من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)
الباب الثالث: فى الاصطباح ومدحه وذم شرب الليل وايقاظ النديم للاصطباح
لما كانت محاسن الأشجار، وما تشتمل عليه من الأزهار، وما يتخللها من الجداول والأنهار، إنما تظهر للأبصار بالنهار. وكان في ضيائه أُنس القلوب وتنفيس الكروب، وانتشار الحرارة الغريزية في الأبدان، ونزهة العيون في محاسن الألوان، كان الشرب فيه تجاه الرياض المشرقة، وتحت ظلال البساتين المونقة، وعلى حافات البرك والأنهار المتدفقة، ألذَّ من الشرب في الليل الحائل بين الناظر وبين إدراك حُسن المناظر إلا أن ذلك مقصور على فصل الربيع لتزيُّن الأرض بأنواع الزخارف، ولما تلبسه من خُضْر المطارف، حتى تُبْدي لمبصرها من أزهارها ما هو أبهى من الجوهر، ويهدي أَرَجُهَا ما هو أطيب من المسك الأذفر، ففي هذا الفصل خاصة ينبغي لمن أَلانت له الدنيا أعطافَهَا، ومهَّدت له أكنافها، وأدرَّت عليه النعم أخلافَها، أن يغتنم صبوحه قبل الشروق، ويواصل قائلته بالغبوق. فأما العرب ومن هو في طبقتهم فإنما آثروا الصبوح فراراً من العواذل على الخلاعة، ليسبقوا من يعذلهم قبل أن يغدو عليهم، لأن من شأن العواذل أن يُبكروا على من يريدون عَذْله على الشرب في أمسه، لأن ذلك وقت صحوةٍ وإفاقة، فاستعملوا الاصطباح ليسابقوا عذالهم بمباكرة صبوحهم، قال عدي بن زيد:
بكَرَ العاذلونَ في وَضَحِ الصُّبحِ يقولون لي أَلا تستفيقُ
وقال طرفة بن العبد:
ولولا ثلاثٌ هنَّ من لذَّةِ الفتىوجدّك لم أحفلْ متى قام عُوَّدي
فمنهنَّ سبقُ العاذلاتِ بشربةٍ ... كُمَيْتٍ متى ما تُعَلَ بالماءِ تُزْبِدِ ولابن المعتز أُرجوزةٌ في مدح الصَّبوح وتفضيله على الغبوق، ناقض فيها نفسه في ارجوزته في مدح الغبوق وتفضيله على الصبوح، ومناقضة الشاعر نفسه في أي معنى من المعاني كان، ضرب من البدبع يسمى " المغايرة "، وهو يدل على جودة الطبع وصفاء القريحة وغزارة المعاني وتوسّع الألفاظ:
لي صاحبٌ أَمَلَّني وزادافي تركيَ الصبوحَ ثم عادا
قال ألا تشربُ في النهاروفي ضياء الصبح والأَسحار
إذا وشى بالليل صبح فافتضحوذكر الطائرُ شدواً فصدح
أما ترى البستانَ كيف نوَّراونشرَ المنثورُ بُرْداً أصفرا
وضحك الوردُ إلى الشقائقِواعتنق الزهرُ اعتناقَ وامق
قل لي أهذا حَسَنٌ بالليلويليَ مما تشتهي وعولى
بتْ عندنا حتى إذا الصبحُ سَفَرْكأنه جدولُ ماءٍ انفجر
قمنا إلى زادٍ لنا مُعَدِّوقهوةٍ صَرَّاعةٍ للجَلْدِ
كأنما حبابها المنثورُكواكبٌ في فَلَكٍ تدور
ومُسمْعٍ يلعبُ بالأوتارأَرَقَّ من نائحةِ القماري عبد الصمد بن بابك:
يا صاحبيَّ قضيبُ البانِ ريَّانُوالبدرُ ملتحفٌ والصبحُ عريانُ
والنرجسُ الغضُّ ساهٍ والنسيمُ نَدٍوالطلُّ في طُرَرِ الريحان حيران
فغالبا نَفَسي بالراح واختلساعَقْلي فقد نفح النسرينُ والبان
واستوطنا وطني، واستدعيا طَرَبيقبلَ الشروقِ فللأطراب أَحيان
وعرِّضا بهوى سُعْدَى فلي ولهاوللزجاجة إن عَرَّضْتُما شان أبو عمر الزعفراني:
وليلٍ دعاني فَجْرُهُ فأَجبتُهُبمجلسِ طَلْقِ الوجهِ سَهْلِ التخلُّقِ
إذا شئتُ خضنا في حديثٍ منمنموإن شئتُ عمنا في رحيقٍ معتَّق
يردُّ شبابي وهو منِّيَ شاسعٌويدني التصابي بعد ما شاب مفرقي أبو بكر الخالدي:
هو الفجر قابلنا بابتسامِليصرفَ عنّا عبوسَ الظلامِ
ولاحَ فحلَّلَ كأسَ الشمولِصرفاً وحرّمَ كأسَ المنام
ظللنا على شمِّ وردِ الخدودومسكِ النحورِ ونقلِ اللثام
نعينُ الصباحَ على كَشْفِهِقناعَ الظلامِ بضوء المدام أبو الحسن الجوهرى:
ياسقيطَ الندى على الأُقحوانِشأْنَكَ اليوم في الصَّبوح وشاني
أنت أذكرتني دموعي وقد صوَّبن بين العتاب والهجران
إنْ يكنْ للخليع فيكَ أوانٌلتقضّي المنى فهذا أَواني
سَحَرٌ مُدْنَفٌ وجوٌّ عليلٌوصباحٌ يميلُ كالنشوان كشاجم:
هذا الصباحُ فما الذيبِصَبُوح صُبْحِكَ تَنْتَظِرْ
خذْ من زمانك ما صفاودعِ الذي فيه الكدر
فالعمرُ أَقصرُ من معاتبة الزمانِ على الغِيَرْ وله:
إذا ما اصطبحتُ وعندي الكِبابُوكان الطُّباهجُ في جانبي
وكانت رياحينُنا غَضَّةًوصفراءُ من صَنْعَةِ الراهب
فليس الخليفةُ في مُلْكهبأنعمَ منّي ومن صاحبي ابن شراعة:
قد عُزِلَ الليلُ على رغمهوقد أَتتنا دولةُ الصّبحِ
فانهضْ إلى الراح فقفلُ الأَسىما لم تُدرْهَا عَسِرُ الفتح
واربحْ على دهرك في شربهافلذةُ العاقلِ في الربح شاعر:
طاب شربُ الرَّاحِ مصطبحالا تدعْ من كفِّكَ القدحا
إنّما عمرُ الفتى فَرَحٌفاغتنمْ من دهرِك الفرحا آخر:
باكرِ الراحَ ودعنيمن حماقاتِ النَّصيحِ
ما رأينا قطّ أَنقىلهمومٍ من صبوح من قانون الأدب:
جنانٌ إذا لاح الصباحُ تنسمتْبنشر شذا تُثني عليه بآلاءِ
وأشبهتِ الأسحارَ طيباً ظلالُهافجال خيالُ الغصنِ في مقلة الماء ابن المعتز:
ياربَّ صاحبِ حانةٍ نبهتُهُوالليلُ قد كحل الورى برقادِ
في ساعةٍ فيها الجفونُ سواكنٌقد شِمْنَ أعينهنَّ في الأغماد
فأتى بها كالنارِ تأكل كفَّهُبشعاعها من شدةِ الإيقاد ابن وكيع:
ضحك الفجرُ ساخراً بالظلامِحين فُلَّتْ جيوشُهُ بانهزامِ
لاح في الحندسِ البهيم يحاكيملكَ الروم بين أبناءِ حام
فدعِ اللومَ واسقنيها كُمَيْتاًسَبَكَتْ تبرَها يدُ الأيام شاعر:
ومغرمٍ باصطباح الراح باكرهافي فتيةٍ باصطباح الراحِ حُذَّاق
فكلّ شيءٍ رآه ظنَّه قدحاًوكلّ شخص رآه ظنَّه الساقي آخر:
ألا سقِّياني قبلَ أنْ نتفرَّقاوهاتِ فسقّيني
فقد كاد ضوءُ الصبحِ أن يفضحَ الدجىوكادَ قميصُ الليلُ أن يتمزّقا الصوفي:
عاقر عُقَارَكَ واصطبحواقدحْ سرورك بالقدحْ
واخلعْ عذارك في الهوىوأَرِحْ عذولَكَ واسترح
وافرحْ بيومِكَ إنماعُمْرُ الفتى يومُ الفرح ابن حمديس:
قمْ هاكها من كفِّ ذاتِ الوشاحْفقد نعى الليلَ نسيمُ الصباحْ
وباكر اللذات واركبْ لهاسوابقَ الليلِ ذوات المراح
من قبل ان ترشفَ شمسُ الضحىريقَ الغوادي من ثغور الاقاح شاعر:
أديراهاعلى الزهر المندَّىفحكمُ الصبح في الظلماءِ ماضي
وما غربت نجومُ الأفقِ لكنْنُقِلْنَ من السماءِ إلى الرياض
آخر:
قل لصريعِ الكاسِ قُمْ نصطبحْفالراحُ تحيي كلَّ مخمورِ
ما أنت في نَوْمِكَ يا مالكيوقد أتى الصبحُ بمعذور
لا سيّما والشمسُ قد قابلتْبدرَ الدجى والأفقَ بالنور
كأنما تلك وهذا معاجامانِ من تبرٍ وبلور ابن المعتز:
قم فاسقني والظلامُ منهزمُوالصبحُ بادٍ في كفِّه عَلَمُ
والطيرُ قد صَفَّرَتْ فأفصحتِ الألحانُ منها وكلُّها عُجُمُ
وميَّلتْ رأسها الثريا بأسرار إلى الغرب وهي تحتشمُ
في الشرقِ كاسٌ وفي مغاربهاقُرْطٌ وفي أَوسطِ السما قدم وله:
قمْ فاسقني قد تبلج الفَلَقُمن قهوةٍ في الزجاج تأتلقُ
كأننا والمدامُ دائرةٌ ... نشربُ ناراً وليس نحترق ولما صنع ابن المعتز أرجوزته في ذم الصبوح: " على الصبوح لعنة الرحمن " - وقد تقدمت - كتب إليه النميري يعيبُ عليه ذم الصمبوح والامتناع منه، وكان هو مشهوراً بذلك:
قبَّح الله شربَ كلِّ نبيذٍيُتَوَخَّى في وقتِ شُرْبِ التجارِ
إنما يشربُ الملوكُ مع الفجروفي الروح قبل نصفِ النهار
قد تأذَّتْ منا الشياطينُوالجنّ جميعاً وصالحُ العمار
ودعوا ربَّهم علينا وقدأمَّنَ أيضاً غلمانُ هذي الديار
حيث نحيي ليلَ التمام إلىالصبح ونهدا في ساعةِ الانتشار
أبو نواس:
نَبِّهْ نديمك قد نَعسْيسقيك كاساً في الغَلَسْ
صرفاً كأنَّ شعاعهافي كفِّ شاربها قبس
مما تخيَّر كرمهاكسرى بعانةَ واغترس
تَذَرُ الفتى وكأنمابلسانه منها خَرَسْ
يدعى ليرفعَ رأسهفإذا استقلَّ به نكس ابن وكيع:
غَرَّدَ الطيرُ فنبهْ مَنْ نَعَسْوأَدِرْ كأسك فالعيشُ خُلَسْ
سُلَّ سيفُ الفجرِ من غمد الدجىوتعرَّى الصبحُ من قُمْصِ الغلس
وبدا في حُلَلٍ فضيّةٍنالها من ظلمةِ الليل دنس
فاسقني من قهوةٍ مسكيَّةٍفي رياضٍ عنبرياتِ النفس
فراغ
النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع