تجاوز إلى المحتوى

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)

الباب السادس في صفات الشمس في الشروق والضحى والارتفاع والطفل والمغيب والصحو والغيم

والكسوف

للشمس أسماء وهي: الشمس وذكاء بالمدّ، وذكا بالقصر، وحول - مضمومة غير معجمة، وإلاهة وألاهة بكسر الهمزة وفتحها، والإلاهة بالتعريف، والجونة والجارية والغزالة والفتاة والسراج والضحّ والبيضاء وبرح وبراء - كقطام وحذام - والمهاة والقرص والفتاق، سميت بذلك لأنها تفتق بنورها الغيم وكل شيء. والعرب تقول لمن تصفه بالحسن: أحسن من الفتاق، والشَّرقة والشَّرق، والشرق اسمها إذا طلعت، ولا تسمى به عند الغروب، يقال لا آتيك ما طلع الشرق، ولا يقال ما غرب الشرق؛ ويوح والضَّحاء - بفتح الضاد - والنيِّر والأثير الأصغر والآية المشرقة وأحد القمرين واقليدس، وهو اسمها باليونانية وقد تكلموا به. ويقال لنور الشمس الداخل من كوة البيت: الشِّعرارة وجمعها شعارير - بكسر الشين في الواحد وفتحها في الجمع -، ويقال لما يرى فيه من الهباء المنبث: الهباء والذر - معجمة الذال - وقيل أنه المراد بقوله ﷿: (ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شّرّاً يَرَةْ) وذرور الشمس ظهور ضوئها وشعاعها؛ وشَرَقتِ الشمس - بفتح الراء - إذا طلعت، وشَرِقت - بكسر الراء - إذا قربت من الغروب، وأشرقت: إذا صفا ضوؤها وأنار.

وقد أجاد القاضي التنوخي في وصف الشمس فقال:

ويومٍ كأنَّ الشمسَ من تحتِ غَيْمِهِمفاخرُ قد غطيتها بعيوبِ
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
إذا طلعت من فرجةٍ فيه خِلْتُهامَخْيلةَ جَدْوى من خلالِ جدوب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وقد مدَّ ستراً فوفها فكأنما ... يغطِّي بكفرانٍ ثوابَ مثيب قال مصنف الكتاب: إني لينغّصُ عليّ إحسان هذا الرجل - مع كثرته - ما أخذ به نفسه من تشبيه الأظهر بالأخفى، وهو شيء كرهه أكابر العلماء ونصُّوا عليه، وهو قد أُغريَ به لا يكاد يُخْلي منه تشبيهاته، وهذه الثلاثة أبيات من هذا القبيل شبّه فيها الأظهر بالأخفى.

أبوالعلاء في شفقها في الطلوع:

ربَّ ليلٍ كأنه الصبحُ في الحُسْنِ وإن كان أسودَ الطيلسانِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «عللاني فإن بيض الأماني»
قد ركضنا فيه إلى اللهوِ لماوقف النجمُ وِقْفَةَ الحيران
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «عللاني فإن بيض الأماني»
ثم شاب الدُّجى وخاف من الهَجْرِفغطَّى المشيبَ بالزعفران الطغرائي يصف الشمس في طلوعها والبدر في غروبه:
وكأنما الشمسُ المنيرةُ إذ بَدَتْوالبدرُ يجنحُ للغروبِ وما غربُ

متحاربان لذا مِجَنٌّ صاغه ... من فضةٍ، ولذا مِجَنّ من ذهب قال أبو الحسن علي بن موسى الغرناظي: ضمَّني وأبا يحيى الكاتب مجلس أُنسٍ، فتذاكرنا ما قيل في معاقرة الشراب في الشيب، فأنشدني لنفسه:

لاموا على حبِّ الصِّبا والكاسِلما بدا زَهَرُ المشيبِ براسي

والغصنُ أحوجُ ما يكون لشربه ... إبان يبدو بالأَزاهرِ كاسي ثم قال: هل سمعت في هذا المعنى شيئاً لغيرى؟ قلت: لا، ثم أعملت خاطرى حتى عملت فيه، وهو معنىً غريب:

يلومونني أَنْ شِبْتُ في الخمرِ ضَلَّةًوإني إذا وافى المشيبُ بها أحق
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة
إذا شاب رأسُ الليلِ بالفجر قُرِّبَتْله أكؤسُ الصهباءِ من حمرة الشفق سليمان المارديني:
ربَّ ليلٍ تخالُ فيه الدراريزَهَرَ الروض والمجرةَ نهرا
والثريا كأنها كأسُ خمرٍأطلعتْ فوقها الفواقعَ درّا
وتخالُ السماء حُلَّةَ خزٍّنُثِرَتْ فوقها الدراهمُ نثرا
وكأن الصباحَ جامُ لجينٍملأته أشعةُ الشمسِ خمرا شاعر في الشفق، هو المعري:
وعلى الدهرِ من دماءِ الشهيدين عليٍّ ونجلِهِ شاهدانِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «عللاني فإن بيض الأماني»
فهما في أوائلِ الليلِ فجران وفي أخرياتِهِ شفقان أعرا بي:
مُخَبَّأَةٌ أَما إذا الليلُ جَنَّهافتخفى وأَما بالغدوِّ فتظهرُ
إذا انشقَّ عنها ساطعُ الفجرِ وانجلىدجى الليلِ وانجابَ الحجابُ المستّر
وأُلبس عرضُ الأرضِ لوناً كأنهعلى الأُفُقِ الشرقيِّ ثوبٌ معصفر
بلونٍ كزرع الزعفران يشوبُهُشعاعٌ يلوحُ فهو أَزهرُ أصفر
إلى أنْ علت وانشقَّ منها اصفرارهافلاحَتْ كما لاح المنيحُ المشهَّر
ترى الظلَّ يُطْوى حين تعلو وتارةًتراه إذا مالتْ إلى الأرض ينشر
وتدنف حتى ما يكادُ شعاعهايبينُ إذا غابتْ لمن يتبصر
فأفنتْ قروناً وهي في ذاك لم تزلْتموتُ وتحيا كلَّ يومٍ وتنشر الباخرزي:
توارتِ الشمسُ تحت الدَّجْنِ واحتجبتْحتى تشاب مُمْساها ومُصْبَحُهَا
فتلك منسيّةٌ والآن لو طلعتفجاءَةً لحسبتَ الكلبَ ينبحها شاعر في النيرين:
وسائرةٍ لا ينقضي الدهرَ سيرهاوليست على حيٍّ من الناسِ تنزلُ
لها صاحبٌ لم تَلْقَهُ مرّةعلى إِثْرٍ ما تمشي يسيرُ ويَعْجَل

العسكري:

ملأ العيونَ غضارةً ونضارةًصحوٌ يطالعنا بوجهٍ مونقِ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
والشمسُ واضحةُ الجبينِ كأنهاوجهُ المليحةِ في الخمارِ الأزرقِ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
وكأنها غيداءُ مِسْكُ شعاعِهاتبرٌ يذوبُ على فروع المشرق
جَرَّتْ إذا بكرت ذيولَ معصفروتجرُّ إنْ راحتْ ذيولَ ممشق
فشربتها عذراءَ من يدِ مثلهاتحكي الصباح مع الصباح المشرقِ ابن المعتز:
كأن الشمسَ يوم الغيم لحظٌمريضٌ مدنفٌ من خلفِ ستْرِ
تحاول فتقَ غيمٍ وهو يأبىكعنّينٍ يريدُ نكاحَ بكر الوزير المهلبي:
يومٌ كأن سماءَهُشِبهُ الحصانِ الأَبرشِ
وكأنَّ زهرةَ روضهِفُرِشَتْ بأحْسَنِ مفرش
والشمسُ تظهر تارةًوتغيبُ كالمتوحش
شّبَّهْتُ حمرةَ عينهابخمارِ عينِ المنتشي شاعر:
فكأنَّ الشمسَ بِكْرٌ حُجِبتوكأن العغيمَ سترٌ مُسْدَلُ ابن طاهر الخباز الكرخي:
أما ترى الأفقَ كيف قد ضَرَبَ الغيمُ عليه من مُزْنِهِ قُبَبَا
وحاجبَ الشمسِ من رفارفهايضرمُ فيها بنوره لهبا

كأنه فضةٌ مطرَّقَةٌ ... أطرافها قد تَطَوَّسَتْ ذهبا حضر أبو عُنين مع الملك المعظم بدمشق. ومملوكٌ خاص قائم يستر الشمس عنه. فقال لإبن عنين: قل في هذا شيئاً فقال:

وغصنِ بانٍ قلوبُ الناسِ قاطبةًمنه على خطرٍ إنْ ماسَ أوخطرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «وغصن بان قلوب الناس قاطبة»
بدا فأبدى برؤياه لنا قمراًفيه من الحسن ما للعقل قد قمرا
هو الغزالُ ولكنّي عجبتُ لهمن الغزالةِ إذْ زارته ان نفرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «وغصن بان قلوب الناس قاطبة»
وظل مستتراً منها ومحتجباًعنها ونورهما في الناس قد ظهرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «وغصن بان قلوب الناس قاطبة»

فقلتُ حَسْبُكَ لا تخشَ اجتماعكما ... فالشمسُ لا ينبغي أنْ تدركَ القمرا جلس المعتمد بن عباد ملك إشبيلية بقصره. فبلغت الشمس إليه، فقامت جارية من حظاياه لتحجب عنه الشمس فقال:

قامتْ لتحجبَ قُرْصَ الشمس قامتهاعن مقلتي حُجِبَتْ عن أعينِ الغِيرِ
علماً لعمرك منها أنها قمرٌهل يَحْجُبُ الشمسَ إلا صفحةَ القمر ابن التلميذ في الظل:
وشيءٍ من الأجسام غيرِ مجسَّمٍله حركاتٌ تارةً وسكون
إذا بانتِ الأنوارُ بان لناظريوأما إذا بانت فليس يبين

يتمُّ أواني كونهِ وفسادِهِ ... وفي وَسْطِ مَحْياهُ المحاقُ يكون خرج القاضي أبو حفص عمر قاضي قرطبة واشبيلية مع أبي ذرّ النحوي لفرجة، ورجعا عشاء وقد أثرت الشمس في وجه القاضي، وكان وسيماً، فقال أبو ذر:

وَسَمَتْكَ الشمسُ يا عمرُسمةً لم يَعْدُهَا القَمَرُ
عرفتْ قدرَ الذي صنعتْفأتت صفراءَ تعتذر شاعر في الكسوف:
قلتُ لها إذ كُسِفَتْ شمسناقومي أخرجي قد غابتِ الضرَّهْ
فأعرضت تيهاً وقالتْ لقدقابلتني ظلماً بما أَكره
حاشايَ أنْ أظهرَ بين الورىأو أنْ تراني مثلها شُهْرَهْ الحسين بن علي الوزير:
لمثلِ ذا اليوم يا معذّبتيكانت ترجّيك أُخْتُكِ الشمسُ
قومي اخلفيها لدى الكسوفِ ففيوجهك منها إن أوحشتْ أنس
وغلّطي صاحبَ الكسوفِ فإنلحتِ وغابتْ أصابهُ لَبْسُ الوزير المغربي:
رأت الغزالةُ في السماءِ غزالةًتسعفه النفس حُسْنُها الأَلبابا
فاستحسنتها في النقابِ وقد بَدَتْوقتاً فصيرت الكسوفَ نقابا هبة الله بن التلميذ في ولده:
أشكو إلى الله صاحبا شرساتسعفه النفس وهو يعسفها

كأننا الشمس والهلال معاً ... تكسبه النور وهو يكسفها والطفل عند غيبوبة الشمش إذا اصفرت وضعف ضؤوها، يقال: طفلت تطفيلاً، وتطفلت تطفلاً، وذلك حين تجنح للغروب، وجنوحها حين تهم بالوجوب، وهو الأصيل وجمعه آصال. وفي التنزيل العزيز: (يُسَبِّحُ له فيها بالغدو والآصالِ) وأزبَّت الشمس وزبَّت وضرعت ودنَّفت كل ذلك دنت

للغروب، ودلوك الشمس زوالها، وقيل غروبها، والغروب أكثر، والشعراء يصفون الشمس عند مغيبها باصفرار اللون وأنها كالملاء المعصفر، وكأنها نفضت ورساً على الآكام والقيعان.

أبن الرومي:

إذا طَفَّلَتْ شمسُ الأصيل ونفَّضَتْعلى الجانبِ الغربيِّ وَرْساً مُذعذعا
وودَّعتِ الدنيا لتقضيَ نحبهاوصوَّحَ باقي عمرها وتسعسعا
ولاحظتِ النوارَ وهي مريضةٌوقد وضعت خدّاً على الأرضِ أضرعا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بكيت فلم تترك لعينك مدمعا»
كما لحظتْ عوّادَهُ عينُ مُدْنَفٍتوجَّعَ من أوصابِهِ ما توجعا
وقد ضربتْ في خضرة الروضِ صفرةمن الشمس فاخضر اخضرارا مشعشعا عبد الصمد بن المعذل:
لما رأيتُ البدرَ فيأُفُقِ السماءِ وقد تدلَّى
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
ورأيتُ قَرْنَ الشمسِ فيأُفُقِ المغيبِ وقد تولَّى
شبَّهْتُ ذاك وهذهوأرى شبيههما أجلا
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
وَجْهَ الحبيب إذا بداوقفا الحبيب إذا تولى أعرابية في السحب:
تُطَالِعُني الشمسُ من دونهاطلوعَ فتاةٍ تخافُ اشتهارا
تخافُ الرقيبَ عل سرِّهاوتحذرُ من زوجها أنْ يغارا
فتستر غرتها بالخمارِطوراً وطوراً تزيلُ الخمارا

نشو الملك:

وعشاءٍ كأنما الجوُّ فيهلا زوردٌ مضمَّخٌ بنُضَارِ
قلتُ لما هَوَتْ لمغربها الشمسُولاح الهلالُ للنظّار
أَقرضَ الشرقُ صِنْوَهُ الغربَ ديناراً فأَعطاه الرهنَ نصفَ سوار عبد العزيز القرطبي:
إني أرى شمسَ الأصيلِ عليلةًترتادُ من ليلِ المغاربِ مغربا
للشاعر المنفتل، اقرأ القصيدة
مالتْ لتحجبَ شَخْصَها فكأنهامدَّتْ على الدنيا بساطاً مذهبا ابن المعتز في الظل المنحرف:
والآلُ ينزو بالصحارى مَوْجُهُنَزْوَ القطا الكدريِّ في الأشراكِ
والظلُّ مقرونٌ بكلِّ مطيَّةٍمشيَ المهاري الدُّهْمِ بين رِماكِ الأسعد بن بليطة:
لو كنتَ شاهدنا عشيّةَ أَمْسِنَاوالمزنُ يبكينا بعينَيْ مُذْنِبِ
والشمسُ قد مَدَّتْ أديمَ شعاعهافي الأرضِ إلا أنها لم تغرب
قلتَ الرذاذُ به بُرادةُ فضةٍقد غُرْبِلَتْ من فوقِ نِطْعٍ مذهب

النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.