الناظرين إليه ويروقهم. ثم قال أودي فكرّر اللفظ على التوجّع والتفجّع. وقال أبو عبيد اليعاقيب: ذكور الحجل وأنشد البيت، وخصّها لسرعة طيرانها يقول: لو كان يدرك الشباب ركض اليعاقيب لطلبناه فحذف الجواب. ويروى ركض اليعاقيب بالنصب بمعنى دلّ عليه قوله ولّى حثيثاً يركض ركض اليعاقيب، أو بمعنى دلّ عليه قوله وهذا الشيب
يطلب. وهو سلامة بن جندل بن عبد عمرو بن الحارث بن مقاعس التميميّ شاعر جاهليّ يكنى أبا مالك.
وأنشد أبو عليّ "، " لذي الرمّة:
ألهاه آء وتنّوم وعقبته
ع وصلته:
أذاك أم خاضب بالسيّ مرتعهأبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
شخت الجزارة مثل البيت سائرهمن المسوح خدبّ شوقب خشب
ألهاه آء وتنّوم وعقبتهمن لائح المرو والمرعى له عقب
الخاضب: الظليم الذي قد اخضرّت ساقاه وأطراف ركبتيه من أكله الزهر فذلك خضابه. وأبو ثلاثين: يعني ثلاثين بيضة. والجزارة: عنقه وساقاه وكذلك هو من كل ذات أربع. وأراد سائره مثل البيت من المسوح يريد بيتاً من شعر شبّهه به لسواده. وخدبّ: ضخم. وشوقب: طويل. وخشب: جاف. وسيف خشيب: حديث الصنعة لم يحكم. والأخشب: الغليظ من الأرض. والآء والتنّوم: نبتان. والمرو: حجارة رقاق بيض برّاقة.
وأنشد أبو علي "، " لطفيل:
عناجيج من آل الوجيه ولاحقمغاوير فيها للأريب معقّب
ع وقبله:
وخيل كأمثال السراح مضونةذخائر ما أبقى الغراب ومذهب
عناجيج من آل الوجيه ولاحقمغاوير فيها للأريب معقّب
ويروى:
طوال الهوادي والمتون صليبةمغاوير فيها للأريب معقّب
الغراب ومذهب: فحلان كريمان كانا لغنّى. ويحمد من الفرس طول عنقه واشتداد مركبّها في الكاهل. قال أبو النجم:
قد كاد هاديها يكون شطرها
ويقال فرس مغوار إذا كان شديد الدفعة في الغارة. والأريب: ذو الإربة وهي الرأي والمكيدة، والإربة: أيضاً الحاجة. والسراح: جمع سرحان وهو الذئب.
وأنشد لطفيل أيضاً "، ":
كريمة حرّ الوجه لم تدع هالكامن القوم هلكاً في غد غير معقب
ع وبعده:
أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشابرود الثنايا ذات خلق مشرعب
ترى العين ما تهوى وفيها زيادةمن الحسن إذ تبدو وملهى لملعب
من نصب غير معقب فهو نعت لقوله هلكاً أو هالكاً، ومن خفضه فهو نعت لقوله في غد
كما تقول نهاره صائم وليله قائم وإنّما هي إقبال وإدبار
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة (١٣٥٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع