من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)
الباب الخامس في انشقاق الفجر ورقة نسيم السحر وتغريد الطير في الشجر وصياح الديك
وإيذانه بالصباح
الفجر أول ضوء تراه من الصباح ويقال له ابن ذكاء، وذكاء من أسماء الشمس؛ قال الراجز:
وردُتهُ قبلَ انبلاجِ الفجرِ ... وابنُ ذكاءٍ كامنٌ في كَفْرِ والكفر ما غطاه، يعني به الليل، والفجر مأخوذ من انفجار الماء، لأنه ينفجر كالماء شيئاً بعد شيء، وهما فجران: الأول منهما ذَنَبُ السرحان تشبيها له بذلك وهو الذي لا يحرم الطعام على الصائم، ويسمى الفجر الكاذب، لأنه يلوح ثم يخفى؛ والثاني هو الفجر الصادق وهو الذي يحرم الطعام على الصائم.
والذي يلي الفجر من الليل هو السحر، يقال: أتيته بسحرٍ وبسحرة، وبالسحر الأعلى لآخر السحر، وسحيراً لأوله.
والسدفة: ظلمة يخالطها ضوء يكون من أول الليل ومن آخره يذهب إلى بقايا الشفق، لأن الشفق في أول الليل كالفجر في آخره.
ويقال انبلج الصبح انبلاجاً فهو أبلج، وتبلج يتبلج، وساح يسيح، وانساح ينساح انسياحاً، وانفسح ينفسح، وانصاح ينصاح انصياخاً، - كل ذلك إذا اتسع وانبسط - وتنفس يتنفس، وفي التزيل العزيز (والصبح إذا تنفّس) وصاح يصيح إذا علا وظهر؛ قال الفرزدق:
والشيبُ ينهض في الشباب كأنهليلٌ يصيح بجانبيه نهارُ
لما علا وظهر شبهه بالصائح الذي دل على نفسه بصياحه. فإذا علا بعد ذلك بشيء فعرفت المارَّ وإن كان منك بعيداً قلت: أسفر الصبح.
وفي التنزيل العزيز: (حتّى يَتَبيَّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفجر) والعرب تشبه رقة البياض البادي من الفجر أولاً ورقة السواد الحافّ به بخيطين أبيض وأسود على جهة الاستعارة والتمثيل. قال أبو دواد:
فلما بَصُرْنَ به غُدْوَةً ... ولاح من الفجرِ خيطٌ أَنارا والكتاب العزيز نزل على ما تفهمه العرب في لغتها وتألفه في عرفها. ونزل " الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود "، ولم يكن فيها " من الفجر " ومضى على ذلك عام. فجاء عدي بن حاتم إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني جعلتُ تحت وسادتي عقالين أبيض وأسود أعرف الليل والنهار، فقال له رسول الله ﷺ: إنما هو سواد الليل وبياض النهار.
فاستدل الفقهاء بهذا القول على أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وعلى ذلك العمل في الصوم والصلاة والإيمان وغير ذلك من جميع ما يناط به حكم شرعي.
وأما على ظاهر اللغة فاختلف فيه. فروى أبو حنيفة الدينوري في " كتاب الأنواء " أن النهار محسوب من طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروب الشمس إلى طلوعها، ولا يعد شيء قبل طلوعها من النهار ولا شيء فبل غروبها من الليل؛ وقال الزجاج في " كتاب الأنواء " أيضاً: أول النهار ذرورُ الشمس. ومن أهل اللغة من جعل وقت النهار من الإسفار إذا اتسع الضوء وانبسط وهو موافق لمن قال بالذرور. واعتبر في ذلك التسمية اللفظية وقال: النهار مأخوذ من اتساع الضوء واتضاح نوره، وأ نشد:
ملكتُ بها كفي فأَنْهَرتُ فَتْقَهَا ... يرى قائماً من دونها ماوراءَهَا والحكم عند عامة الفقهاء في النهار ما ورد في الحديث وهو: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأما تحديد تبيين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر،
وهو الذي بسببه تجب الأعمال، فقد اختلف فيه ووقع العمل على أنه الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة. فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك عن الأكل للصيام. لما خرجه مسلم في صحيحه أنه ﷺ قال: ليس الفجر الذي يقول هكذا وهكذا - وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض - ولكن الذي يقول هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه. وروي عن أبن عباس وغيره أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال. وعن علي ﵇ أنه صلّى بالناس الصبح وقال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وإنما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هم في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، لأن آخره غروبها فكذلك أوله طلوعها؛ وذكر عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر، واستدل بقوله (وأقم الصلاة طرفي النهار) وهذا من أهل اللغة موافق للحديث ومن أكل وهو يشكّ في طلوع الفجر فعليه عند مالك القضاء.
ومما نقل من كتاب " ديوان المعاني " للعسكري: من أجود ما قيل في الصباح، قال الأصمعي: نزلت بقوم من غنيّ قد جاوروا قبائل العرب من بني صعصعة. فحضرت ناديهم وشيخ طويل الصمت عالم بالشعر، يأتونه الناس من كل ناحية ينشدونه أشعارهم، فإذا سمع الشعر الجيد قرع الأرض بمحجنه فينفذ حكمه على من حضر منهم. بشاةٍ إن كان ذا غنم، أو ابنِ مخاض إن كان ذا إبل، فتذبح أو تنحر لأهل النادي، قال: فحضرته يوماً وأنشده بعضهم يصف ليلاً:
كأنّ شميطَ الصبح في أخرياتهملاءٌ يُنَقَّى من طيالسةٍ خُضْرِ
تخالُ بقاياه التي أَسْأَرَ الدجى ... تمدّ وشيعاً فوق أرديةِ الفجر فقام الشيخ كالمجنون مصلتاً سيفه حتى خالط البرك، فجعل يضرب يميناً وشمالاً ويقول:
لا تفرغنْ في أذنيَّ بعدهاما يستفزّ فأريكَ فقدها
إني إذا السيف تولى مدَّهالا أستطيع بعد ذاك ردَّها
قال العسكري: وهذا دليل على أن علم الشعر وتمييز جيده من رديئه عزيز عند أهل البوادي، وهم أصوله ومعدنه، واستفزاز هذا الشعر لهذا الشيخ قريب مما روي عن الأمين: " إني لأطرب على جيّد الشعر كما أطرب على حسن الغناء ".
قال: ومن غريب ما قيل في الصبح قول ذي الرمة:
وقد لاح للسّاري الذي كمَّل السُّرىعلى أُخرياتِ الليل فَتْقٌ مُشْهَّرُ
كلونِ الحصانِ الأنبطِ البطنِ قائماً ... تمايل عنه الجُلُّ واللونُ أشقر الانبط: الأبيض البطن، شبه بياضَ الصبح تحت حمرته ببياض بطن الفرس الأشقر؛ اخذه ابن المعتز فقال:
وما راعنا إلا الصباحُ كأنَّهُجلالُ قباطيٍ على فَرَسٍ وَرْدٍ ولغيره:
بدا والصبحُ تحت الليلِ بادٍكمهرٍ أشقرٍ مُرْخى الجلالِ ومن أغرب ما قيل فيه قول ابن المعتز:
وقد رفع الفجرُ الظلامَ كأنهظليمٌ على بَيْضٍ تكشَّفَ جانبه وله:
قد أغتدي والليل في جلبابِهْكالحبشيِّ فرَّ من أصحابه
والصبحُ قد كشَّرَ عن أنيابهكأنما يضحكُ من ذهابه ولأبي هلال:
باكرتها والخيرُ في بكوريوالصبحُ بالليلِ مَلُوثُ النور كما خَلَطْتَ المسكَ بالكافور ... وله:
وقد باشر الليلُ النهارَ كأنهبقيةُ كحلٍ في حماليق أزرقِ وله:
إلى أن طوينا الليلَ الا بقيةًيزلُّ ضياءُ الشمسِ عنها فيزلقُ
وجلَّلَ وجهَ الشرق بُرْدٌ ممسَّكٌوقابله للغرب بُرْدٌ مُمَشَّقُ
فلاح لنا من مشرق الشمس مغربٌوبان لنا من مغربِ الشمسِ مشرق
ومدَّ علينا الليلُ ثوباً منمقاًوأشعلَ فيه الفجر فهو يحرق
وصبَّحنا صبحٌ كأن ضياءَهُتعلَّم منا كيف يَبْهى وَيُشْرِق ابن المعتز:
والليل قد رقَّ وأصغى نجمُهُواستوفز الصبحُ ولما يَنْتَصِبْ
معترضاً بفجره في ليلهكفرسٍ دهماءَ بيضاء اللبب العلويّ الأصبهاني:
إلى أن تجلّى الصبحُ من خلل الدجى ... كما انخرط السيفُ اليماني من الغمدِ ابن المعتز في النجم يبدو في حمرة الفجر:
قد أغتدي على الجياد الضمَّرِوالصبحُ قد أسفرَ أو لم يسفر
حتى بدا في ثوبهِ المعصفرونجمه مثلُ السراج الأزهر كأنه غُرَّةُ مُهْرٍ أشقر ... الشمردل بن شريك:
ولاح ضوءُ الصبحِ فاستبيناكما رأيتَ المفرِقَ الدَّهينا التنوخي:
أسامرُهُ والليلُ أسودُ أزرقٌإلى أن جلا الإصباحُ عن أشقرٍ وَرْدِ
تبسَّمَ محمراً خلالَ سوادهتَبَسُّمَ وردِ الخدِّ في الصُّدُغِ الجعد ابن المعتز في الشفق:
ساروا وقد خضعت شمس الأصيل لهمحتى توقد في جنح الدجى الشفق وله في الصبح:
والصبحُ يتلو المشتري فكأنَّهُعريانُ يمشي في الدجى بسراجِ الصنوبري:
وليلةٍ كالرفْرَفِ المُعْلَممحفوفةِ الظلماءِ بالأنجمِ
تعلَّقَ الفجرُ بأرجائهاتعَلُّقَ الأشقرِ بالأدهم ابن المعتز:
لما تفرَّى أُفُقُ الضياءِمثلَ ابتسامِ الشفةِ اللمياءِ التنوخي:
كأنَّ سوادَ الليلِ، والفجرُ ضاحكٌيلوحُ ويخفى، أسودٌ يتبسَّمُ شاعر:
والفجرُ في روض الدجى جَدْولٌساحَ ليسقي زَهَرَ الأنجمِ
ابن بابك:
كَمْ صَحِبنا الظلامَ وهو غلامٌقد تبدَّى عذارُهُ المختَطُّ وسحبنا ذيولَهُ وكأنّ الصبح جَيْبٌ على الظلام يُعَطّ
ادرعناه والثريَّا وشاحٌوخلعنا سوادَهُ وهيَ قُرْطٌ السري الموصلي:
انظر إلى الليلِ كيف يَصْدَعُهُرايةُ صبحٍ مبيضّةُ العَذَبِ
كراهبٍ حنَّ للهوى طرباًفشقَّ جلبابَهُ من الطرب شاعر من أفريقية:
وكأنما الصبح المطلُّ على الدجىونجومُهُ المتأخراتُ تقوضا
نهرٌ تعرَّضَ في السماء وحولهأشجارُ وردٍ قد تفتَّحَ أبيضا الأمير تميم:
شربنا على نَوْحِ المطوقةِ الورقِوأرديهِ الروضِ المفوَّفَةِ البُلْقِ
معتقةً أفنى الزمانُ وجودَهَافجاءت كَفَوْتِ اللحظ أو رقَّةِ العشق
كأنَّ السحابَ الغُرَّ أصبحنَ أكؤساًلنا وكأنَّ الراحَ فيها سنا البرق
فبتنا نحثُّ الكاسَ فينا وإننالنشربها بالحثِّ صرفاً ونستسقي
إلى أن رأيت النجم وهو مغرّبٌوأقبلَ راياتُ الصباح من الشرق
كأنَّ سوادَ الليلِ والفجرُ طالعٌبقيةُ لَطْخِ الكحلِ في الأعينِ الزرق الأرَّجاني:
والليلُ سيف الفجرِ في فَرْقِهِيقتلُهُ والديكُ ينعاهُ
أبو العلاء المعري:
تخيَّلَتِ الصباحَ مَعينَ ماءٍفما صَدَقتْ ولا كَذَبَ العيانُ
فكاد الفجرُ تَشْرَبُهُ المطاياوَتُمْلأُ منه أَسقيةٌ شنَان ظافر الحداد:
وصبيحةٍ باكرتُها في فتيةٍأَضحَوْا لكلِّ نفيسةٍ كالأنسِ
والليلُ قد ولَّى بعبسةِ راحلٍوالصبحُ قد وافى ببشرِ مُعَرِّس
والفجرُ قد أخفى النجومَ كأنهسيلٌ يفيضُ على حديقةِ نرجس شرف الدين التيفاشي المصنف:
نَبِّهْ نديمَكَ إن الديكَ قد صخباوالليلُ قَوَّضَ من تخييمه الطُّنبا
والفجرُ في كبدِ الليلِ السقيم حكىسرَّ المتيم عن أجفانه غلبا
كأنه بظلام الليلِ ممتزجاًسمراءُ تفترُّ أبدتْ مبسماً شَنِبَا
كأنما الفجرُ زندٌ قادحٌ شرراًفي فحمة الليل لاقى الفحمَ والتهبا
كأن أولَ فجرٍ فارسٌ حُمِلَتْراياتُهُ البيضُ في إِثر الدجى فكبا
كأن ثانيَ فجرٍ غرةٌ وضحتْتسيلُ في وجهِ طِرْفٍ أدهمٍ وثبا أبو علي ابن رشيق:
كأنما الصبحُ الذي تَفَرَّى ... ضمَّ إلى الشرقِ النجومَ الزهرا فاختلطتْ فيه فصارتْ فجرا ... شاعر من العرب وأبدع فيه:
فأَدْبَرَ الليلُ مشمطّاً ذوائبه ... وأقبلَ الصبح موشيًّا أكارعُهُ جعل ذوائب الليل شمطاً ممازجة الصبح، وجعل أكارع الصبح موشيّة من ممازجة الليل، وجعل أخذ الليل من آخره وهو المتصل بأول الصبح، وأخْذَ الصبح من مقادمه وهو المتصل بآخر الليل، وأصاب في التشبيه كأنه أومأ إلى الصبح فجعله كالثور
الوحشي، والثيران الوحشية كلها بيض وأكارعها خاضبة موشية. وهو معنى لم يقع لغيره.
عبد الله بن محمد الازدي:
يا ربّ كاسِ مدامةٍ باكرتُهَاوالصبحُ يرشحُ من جبينِ المشرقِ
والليلُ يعثرُ بالكواكبِ كلّماطردته راياتُ الصباحِ المشرقِ ابن المعتز:
يا ربَّ ليلٍ سحرٌ كلُّهُمفتضَحُ البدرِ عليلُ النسيمْ
تلتقط الأنفاسُ بردَ النَّدىفيه فتهديه لحرِّ السموم أخذه من أبي تمام:
أيّامُنَا مصقولةٌ أطرافُهَابكَ والليالي كلُّها أسحارُ ابن الرومي:
كأنَّ نسيمها أرجُ الخزامىولاها بعد وسميٍّ وليُّ
بقيةُ شمألٍ هبَّتْ بليلٍلأفنانِ الغصونِ بها نجيّ
إذا أنفاسها نسمتْ سُحَيْراًتنفَّسَ كالشجيِّ بها الخليّ شاعر:
والفجرُ كالسيف الخفيّ الرونقِأو بدءِ شيبٍ في سوادِ مَفْرِقِ
والديكُ قد صاح بهذا المشرقفي سَدَفٍ مثلِ الرداءِ المخلق
حتى بدا في ثوبه الممزَّقكالكسرويّ بارزاً في يلمق
قاطع زِرَّيْ طوقِهِ المشقَّقأو ثمد من باردٍ مصفّق
صافٍ شعاعيِّ السنا معتقفي قريات بابلٍ أو جلق شاعر من أفريقية:
وكم ليلةٍ هانتْ عليَّ ذنوبهابما بات يرويني من الريقِ والخمرِ
أقبّلُ منه الوردَ في غير حينهوألثمُ بدرَ التمِّ في غَيْبَةِ البدر
إلى أن بدا نورُ التبلّجِ في الدجىكنورِ جبينٍ لاح في ظلمة الشعر ابن الرومي:
حيَّتك عنا شمالٌ طاف رَيّقُهابجنةٍ فَحَوَتْ رَوْحاً وريحانا
هبَّتْ سُحَيراً فناجى الغصنُ صاحبهُسرّاً بها وتداعى الطيرُ إعلانا
ورقٌ تغني على غُصْنٍ تهدِّلهُيسمو بها وتمسُّ الأرضَ أحيانا
تخال طائرها نشوانَ من طربٍوالغصنَ من هزّهِ عِطْفَيْهِ سكرانا شاعر:
جنَّةٌ من قَرْقَفٍ جَدْوَلُهَاوهديرُ الوُرْقِ منها في ارتفاعِ
لا تلمْ أغصانها إن سكرتْفهي ما بين شرابٍ وسماع آخر:
زارنا سحرةً نسيمٌ عليلٌمبطئُ الخطوِ طيِّبُ الأنفاسِ
فكأن السرى على البعدِ أعيا ... هُ وفي جفنه بقايا النعاس ثملٌ من سلافةِ الطلِّ في الزهر وناهيك حُسْنُها من كاس ... ابن الرومي:
وأنفاسٍ كأنفاسِ الخزامىقُبَيْلَ الصبحَ بلَّلها السماءُ
تنفّسَ نشرها سحراً فجاءتْبه سحرية المسرى رُخَاء
وفي الخبر أنه ﷺ كان يعجبه أن ينظر إلى الخضرة وإلى الحمام الأحمر؛ وفي حديث آخر: كان يعجبه النظر إلى الأترجّ وإلى الحمام والطير. والطير جماعة مؤنثة واحدها طائر. وجمع الطائر أطيار وطيور، وقيل جمع الطائر طوائر كفارس وفوارس. وجاء تذكير الطير وهو قليل والتأنيث أكثر وأفصح، وجاء في التنزيل العزيز (والطير محشورة) (والطير صافات) وأما في التذكير فعلى قول الشاعر:
لقد تركت فؤداك مستجنامطوقةٌ على فَنَنٍ تغنَّى
يميل بها ويرفعها بلحنٍإذا ما عنّض للمحزون أنّا
فلا يحزنكَ أيامٌ تولَّى ... تذكُّرها ولا طيرٌ أَرَنَّا وكلُّ طائر يهدل ويرجّع، كالقمري والفاختة والورشان واليمامة واليعقوب وما أشبه ذلك، فالعرب تسميه حماماً، والحمام عند العرب القماري والدباسي، وهي التي يصفون بكاءها في بلادهم. والفاختة جنس من القماريّ إلا أنه هجين لا عتق له.
جهم بن خلف:
تذكرتُ ليلى إذ رميتُ حمامةًوأنَّى بليلى والفؤادُ قريحُ
يمانية أمستْ بنجرانَ دارهاوانت عراقيٌّ هواكَ نزوح
فإن سجعتْ ورقاءُ في رونق الضحىعلى الأيكِ حمّاءُ العلاطِ صدوح
مطوقةٌ طوقاً من الريش لا ترىلنائحه طوقاً سواه يبوح
وأسْعَدْنَها بالنَّوْحِ من كلِّ جانبٍصواحبُ في أعلى الأراكِ تصيحُ
فهيَّجن صبًّا بالعراق مروعاًبصوتٍ يُعِلُّ القلبَ وهو صحيحُ
وكدتُ من الشوق المبرح إذ بكتْبأسرارِ ليلى في الفؤاد أبوح
عدي بن الرقاع:
ومما شجاني أنني كنت نائماًأُعَلَّلُ من فرطِ الجوى بالتبسمِ
إلى أن بكتْ ورقاءُ في رونق الضحىتردّد مبكاها بحسنِ الترنم
فلو قبل مبكاها بكيتُ صبابةًلسعدي شفيتُ النفسَ قبل التندم
ولكنْ بكتْ قبلي فهيحَ لي البكا ... بكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدم هذه رواية أهل المغرب، ورواية أهل المشرق هي قول الشاعر:
وقد كدت يوم الحزن لما ترنمتهتوف الضحى محزونةٌ بالترنّم
أموت لمبكاها أسىً ان لوعتيووجدي لسعدي قاتلٌ لي فاعلم
ولو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً ... البيتان........................... ذكر أن مجنون بني عامر نام تحت شجرة فغرد طائر فانتبه فقال:
لقد هتفتْ في جُنْحِ ليلٍ حمامةٌعلى فَنَنٍ تدعو وإني لنائمُ
فقلتُ اعتذاراً عند ذاك واننيلنفسي فيما قد رأيتُ للائم
أأزعم أني عاشقٌ ذو صبابةٍبليلي ولا أبكي وتبكي البهائم
كذبتُ وبيتِ الله لو كنتُ عاشقاًلما سبقتني بالبكاء الحمائم شقيق بن سليك:
ولم أبكِ حتى هيجتني حمامةٌتَغَنِّي الحمامِ الورقِ فاستخرجتْ وجدي
وقد هيجت مني حمامةُ أيكةٍمن الوجد شوقاً كنت أكتمه جهدي
تنادي هديلاً فوق أخضرَ ناعمٍلوقتِ ربيع باكرٍ في ثرىً جَعْدِ
فقلت تعاليْ نبكِ من ذكر ما خلاونذكرُ منه ما نسِرّ وما نبدي
فإن تسعديني نبكِ دمعتنا معاًوإلا فإني سوف أسفحها وحدي
قال أئمة النظم والنثر: هذا كله في باب المحبة ناقص، وأنقص منه قول جحدر الفقعسي:
وكنتُ قد اندملتُ فهاج شوقيبكاءُ حمامتين تَجَاوبانِ
تجاوبتا بلحنٍ أعجميّعلى غصنين من غَرَبٍ وبان
فكان البانُ أنْ بانت سليمى ... وفي الغَرَب اغترابٌ غير داني قالوا: فإذا سلا عمن يهواه ولم يبق في قلبه أثر من حبه يكون نوح الحمام أقوى سبب في رد قلبه إلى أحبابه، ولكن الذي قاله أبو صخر الهذلي قول لا يعاب قائله ولا من انتخبه وهو:
وليس المعنَّى بالذي لا يهيجهعلى الشوقِ إلا الهاتفاتُ السواجعُ
ولا بالذي إن صدَّ يوماً خليلهيقولُ ويبدي الصبرَ إني لجازع
ولكنه سُقْمُ الجوى ومطالهوموتُ الجفا ثم الشؤون الدوامع
رشاشاً وتهتاناً ووبلاً وديمةًكذلك يبدي ما تجنُّ الاضالع آخر:
ألا يا حماماتِ اللوى عُدْنَ عودةًفانّي إلى أصواتكنَّ حزينُ
فَعُدْنَ فلما عدن كِدْنَ يمتننيوكدتُ بأسراري لهنَّ أُبين
فلم ترَ عيني مثلَهُنَّ حمائماًبكين ولم تدمعْ لهنّ عيون آخر:
يا طائرين على غُصْنٍ أنا لكمامن أنصحِ الناسِ لا أَبغي به ثمنا
طِيرا إذا طرتما زوجاً فكأنمالا تعدمان إذا أفردتما حزنا
هذا أنا لا على غيري أدلكمافارقتُ إِلفي فما إِنْ أعرِفُ الوسنا
الهذلي:
ألا يا حمام الأيكِ إلفكَ حاضرٌوغُصْنُكِ ميادٌ ففيمَ تنوحُ
أفِقْ لا تنحْ من غيرِ شيءٍ فإننيبكيتُ زماناً والفؤادُ صحيح
ولوعاً فشطت غربةً دارُ زينبٍفها أنا أبكي والفؤادُ قريح آخر:
دعاني الهوى والشوقُ لما تَرَنَّمَتْعلى الأيكِ من بينِ الغصونِ طروبُ
تجاوبها ورقٌ أُرِعْنَ لصوتهافكلٌّ لكلٍّ مُسْعِدٌ ومجيبُ
ألا يا حمامَ الأيكِ مالكَ باكياًأَفارقْتَ إلفاً أم جفاكَ حبيب آخر:
أُلامُ على فيضِ الدموع واننيبفيضِ الدموع الجارياتِ جديرُ
أيبكي حمامُ الأيْكِ من فَقْد إلفهوأحبسُ دمعي، إنني لصبور آخر:
لقد هيَّجَتْ شوقاً وما كنتُ سالياًوما كنتُ لو رمتُ اصطباراً لأصبرا
حمائمُ وادٍ هِجْنَ من بعدِ هجعةٍحمائم ورقاً مسعداً أو معذرا
كأن حمامَ الواديين ودومةٍنوائحُ قامتْ في دجى الليل حُسّرا
محلاّة طوقٍ ليس يُخْشَى انفصامُهُإذا همَّ أن يبلى تبدَّلَ آخرا
دعتْ فوق ساقٍ دعوةً لو تناولتْ ... بها صخرَ أعلى يذبلِ لتحدَّرا قال مصنف " كتاب الزهرة ": هذه الأبيات من نفيس الكلام، ألا ترى إلى احترازه من أن يتوهم أن الحمام أعاد له الشوق بعد سلوته؟! ولقد أحسن القائل:
وقبليَ أبكى كلَّ من كان ذا هوىهتوفُ البواكي والديار البلاقعُ
وهنّ على الأطلال من كل جانبنوائحُ ما تخضلُّ منها المدامع
مزبرجةُ الأعناقِ نُمْرٌ ظهورُهَامخطَّمَةٌ بالدرِّ خضرٌ روائعُ
ومن قطع الياقوت صيغتْ عيونها ... خواضبُ بالحنّاء منها الأصابع قال عبد الله محمد بن المكرم مختار هذا الكتاب عفا الله عنه: ولقد عمل محيي الدين عبد الله بن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر كاتب الإنشاء بعد موت هذا المصنف في هذا المعنى شيئاً ظريفاً اخترتُ إيراده هنا وهو:
نسب الناسُ للحمامة شجواًوأَراها في الشجو ليستْ هنالكْ
خضبتْ كفَّها وكحَّلتِ العَيْنَوغنتْ وما الحزينُ كذلك حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامةٌدَعَتْ ساقَ حرٍّ ترحةً وترنّما
بكتْ شجوَ ثكلى قد أُصيبَ حميمهامخافةَ بينٍ يترك الحبلَ أجْذَما
فلم أرَ مثلي شاقه صوتُ مثلهاولا عربياً ساقه صوتُ أعجما آخر:
رويدك يا قمريُّ لستَ بمضمرٍمن الشوق إلا دونَ ما أنا مضمرُ
ليكفِكَ أن القلبَ منذ تنكرتْأُمامةُ عن معروفها متنكر
سقى الله أياماً خَلَتْ لأُمامةٍفلم يبقَ إلا عهدها والتذكر
لئن كانتِ الدنيا أتتْ باساءَةٍ ... لما أَحْسَنَتْ في سالفِ الدَّهرِ أكثر المنازي البندنيجي الشاعر، وبندنيج قصر بالرافقان بين بغداد وحلوان، وقد اجتاز بسوق باب الطاق ببغداد حيث يباع الطير، فسمع حمامة تلحن في قفص، فاشتراها وأرسلها وقال:
ناحتْ مطوقةٌ ببابِ الطاقِفجري سوابقُ دمعيَ المُهَراقِ
حنَّتْ إلى أرضِ الحجازِ بحرقةٍتُشْجي فؤادَ الهائم المشتاق
إن الحمائمَ لم تزلْ بحنينهاقدماً تبكي أعينَ العشاق
كانتْ تفرّخُ في الأراك وربماكانت تفرخُ في فروع الساق
تَعِسَ الفراق وَجُذَّ حبلُ وتينِهِوسقاه من سُمِّ الأوساد ساقي
ياوَيَحْهُ ما بالُهُ قمريةٌلم تدرِ ما بغدادُ في الآفاق
فأتى الفراقُ بها العراقَ فأصبحتْبعد الأراكِ تنوحُ في الأسواق
فشريتها لما سمعتُ حنينهاوعلى الحمامة عُدْتُ بالإطلاق
بي مثلُ ما بكِ يا حمامةُ فاسأليمن فكَّ أسرك أَنْ يحلَّ وثاقي أبو تمام:
أتصعصعتْ عبراتُ عينِكَ أن دَعَتْورقاءُ حين تصعصعَ الإظلامُ
لا تنشِجَنَّ لها فان بكاءهاضحكٌ وأن بكاءك استغرام
هنَّ الحَمامُ فإن كسرتَ عِيافَةًمن حائِهنَّ فإنهنّ حِمام ابن المعتز:
وبكيتُ من حَزَنٍ لنوحِ حمامةٍدعتِ الهديلِ فظلَّ غيرَ مجيبها
ناحتْ ونُحْنَا غيرَ أنّ بكاءَنَابعيوننا وبكاءَها بقلوبها محمد بن يزيد بن مسلمة:
أشاقك برقٌ أم شَجَتْكَ حمامةٌلها فَوْقَ أطراف الأراكِ رنيم
أَضافَ إليها الهمَّ فقدانُ آلفٍوليلٌ يسدُّ الخافقين بهيم
تداعت على ساقٍ بلَيْلٍ فرجَّعَتْوللوجد منها مُقْعِدٌ ومقيم
تميلُ إذا ما الغصنُ مادَتْ متونُهُكما مالَ من ريِّ المدام نديم
فباتت تناديه وأنى يجيبهامنوطٌ بأطراف الجناح رميم
أتيح له رامٍ بصفراءَ نبعةٍعلى عَجْسِهَا ماضي الشباةِ صميم
رماه فأصماها فطارتْ ولم تَطِرْفظلَّ لها ظلٌّ عليه تحوم
وظلَّتْ بأجراعِ الغوير نهارهامولهةً كلَّ المَرام تروم
قرينةُ إلفٍ لم تفارفه عن قِلَىًغَداةَ غدا يومٌ عليه مشوم
وراحتْ بهمٍّ لو تضمّنَ مثلهحشا آدميّ ما استطاع يريم
فللبرق ايماضٌ وللدمعِ واكفٌوللريح من نحو العراق نسيم
فطوراً أَشيمُ البرقَ أين مَصَاُبُهوطوراً إلى إعوال تلك أهيم
غناء يَروعُ المنصتينَ وتارةبكاء كما يبكي الحميم حميم
إذا ما استهلّتْ بالغناء تطلَّعَتْوأصغىَ لها طَبٌّ بذاك عليم
فمن دون ذا يشتاقُ من كان ذا هوىًويعزبُ عنه الحلمُ وهو حليم ومن ههنا أخذ المنازي قوله:
شجا قلبَ الخلي فقال غنَّىوبرَّح بالشجيِّ فقال ناحا شاعر:
وآلفةِ التغريدِ قاسمتها الهوىفكان عليها النوحُ والدمعُ من عندي
وعارضتها بالنوحِ حتى تَشَبِّهَتْبإلفي بلبسِ الطَّوقِ في موضع العقد سليمان بن حيان:
وهتوفٍ ورقاءَ أَرَّقَتِ العينَ وزادتْ خبلَ الفؤاد خبالا
ذاتُ طوقِ من الزبرجدِ يحكيصَفْوَ عيشٍ عنّا تولَّى فزالا
أيقظتني والصبحُ قد خالط الليلَكما خالط الصدودُ وصالا
وتراها كأنما خَضَبوهابدموعي أو خاضَتِ الجريالا المعتمد بن عباد وهو معتقل بأغمات:
بَكَتْ أَنْ رأتْ إِلفينِ ضَمَّهُمَا وَكْرُمساءً وقد أَخنى على إِلفها الدهرُ
وناحتْ وباحتْ فاستراحتْ بِسِرِّهاوما نطقتْ حرفاً يبوحُ به سر
فما ليَ لا أبكي أم القلبُ صخرةٌوكم صخرة في الأرض يجري بها نهر
بكتْ واحداً لم يشجها فَقْدُ غيرِهوأبكي لألآفٍ عديدهمُ كثر أحمد بن عبد ربه:
ويهتاجُ قلبي كلَّما كان ساكناًدعاءُ حمامٍ لم تَبتْ بُوكُونِ
وانّ ارتياحي من بكاءِ حمامةٍكذي شَجَنٍ داويتَهُ بشجون
كأن حمامَ الأَيْكِ لما تجاوبَتْحزينٌ بكى من رحمةٍ لحزين وللرمادي في الهزار:
وخرساءَ إلاّ في الربيع فإنهانظيرةُ قسٍّ في العصور الذواهبِ
اتت تمدحُ النوارَ فوقَ غصونهاكما يمدحُ العشاقُ حُسْنَ الحبائب
تبدِّل ألحاناً إذا قيل بدّليكما بَدَّلَتْ ضرباً اكفُّ الضوارب جدّ ابنِ قزمان:
ومما شجاني هاتفٌ يبعثُ الأَسىيهيّجُ من قلبي ومن خفقانِهِ
يكاد القضيبُ اللدنُ يعشقُ شَدْوَهُفيشغله بالمَيْسَ عن طيرانه عبد الكريم النهشلي:
أواجدةٌ وجدي حمائمُ أَيكةٍتميلُ بها ميلَ النزيف غصونُها
نشاوى وما مالَتْ بخمرٍ رقابُهَابواكٍ وما فاضتْ بدمع عيونها
أفيقي حمامات اللوى إنّ عندنالِشَجْوِكَ أَمثالاً يعودُ حنينها
وكلُّ غريبِ الدارِ يدعو همومَهُغرائبَ محسوداً عليها شجونها الحصري:
يا هل بكيتَ كما بَكَتْوُرْقُ الحمائمِ في الغصونِ
هتفتْ سُحَيْراً والربىللقطرِ رافعةُ العيونِ
فكأنَّما صاغَتْ علىشجوي شجى تلك اللحون
ذكَّرنني عهداً مضىللأُنْسِ منقطعَ القرين
فتصرَّمَتْ أيَّامُهُ ... وكأنها رَجْعُ الجفون قال عوف بن محلم الشيباني: عاد عبد الله بن طاهر إلى خراسان فدخلنا الريّ في السحر، فإذا قمرية تغرد، فقال عبد الله بن طاهر: أَحسنَ أبو كبير حيث يقول:
ألا يا حمامَ الأَيْكِ إلفكَ حاضرٌ ... وغصنُكَ ميّادُ ففيمَ تنوحُ ثم قال: يا عوف أجِزْ فقلت: أعزك الله، شيخ غريب حملته على البديهة، ولا سيما في معارضة أبي كبير، ثم قلت:
أفي كلِّ عامٍ غربةٌ ونزوحُأما للنوى من أَوْبَةٍ فتريحُ
لقد طلَّحَ البينُ المشتُّ أَحبتىفهل أَرَيَنَّ البينَ وهو طليح
وأرقَّني بالريِّ صوتُ حمامةٍفنحتُ وذو الشَّجْوِ الحزينُ ينوح
على أنها ناحت ولم تُذْرِ دمعةوَنُحْتُ وأسرابُ الدموعِ سفوح
وناحت وفرخاها بحيثُ تراهماومن دونِ أفراخي مهامهُ فيح
عسى جودُ عبدِ الله أن يعكسَ النوىفنلقي عصا التطوافِ وهي طريح
فإن الغنى يُدْنِي الفتى من صديقِهِوَبُعْدُ الغنى للمقترين طروح
فأذن لي من ساعتي، ووصلني بمائة ألف درهم، وردّني إلى منزلي.
حدث رجل من قريش قال: حججنا وعدنا، فأتينا في بعض المنازل امرأة في خبائها، فاستأذنا عليها، فقالت: يا هؤلاء أفيكم أحد من أهل البصرة؟ قلنا نعم، قالت: ههنا رجل لما به، يريد أن يوصي إلى بعضكم وتشهدوا وفاته، فقمنا إليه وإذا رجل مدنف، فكلمناه فنظر إلينا، وإذا طائر سقط على شجرة وصوَّت، فنظر إليه وبكى وأنشد:
يا بعيد الدار عن وطنهمفرداً يبكي على شَجَنِهْ
ولقد زاد الفؤاد شجىً ... هاتف يبكي على سكنه ثم أغمي عليه، فقلنا: قضى نحبه، ثم فتح عينيه والطائر يصوت على حاله فقال:
كلما جدَّ البكاءُ بهزادتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ
شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه ثم تنفس وأغمي عليه فظنناها كالأولى وإذا هو قد مات، فسألنا المرأة عنه فقالت: هذا العباس بن الأحنف، فغسلناه ودفناه.
قال يوسف بن هرون: بكرت إلى باب أبي المطرف بن مثنى بقرطبة، وهو أميرها فألفيت يحيى بن هذيل قد بكر قبلي، فقال لي: ما عندك؟ فقلت: ليس عندي كبير معنى، ولكن ما عندك أنت؟ فأخرج قصيدة منها:
وَمُرِنَّةٍ والدَّجْنُ ينسجُفوقهابُرْدَيْنِ من حَلَكِ ونوءٍ باكي
مالت عن طيِّ الجناح كأنماجعلتْ أريكَتَها قضيبَ أراك
وترنَّمتْ لحنين قد خلَّتهماكغناء مُسْمِعَةٍ وأنّهِ شاكي
ففقدتُ من نفسي لفرط صبابتي ... نَفَسَ الحياة وقلتُ من أبكاك فأنشدنيها وأنا أعدّ محاسنها، فلما أكملها قال: أنصرف إلى المكتب وتأدب حتى
تحكم مثل هذا، فحركني كلامه ولم يخرج أبو المطرف ذلك اليوم، فبكرت إليه وأنشدته:
أحمامةً فوق الأراكةِ بيّنيبحياةِ من أبكاك ما أبكاك
أما أنا فبكيتُ من حُرَقِ الهوى ... وفراقِ مَنْ أهوى، فأنت كذاك فلما سمعها ابن هذيل قال لي: عارضتني، قلت: لا إنما ناقضتك، فقال: اذهب فقد أخرجتك من المكتب.
عارض هاتين القصيدتين أبو مروان المعروف بالبلينة فقال:
أحمامةً بكتِ الهديلَ وانماطربت فغنتْ فوق غُصْنِ أَراكِ
معشوقة التثويبِ ذاتُ قلائدٍغَنِيَتْ جواهرُهَا عن الأسلاك
ناحتْ على فَنَنٍ وكلُّ شجٍ بكىيوماً بلا دمعٍ فليس بباكي
لو كنتِ صادقةً وكنتِ شجيّةًجادتْ دموعُكِ حين جدَّ بكاك علي بن حصن كاتب المعتضد:
وما هاجني إلا ابن ورقاءَ هاتفٌعلى فَنَنٍ بين الجزيرة والنهرِ
مُفَسْتَقُ طوقٍ لازورديُّ كَلْكَلٍموشَّى الطلا أَحْوى القوادمِ والظهر
أَدار على الياقوتِ أجفانَ فضةٍوصاغ من العقيان طوقاً من الشفر
حديدُ شبا المنقار داجٍ كأنهشبا قلمٍ من فضّةٍ مُدَّ في حبر
توسَّدَ من فرع الأراكِ أَريكةًومال على طيِّ الجناح مع النحر
ولما رأى دمعي تُؤاماً أَرابَهُبكائيَ فاستولى على الغُصُنِ النضر
وحثَّ جناحيه وَصَفَّقَ طائراًوطار بقلبي حيثُ طار ولا أدري
كشاجم يرقي قمريّاً:
وَفُجِعْتُ بالقمرىِّ فجعةَ ثاكلٍوفقدتُ منه أَمتعَ السمَّارِ
لونُ الغمامةِ والغمامةُ لونُهُومناسبُ الأقلامِ بالمنقار
ومطوّق من صُنْعِ خِلْقَةِ ربهطَوْقَيْنِ خلتُهُمَا من النوار
ولطالما استغنيتُ في غلس الدجىبهديله عن مُطْربِ الأوتار
مرح الأصائلِ يستحثُّ كؤوسناويقيمنا للفرضِ في الأسحار
لهفي على القمريِّ يبقى دائماًيكوي الحشا بجوىً كلذعِ النار
ولقد هجرتُ الصبرَ بعد فراقهولقد مزجتُ دماً بدمع جاري
ما كنت في الأطيار إلا واحداًهيهات أودى سيّدُ الأطيار في وصف الحمام:
سجعت هاتفةُ الوُرْق عناها شَحْطُ بينِ
ذاتُ طوقٍ مثلِ خط النون أَقْنى الطرفين
وترى ناظرها يلمعُ في ياقوتتين
تخرجُ الأنفاسُ من ثقبين كاللؤلؤتين أبو إسحاق الصابى في الببغا:
أنْعِتُهما صبيحةً مليحهْناطقةً باللغةِ الفصيحه
عُدَّتْ من الأطيار واللسانُيوهمنا بأَنها إنسان
تُنْهي إلى صاحبها الأَخباراوتهتكُ الأَسرارَ والأستارا
صمَّاءُ إلا أنها سميعهتعيدُ ما تسمعُهُ طبيعه
وربما لُقّنتِ العضيههفتغتدي بذيَّةً سفيهه
زارَتْكَ من بلادها البعيدهْواستوطنت عندكَ كالقعيده
ضيفٌ قِراهُ الجوزُ والأَرُزّوالضيفُ في أَبياتها يُعَزّ
تراه في منقارها الخلوقيكلؤلؤٍ يُلْقَطُ بالعقيق
تنظرُ من عينين كالفصّينفي النور والظلماء بصاصين
تميسُ في حلّتها الخضراءِمثلَ الفتاةِ الغادةِ العذراء
خريدةٌ خدورها الأَقفاصُليس لها من حبسها خلاص
نحبسها وما لها من ذنبِوإنما نحبسها للحبّ
تلك التي قلبي بها مشغوفُكَنَيْتُ عنها واسمها معروف عبد الواحد بن فتوح الوراق في الحمام الداجن:
يجتابُ أَوديَةَ السحابِ بخافقٍكالبرق أومضَ في السحاب فأبرقا
لو سابقَ الريحَ الجنوبَ لغايةيوماً لجاءك مثلها أو أسبقا
يستقربُ الأرض البسيطة مذهباًوالأفْقَ والسُّقُفَ الرفيعة مرتقى
ويظلّ يسترقُ السماعَ مخافةًفي الجوِّ يحسبه الشهابَ المحرقا
يبدو فيعجبُ من رآه لحسنهوتكادُ آيةُ عِتْقِهِ أن تنطقا
مترترقٌ من حيثُ دُرْتَ كأنمالبسَ الزجاجةَ أو تجلبَبَ زئبقا أبو العلاء المعري في الخطاف:
ولابسةٍ من حِنْدسِ الليلِ ظُلمةًمُفَرجَةً عن صدرها تشبهُ القبا
برأسٍ يحاكي شاهَ بلوطَ أعجمتُغَني بصوتٍ معجم ليس معربا
لها ذنب كالتاجرين وخنجراجناحين قد قدا بها يَجرح الصبا
لقد أتقنَ الصباغُ جَرْيَ سوادهاوقد طوَّسوا منها قذالاً ومنكبا
تراها إذا ما أقبلَ الصبحُ ضاحكاًوولَّى الدجى عنها هزيماً مقطبا
تسقسق لا أدري أخزناً على الدجىوإمّا إلى ضوءِ الصّباح تطرُّبا
إذا أَقبلتْ في دارِ قومٍ تباشرواوقالوا لها أهلاً وسهلاً ومرحبا
الصابي:
وهنديةِ الأَوطانِ زنجيّةِ الخلقْومسودةِ الأَلوانِ محمّرةِ الحَدَقْ
كأن بها حزناً وقد لبست لهحداداً وأذرت من مدامعها عَلَقْ
تصيفُ إلينا ثم تشتو بأرضهاوفي كلِّ عامٍ نلتقي ثم نفترق أبو الشيص في الهدهد:
لا تأمِنَنَّ على سرّي وَسِرِّكمُغيري وغيرَكِ أو طيَّ القراطيسِ
أو طائراً ساجليه وابعثيه لناما زال صاحبَ تبيينٍ وتأسيس
سودٌ ترائبه ميلٌ ذوائبهصفرٌ حماليقُهُ في الحبر مغموس
وكان همَّ سليمانٌ ليذبَحَهُ ... لولا سياسَتُهُ في مُلْكِ بلقيس روى ابن عباس أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: من الدوابّ أربع لا يقتلن: النحلة والنملة والصرد والهدهد.
ومن أعاجيب الخفاش أنه طائر، وهو مع أنه طائر من عرض الطير، شديد الطيران كثير التكفي في الهواء سريع التقلب فيه، ولا يجوز أن يكون طعمه إلا من البعوض وقوتُهُ إلا من الفراش وأشباه الفراش، ثم لا يصيده إلا في وقت طيرانه في الهواء في وقت سلطانه، لأن البعوض إنما يتسلط بالليل فلا يجوز أن يبلغ ذلك إلا بسرعة اختطاف واختلاس، وشدة طيران ولين اعطاف، وحسن تأت ورفق بالصيد. وهو ليس بذي ريش وإنما هو لحم وجلد، وطيرانه بلا ريش عجب.
ومن أعاجيبه أنه لا يطير في نور ولا ظلمة، وهو قليل شعاع العين، ولذلك لا يظهر في الظلمة لأنها تكون غامرة لضياء بصره، غالبة لمقدار شعاع ناظرة، ولا يظهر نهارا لأن ضعف ناظرة يلمع في شدة بياض النهار، ولأن الشيء المتلألئ ضارّ لعيون من يوصف بحدَّة البصر، ولأن شعاع الشمس لمخالفة مخرج أصوله ومذاهبه يكون
رادعا لشعاع ناظره ومفرقاً له، فهو لا يبصر ليلاً ولا نهاراً، فلما علم ذلك واحتاج إلى الكسب والطعم التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون قاهراً غالباً ولا من الضياء ما يكون معشياً مانعاً، والتمس ذلك في وقت غروب الشمس وبقية الشفق، لأنه وقت هيج البعوض، وهو وقت ارتفاعها في الهواء وانتشارها وطلب أرزاقها. فالبعوض يخرج للطعم وطعمه دماء الحيوان، والخفافيش تخرج للطعم، فيقع طالب رزق على طالب رزق.
وزعموا أن السُّكَّ الآذان والممسوحة من جميع الحيوان أنها تبيض بيضاً، وكل أشرف الآذان يلد ولا يبيض، ولا يدرى علة ذلك. ولآذان الخفافيش حجم ظاهر، وهي وإن كانت من الطير فإن هذا لها، وهي تحبل وتلد وتحيض وترضع. وزعم صاحب المنطق إن ذوات الأربع كلها تحيض على اختلاف في القلة والكثرة والزمان والخضرة والصفرة والغلظ والرقة، وليس في سائر الطير ما يحيض ولا يبيض إلا الخفافيش. وبلغ من ضن أنثى الخفافيش بولدها وخوفها عليه أنها تحمله تحت جناحها. وربما قبضت عليه بفيها قبضاً رفيقاً، وربما أرضعته وهي تطير، وتقوى من ذلك ويقوى ولدها على ما لا يقوى عليه الحمام وسباع الطير. وربما أتأمتِ الخفاش فتحمل معها الولدين جميعاً، فإن عظما عاقبت بينهما.
ومن أعاجيب الخفاش أنه من الطير وليس له منقار مخروط، وله فم فيما بين مناسر السباع وأفواه البوم. وفيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك إلى أصول الفك إلا ما كان في نفس الخطم، وقد عرفت ذرب أسنانها فإذا عضت على الفرخ جعلته أزماً لا عضّاً.
ومن أعاجيبها تركُها البراري والقفار وقصدها منازل الناس وأرفع مكان وأحصنه من البيوت فتوطنه، وأنها على ضؤولة جسمها طويلة العمر حتى تجوز حدَّ العقاب والورشان إلى النسر، وتجوز حدَّ الفيلة والأُسْدِ وحمير الوحش إلى أعمار الحيّات، وأن أبصارها تصلح على طول العمر فيقال أن التي يَطِرْنَ في القمر من
المسنّات المعمّرات، وإن أولادهنّ إذا بلغن لم تقو أبصارهن على ضياء النور، وأنها تصبر على فقد الطعام، وأنها تضخم وتجسم وتقبل اللحم على الكبر والسن.
والنساء وأشباه النساء يزعمون أن الخفاش إذا عضَّ إنساناً فلا يدع سنَّهُ من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحش. قال: فما أنسى فزعي من مسِّ الخفافيش ووحشتي من قربها إلى أن بلغت.
والذي لا يبصر بالليل من الناس تسميه الفرس " شبكور " وتأويله " أعمى ليل "، وليس له في لغة العرب اسم أكثر من أنه يقال للذي لا يبصر بالليل من الناس " به هُدَبْدٌ "، وأما الأغطش فإنه السّيئ البصر بالليل والنهار، وإذا كانت المرأة رديئة البصر بالنهار قيل لها جَهْراء، وقيل: الجهراء التي لا تبصر في الشمس.
وقالوا السحاة - مقصور - اسم الخفاش والجمع سِحَاء. وأنشدوا لغزاً في الخفاش:
أَبى شعراءُ الناسِ لا يخبروننيوقد ذهبوا في الشعرِ في كلِّ مذهبِ
بجلدةِ إنسانٍ وصورةِ طائرٍ ... وأظفارِ يربوعٍ وأنيابِ ثعلب وعن عبد الله بن عمر أنه قال: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقهنَّ تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه إذا خرب بيت المقدس قال: يا ربِّ سلطني على البحر حتى أُغرقهم. وفي رواية: لا تقتلوا الخفاش فإنه استأذن البحر أن يأخذ من مائه فيطفئَ بيت المقدس حين حرق. وروي عنه ﷺ أنه نهى عن قتل الوطواط وأمر بقتل الأوزاغ.
والخفاش يأتي الرمانة في شجرتها فينقب عنها فيأكل كلَّ شيء فيها حتى لا يدع إلا القشر وحده، فهم يحفظون الرمان من الخفافيش بكل حيلة. ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصقور ولكثير من جوارح الطير، وتسمن عليها وتصحُّ أبدانها، ولها في ذلك عمل بيّن الأثر.
العسكري في الخطاف:
وزائرةٍ في كلِّ عام تزورنافيخبرُ عن طيبِ الزمان مَزَارُها
تخبّرُ أنّ الجوَّ رقَّ قميصُهُوأنَّ الرياضَ قد توشَّى إزارها
وإن وجوه الغُدْرِ راقَ بياضهاوإن وجوه الأرضِ راعَ اخضرارها
تحنُّ إلينا وهي من غيرِ شكلنافتدنو على بُعْدٍ من الشكلِ دارها
أغارَ على ضوءِ الصباح قميصُهَاوفات بألوانِ الليالي خمارها
تصيحُ كما صَرَّتْ نعالُ عرائسٍتَمَشَّتْ إلينا هندها ونوارها عاد الحديث إلى الحمام:
العرب تقول: إن نوحاً أرسل الغراب والحمام من السفينة لما استقرت على الجوديّ، فلم يرجع الغراب فدعا عليه، ورجعت الحمامة فدعا لها، فتزينت بالطوق عن سائر الطير.
قال جهم بن خلف:
وقد شاقني نوحُ قمريّةٍطروبُ العشيّ هتوفُ الضحى
مطوقة كُسِيَتْ زينةًبدعوة نوح لها إِذ دعا
فلم أَرَ باكيةً مثلهاتَبَكَّى ودمعتُهَا لا تُرَى عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵄:
ولم أَر مثلي طلَّقَ اليوم مثلَهاولا مثلَها في غير جُرْمٍ تُطَلَّقُ
أعاتكَ لا أنساكِ ما هبَّتِ الصبا ... وما ناح قمريُّ الحمامِ المطوَّقُ ومن " كتاب الطير " للجاحظ قال: كل طائرٍ يعرف بالصوت الحَسَن والدعاء والهديل والترجيع فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضاً في بعض الصور واللون والقد ولحن الهديل، كما تختلف الإبل والبقر والمعز والدجاج في أنواعها وأشكالها،
ولا يخرجها ذلك عن أن تكون إبلاً أو بقراً أو معزاً أو دجاجاً. والقمريّ والفاختة والورشان والشفنين واليمام واليعقوب وضروب أُخر كلّها حمام؛ وزعم أفليمون صاحب الفراسة أن الحمام تتخذ لضروب: منها ما يتخذ للأُنس، ومنها ما يتخذ للفراخ. ومنها ما يتخذ للطيران والتلهي بذلك، ومنها ما يتخذ للزجال والسباق. ومن مناقب الحمام حُبُّه للناس وأُنس الناس به، وهو أن جميع طبقات الأمم تحبه وتتخده.
ثم ذكر قَمْطَ الحمام فقال: يبتدئ الذكر بالدعاء والطّرد، وتبتدئ الأنثى بالتأني والاستدعاء، ثم تزيف وتتشكَّل، ثم تمكّن وتمنَع، وتجيب وتصدف بوجهها، ثم يتعاشقان ويتطاوعان، ويحدث لهما من التغزل والتفتل والمص والرشف والتنفج والخيلاء والكبرياء ومن إعطاء التقبيل حقه كله وإدخال الفم في جوف الفم، وذلك هو التطاعم، هذا مع إرسالها جناحيها وكتفيها على الأرض، وهو مع تدريجها وتنقيلها ومع تنفجه وتنفخه مع ما يعتريه من الحكة والتفلّي والتنفش، ثم الذي يرى من كسحه بذنبه، وارتفاعه بصدره، وضربه بجناحه، وفرحه ومرحه بعد قمطه والفراغ من شهوته، ثم إنه يعتريه ذلك في الوقت الذي يفترُ فيه أنشطُ الناس، وتلك خصلة يفوق بها جميع الحيوان من الإنسان فمن دونه.
ومن عجيب فطن الحمام أنه في كل حين يقلب بيضه حتى يصير ما كان يلي الأرض منه يلي بدن الحمام من بطنه وباطن جناحيه، حتى يعطي جميع البيضة نصيبها من الحضن. ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى، وإنما يحضن الذكر في صدر النهار يسيراً، كالمرأة التي تكفل الصبي فتقمطه وتمرّخه وتتعاهده بالتمهيد والتحريك، حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض فراخاً وصار في البيت عيال وما يحتاجون إليه من الطعام والشراب صار أكثر ساعات الزق على الذكر، كما أن أكثر ساعات الحضن على الأنثى.
النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع