من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)
الباب الثاني: فى أوصاف الليل وطوله وقصره واستطابته والاغتباق ومدحه وذم الاصطباح
في التنزيل العزيز (ومن شرِّ غاسقٍ إذا وَقَبَ) غسقا الليل شدة ظلمته. ووقب أي دخل.
وقال العسكري: من أتم أوصاف الظلمة الذي في كلام البشر مثله قوله ﷿: (أو كَظُلْماتٍ في بَحْرٍ لُجَيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظلماتٌ بعضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذا أَخْرَجَ يَدَهُ لم يكَدْ يرَاهَا).
وقال النبي ﷺ: " جَنِّبوا صبيانكم فَحْمةَ العِشاء ". وفحمة الليل اشتداد ظلمته.
ومن أسماء الليل: الدَّجْنُ والدُّجى والدجنَّة والكافر، سمي كافراً لأنه يستر الأشخاص، والكَفْر - بفتح الكاف - الستر، ومنه اشتق اسم الكافر لأنه يجحد نعمة الله ﷿ ويسترها، والكُفُورُ: القرى النائية عن حواضر المدن لأن ساكنها يغيب عن جمهور الناس ويستتر عنهم، وفي الحديث: " لا تسكنوا الكفور، فإن ساكني الكفور كساكني القبور ".
وقال الأصمعي: كل ظلماء من الليل حِنْدِسٌ، والليلة الليلاء: الشديدة الظلمة، وكذلك الليل الأليلُ؛ وعسعس الليل: اشتدت ظلمته، وكذلك اكفهرّ وادلهمّ، وليل مكفهر ومدلهم وغيهب وغهيب، كل ذلك شديد السواد.
سأل هشام بن عبد الملك خالد بن صفوان: كيف كان سيرك؟ فقال: قتل أرضاً عالمها، وقتلت أرض جاهلها، بينا أنا أسير ذات ليلة إذ عصفت ريح شديد ظلماؤها. أطبق سماؤها، وطبَّق سحابها، وتعلّق ربابها، فبقيت مُحْرَنْجماً كالأشقر إن تقدَّم نُحِرَ، وإن تأخر عُقِرَ، لا أسمع لواطئٍ همساً، ولا لنابح جرساً؛ تدلّت عليَّ غيومها، وتوارت عنى نجومها، فلا أهتدي بنجمٍ طالع، ولا بعَلَمٍ لامع، أقطع مَحَجَّةً، وأهبط لُجَّةً، في ديمومةٍ قفر، بعيدة القعر، فالريح تخطفني، والشوك يخبطني، في ريحٍ عاصف، وبرق خاطف، قد أوحشني إِكامها، وقطعني سلامها؛ فبينا أنا كذلك قد ضاقت عليَّ معارجي، وسُدَّتْ مخارجي، إذ بدا نجمٌ لائح، وبياضٌ واضح. وعرجتُ إلى آكام محزئلّة فإذا أنا بمصانعكم هذه، فقرَّت العين، وانكشفَ الرَّيْنُ.
فقال هشام: لله درك، ما أحسنَ وصفك.
ومن أحسن ما جاء في الليل قول ذي الرمة:
وليلٍ كجلبابِ العروسِ ادَّرعتهبأربعةٍ والشخصُ في العين واحدُ أخذه ابن المعتز فقال:
وليل كجلبابِ الشَّبابِ.قال العسكري: جلباب العروس أطرب من جلباب الشباب
وقال العلوي:
وربَّ ليلٍ باتت عساكرُهُتحملُ في الجوِّ سودَ راياتِ
لامعةً فوقها أسنَّتُهَامثلَ الأزاهيرِ وَسْطَ روضات
ومن أحسن الاستعارات في الليل قول عبد الصمد بن المعذّل:
أقولُ وجنحُ الدجى مُلْبَدُولليلِ في كلِّ فجٍّ يدُ
ونحنُ ضجيعانِ في مجسدٍفلله ما ضُمِّنَ المجسد
أيا ليلة الوصل لا تنفديكما ليلةُ الهجرِ لا تنفد
ويا غدُ إن كنتَ لي راحماً ... فلا تدنُ من ليلتي يا غد قال العسكري: وأجود ما قيل في طول الليل من الشعر القديم، قول امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدولَهُعليَّ بأنواع الهمومِ ليبتلي
فقلتُ له لما تمطَّى بِصُلْبِهِوأردفَ أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجليبصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليلٍ كأن نجومهبكل مُغارٍ الفتل شُدَّْت بيذبل
كأن الثريا عُلِّقَتْ في مصامها ... بأمراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جندل قال العسكري: هذا من فصيح الكلام وأبدعه. شبَّه الليل بالبحر، وترادف ظلماته بالموج، واستعار له سدولاً وهي الستور، واحدها سِدْل، لما يحول منه بين البصر وبين إدراك المبصرات؛ وقوله: " وما الإصباح منك بأمثل " معناه أن صبحك إذا كان فيك فليس فيك راحة، كأنه يريد به طلوع الفجر المتقدم بين يدي ضوء النهار، وقيل معناه: إن ليله كنهاره في البث، وانه لا يجد في النهار راحة كما لا يجدها في الليل، فجعل الليل والنهار سواء فيما يكابده من الوجد والحب.
قال الشيخ المصنف: كنت وقفت لشاعر بعد امرىء القيس على هذا المعنى وفيه زيادة مطبوعة وذهبت عني فنظمت في معناه:
لا أظلمُ الليلَ الطويلَ وأشتكيمنه وما لي في الصباح رجاءُ
مَنْ كان يطمع في الصباح براحةٍويسرهُ إنْ لاح منه ضياء
فجوايَ متّصلُ الظلامِ بضوئِهِ ... الليلُ عندي والنهارُ سواء وهذا هو معنى بيت امرئ القيس؛ ثم ذكرت البيت الذي كنت أحفطه وهو للطرماح:
ألا أيها الليل الطويلُ ألا اصبحِببمٍّ وما الإصباح منك بأروحِ
ولكنَّ للعينين في الصبحِ راحةً ... بطرحِهِما لَحْظَيْهِما كلَّ مَطْرَحِ بمً: اسم مدينة كرمان - بباء موحدة تحتها - ويروى:
أليلتنا في بمّ كَرْمَانَ أصبحي ... بخيرٍ وما الإِصباحُ منكِ بأروحِ وهذا معنى امرئ القيس، واستدرك فقال: " على أن للعينين في الصبح راحة " فجاء بما لا يُشَكُّ فيه، إلا أن لفطه لا يقع من لفظ امرئ القيس موقعاً، والتكلف في قوله " بطرحهما طرفيهما كلَّ مطرح " بيّن، والكراهة فيه ظاهرة؛ ونحوه قول ابن الدمينة:
أقضّي نهاري بالحديثِ وبالمنىويجمعني والهمَّ بالليلِ جامعُ وأنشد العسكري لنفسه:
وأزدادُ في جنحِ الظلامِ صبابةًولا صَعْبَ إلاّ وهو بالليل أَصعبُ إسحاق الموصلي في معنى النابغة:
إنّ في الصبحِ راحةً لمحبٍّومع الليلِ ناشئاتُ الهمومِ هذا مأخوذٌ من ناشئة الليل
وتمنى بعض المُثْقَلِينَ بالدّين دوام الليل فقال:
ألا ليَت النهارَ يعودُ ليلاًفإنّ الصبحَ يأتي بالهمومِ
دواعٍ لا نطيقُ لها قضاءًولاردّاً وروعاتُ الغريم قوله: " ولا ردّاً " من التتميم الحسن
وقول امرئ القيس: " فيا لك من ليل كأنّ نجومه " إلى آخر الأبيات قالوا: إن البيت الأخير فضل لا معنى له ولا فائدة فيه، لأن الثريا في جملة النجوم، وقد اكتفى بذكرها في البيت الأول " فيا لك من ليلٍ كأنّ نجومه " ولم أجدّ لأحد من علماء البديع من وجَّه وجهاً لامرئ القيس في ذلك؛ قال الشيخ: والوجه عندي أن من عادة العرب إذا ذكرت جملة أن تستثني أشرفها منها وتفرد بالذكر عنها لتدل على شرفه وفضله، ومثله في القران العزيز (فيهما فاكهةٌ ونَخْلٌ وَرُمّان) والنخلُ والرمانُ من جملة الفاكهة، فلما ذكر امرؤ القيس النجوم اسثنى الثريا وأفردها ليدل على شرفها وفضلها.
القاضي التنوخي:
وليلةٍ كأنها يومُ أَمَلْظلامها كالدَّهْرِ ما فيه خَلَلْ
كأنما الإصباحُ فيها باطلٌأزهقه الله بحقٍّ فبطل
ساعاتها أَطولُ من يوم النوىوليلةِ الهجر وساعاتِ العذل
مُوصَدَةٌ على الورى أبوابُهَا ... كالنارِ لا يخرجُ منها مَنْ دَخَل وهذا مستملح، وإن لم يكن مختاراً من التشبيه، لأن إخراج المحسوس إلى ما ليس بالمحسوس في التشبيه به خفاء.
ابن المعتز:
كأن نجومَ الليلِ في حجراتهادراهمُ زَيْفٍ لم تُحَرَّرْ على النقد
يريد أن نجومه واقفة ليست تسير كأنها دراهم زيف ليست بنقد فتُصْرَف.
ولبعض المحدثين:
عهدي بنا ورداءُ الليلِ منسدلٌوالليلُ أَطوله كاللمحِ بالبصرِ
فالآن ليليَ مذ بانوا فَدَيْتُهُمُ ... ليلُ الضريرِ فصبحي غيرُ منتظر قال: وهذا أبلغ من قول امرئ القيس، إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام لابتذال لفظه، والمعنى أن ليله ممدود لا انقضاء له كليلة الضرير، والدهر كله عند الضرير ليل.
ولآخر في معنى قول امرئ القيس:
يا ليل ليتك سرمداً أبداًما في الصباحِ لعاشقٍ فَرَجُ وأجود ما قيل في وصف الليل:
وليلِ يقول الناسُ من ظلماتهسواءٌ بصيراتُ العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتاً حصينةً ... مُسوحٌ أعاليها وساجٌ كسورها هذا أبدع تشبيه في الليل فإنه شبه أعلاه بِمِسْحِ شَعْرٍ لتكاثف ظلمته وأسفلهُ بساجٍ، وهو الطيلسان الأخضر، لما بشوب ما بين يدي الناظر فيه من يسير الضياء. وكسور البيت: أسافله المرخاة منه.
ولآخر:
وليلٍ ذى غياطلَ مُرْجَحِنّرميتُ بنجمه عَرَضَ الأُفولِ
يردّ الطرفَ حندسُهُ كليلاًويملأ هَوْلُهُ صدْرَ الدليل
آخر:
وليلٍ فيه تحسبُ كلَّ نجمٍ ... بدا لك من خَصاصةِ طيلسان وصف الليل بشدّة السواد، وكأنّ النجوم تظهر من خروق طيلسان، وشبّه سواد الليل بالطيلسان لخضرته، وشدة الخضرة راجعة إلى السواد، ومنه قوله تعالى (مُدْهَامتانِ) من شدة الخضرة من الريّ؛ والمدهام: الأسود. ومنه سمّي سواد العراق سواداً لنخله وجنانه وكثرة مائه، وذلك أن الماء الكثير البعيد القعر يظهر أسود، ولذلك شبّه امرؤ القيس الليل بالبحر، ويقال لليل إذا اسود أخضر؛ قال الراجز يخاطب ناقته:
وعارضي الليلَ إذا ما اخضرّاوقال الشَّماخُ:
وليلٍ كلونِ الساجِ أسودَ مظلمٍ ... قليلِ الوغى داجٍ ولونِ الأَرَنْدَجِ أي قليل الأصوات، والأرندج: الجلود السود التي يقال لها بالفارسية رنده، وجمع الساج سيجان.
ومما يحكى من الاستشهاد على أن الساج الطيلسان أن أبا دلامة كان شاعراً خفيف الروح مقبولاً عند خلفاء بنى العباس، وكان ماجناً منهمكاً على الخمر، فحظر عليه الخليفة شُرْبَها، وأمر الشرطيّ متى وجده سكران أن يخرّق طيلسانه ويُحْبَسَ في بيت الدجاج، فأُخِذَ سكران فحبس، فلما أصبح كتب إلى الرشيد:
أميرَ المؤمنين فَدَتكَ نفسيعلامَ حبستني وخرفتَ ساجي
أُقادُ إلى السجونِ بغير ذنبكأني بعضُ عُمّالِ الخراج
ولو معهم حُبِسْتُ لهانَ ذاكمولكني حبستُ مع الدجاج
دجاجات يُطيفُ بهنَّ ديكتناجى بالصياحِ إذا يناجي فضحك منه الرشيد وأطلقه
وفي شعر ذي الرمة " الرويزي ":
وليلٍ كأثناءِ الرويزيّ جُبْتُهُ ... بأربعةٍ والشخصُ في العينِ واحدُ قال: الرويزيّ الطيلسان، وهي الأكسية الخُضر الرويزية، قال المصنف وكذلك أُثبتَ في " كتاب الأنواء " لأبي حنيفة الدينوريّ.
لغز في السنة:
أربعةٌ وهي ثُلْثُ واحدةٍكثيرةُ العدِّ وهي ثنتان
دائمةُ السير لا يدان لها ... تقطع أرضاً ولا جناحان أراد بالأربعة الفصول، وهي ثلث واحدة: أراد أن الأربعة ثُلث السنة، وكثيرة العدّ أراد الأيام، وهي ثنتان أي أنها في الغالب شتاء وصيف، كما قال ﷿ (رحلةَ الشتاءِ والصَّيْفِ) والبيت الثاني ظاهر لأنها تسير وتتصرَّم وليس لها عضوٌ تتحرك به.
أبو القاسم الزاهي:
الريحُ تعصفُ والأغصانُ تعتنقُوالمزنُ باكيةٌ والزهرُ مُغْتَبقُ
كأنما الليلُ جَفْنٌ والبروقُ لهعينٌ من الشمسِ تبدو ثم تَنْطَبِقُ العلوي:
وربَّ ليلٍ باتت عساكرُهُتحملُ في الجوِّ منه رايات
في كلِّ أفقٍ من السماءِ لهكمينُ جَيْشٍ من الدجنَّات
تردّ عنه العيونَ خاسئة ... مرتبكاتٍ ذواتِ حيرات ومن المبالغة في وصف الليل قول عبد العزيز بن خلوف الجروي من أفريقية:
ومن دونها طَوْدٌ من السُّمْرِ شامخٌإلى النجمِ أو بحرٌ من البيضِ مُتْأَقُ
وأسودُ لا تبدو به النارُ حالكٌ ... وبيداءُ لا تجتازها الريحُ سَمْلَقُ قوله: " لا تبدو به النار " من أعجب المبالغة، مع اختصار لفظ وجزالة معنى.
وذكر ابن رشيق في " أنموذج الشعراء بأفريقية " أن عبد العزيز بن خلوف أخذ هذا المعنى من محمد بن إبراهيم، وذكر له حكاية لطيفة قال: كان لمحمد بن إبراهيم هذا محبوب فماحكه فيه عبد أسود اسمه خلف، فقطعه عنه، فماحكه فيه عبد آخر اسمه فرج، فعمل أبياتاً مشهورة بالقيروان أولها:
أيّ الهموم عليه اليوم لم أعُجِوأيّ بابٍ من الأَحزانِ لم ألِجِ
تأملوا ما دهاني تبصروا قِصصاًظلامُهَا ليس يُمْشى فيه بالسُّرُجِ هذا موضع الاستشهاد
ما نالني الخُلْفُ إلا وهو من خَلَفٍوعاقني الضيقُ إلا وهو من فَرَج
حتى لقد صار كافورُ المشيب هوىًأشهى لنفسيَ من مِسْكِ الصّبا الأَرِجِ النابغة الذبياني في طول الليل:
كليني لهمٍّ يا أُميمةَ ناصبِوليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ
تقاعسَ حتى قلتُ ليس بمنجلٍ ... وليس الذي يرعى النجومَ بآيبِ الذي يرعى النجوم: الصبح، استعار له اسم الراعي لكونه يأتي معقباً وراء النجوم.
شاعر:
ألا هل على الليلِ الطويلِ معينُإذا نزحتْ دارٌ وحنَّ حزينُ
أُكابدُ هذا الليلَ حتى كأنماعلى نجمه أنْ لا يَغُورَ يَمينُ آخر:
ما لنجومِ الليل لا تغربُكأنها من خلفها تُجْذَبُ
رواكدٌ ما غاب في غربهاولا بدا مِنْ شرقها كوكب آخر:
كأن بهيمَ الليلِ أعمى مقيَّدٌتحيَّرَ في تيهٍ من الأرضِ مَجْهَلِ
كأنَّ الظلامَ حين أرخى سُدُولَهُيبيتُ على ليلٍ بليلٍ مُوَصَّل ابن الرقاع:
وكأنّ ليلي حينَ تغربُ شمسُهُبسوادِ آخرَ مثلِهِ مَوْصُولُ
أَرعى النجومَ إذا تغيَّبَ كوكبٌأَبصرتُ آخرَ كالسرّاجِ يجول أصرم بن حميد:
وليلٍ طويلِ الجانبين قطعتُهُعلى كَمَدٍ والدمعُ تجري سواكبُهْ
كواكبه حَسْرى عليه كأنما ... مقيَّدةٌ دون المسير كواكبه وذكر عمر بن شَبَّةَ أن الأصل في ذكر الليل الطويل بيت الحارث بن خالد وهو:
تعالوا أَعينوني على الليلِ إنهعلى كلِّ عينٍ لا تنامُ طويلُ ثم تبعه الناس
بشار بن برد:
خليلي ما بالُ الدُّجَى ليس يَبْرحُوما لِعَمودِ الصبح لا يتوضَّحُ
أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقَهُأَمِ الدهرُ ليلٌ كلُّهُ ليس يبرح
لطالَ عليّ الليلُ حتى كأننيبليلين موصولين لا يتزحزح
أَظنُّ الدجى طالتْ وما طالتِ الدجىولكنْ أَطالَ الليلَ همّ مبرح وله:
كأن جفونَهُ سُمِلَتْ بشوكٍفليس لنومه فيها قَرارُ
جَفَتْ عيني عن التغميضِ حتّىكأنَّ جفونَها عنها قصار
أقولُ وليلتي تزدادُ طولاًأما لليلِ بعدهمُ نهار شاعر:
صباحي ما لضوئك لا ينيرُوليلي ما لنجمك لا يغورُ؟!
أَقُيِّدَ كلُّ نجمٍ كان يجريأمِ الظلماءُ حائرةً تدور أبو الفضل محمد بن عبد الواحد التميمي:
يا ليل هلا انجليتَ عن فَلَقِطُلْتَ ولا صَبْرَ لي على الأَرَقِ
جَفَتْ لحاظي التغميضَ فيك فماتُطْبِقُ أَجفانَها على الحَدق
كأنها صورةٌ مُمَثَّلَةٌناظِرُهَا الدهرَ غيرُ منطبق التنوخي:
وليلةِ مشتاقٍ كأنَّ نجومهاقد اغتصبت عيني الكرى فهي نُوَّمُ
كأن عيونَ الساهرين لطولهاإذا شَخَصَتْ للأنْجمِ الزُّهْرِ أَنجم جحظة البرمكي:
وليلٍ في كواكبه حرانٌفليس لطولِ مُدَّتها انتهاءُ
عدمتُ تبلّجَ الاصباحِ فيهكأن الصبحَ جودٌ أو وفاء جعفر بن محمد:
ربَّ ليلٍ كالبحرهَوْلاً وكالدهر امتداداً وكالمداد سوادا
خُضْتُهُ والنجومُ يوقدن حتىأطفأ الفجرُ ذلك الإِيقادا سعيد بن حميد:
يا ليلُ بل يا أَبَدُأنائمٌ عنكَ غَدُ
يا ليل لو تلقى الذيألقى بها أَو تجد
قصَّر من طولك أوضُوعف منكَ الجلد العباس بن الأحنف:
أيها الراقدون حولي أَعينوني على الليل حسبةً وانتصارا
خبّروني عن النهارِ حديثاًوصفوه فقد نسيتُ النهارا وله:
رقدتَ ولم ترثِ للساهروليلُ المحبِّ بلا آخر
ولم تدرِ بعد ذهابِ الرقادِ ما فعل الدمعُ بالناظر علي بن الخليل:
لا أظلم الليل ولا أدعيأن نجوم الليل ليست تزول
ليلي كما شاءت قصيرٌ إذاجادت وان صَدتْ فليلي طويل أخذه ابن بسام فقال:
لا أظلمُ الليلَ ولا أدَّعيأن نجومَ الليلِ ليست تغورْ
ليلي كما شاءت فإن لم تَجُدْطال وان جادتْ فَلَيْلي قصير وذكر الفرزدق العلة في طول الليل فقال:
يقولون طال الليلُ والليلُ لم يَطُلْولكنَّ من يهوى من الوجد يسهرُ شاعر:
أخو الهوى يستطيل الليلَ من سهرهوالليلُ من طوله جارٍ على قَدَرِهْ
ليلُ الهوى سنَةٌ في الهجر مُدَّتُهُلكنه سِنَةٌ في الوصلِ مِنْ قِصَرِهْ الوليد بن يزيد:
لا أسألُ الله تغييراً لما صَنَعَتْسُعْدَى وانْ أسهرتْ عينيَّ عيناها
فالليل أطولُ شيءٍ حين أفقدهاوالليل أقصرُ شيءٍ حين ألقاها شاعر:
ليلٌ طويلٌ كمثلِ أحْرُفِهِأوَّلُهُ في الهجاء آخِرُهُ وذكر آخر سروره بالسهر فقال:
يا نسيمَ الروضِ في السَّحَرِوشبيهَ الشمسِ والقمر
إنَّ من أسْهرتَ ناظرَهُلَقَريرُ العينِ بالسهر
ومما يطرب قول محمد بن عبد الملك الزيات:
كتبتْ على فصٍّ لخاتمهامَنْ مَلَّ من أَحبابِهِ رقدا
فكتبتُ في فصي ليبلُغَهامَنْ نامَ لم يشعرْ بمن سَهِدا
قالتْ يعارضني بخاتَمِهِوالله لا كَلَّمْتُهُ أبدا إبراهيم بن خفاجة:
يا ليلَ وجدي بنجدٍأمَا لطيفك مَسْرَى
وما لدمعي طليقٌوأنجمُ الجو أسرى
وقد طما بحرُ ليلٍلم يُعْقِبِ المدَّ جزرا
لا يعبرُ الطرفُ فيهغيرَ المجرةِ جِسْرا ابن الرومي:
يحولُ الحولُ في الوصلِويبقى ليَ تذكارُهْ
ويومُ الهجرِ والبينِكيومٍ كان مِقْدارُهْ مؤيد الدولة الطغرائي:
ليلي وليلَى نومي اختلافُهُماحتى لقد صَيّراني في الهوى مثلا
يجودُ بالطولِ ليلي كلّما بَخَلتْبالوصل ليلى وان جادتْ به بخلا علي بن أبى غالب من أفريقية:
كأنَّ نجومَ الليلِ بُدِّلَ سيرهافصارتْ إلى نحوِ المشارقِ تقصدُ الخفاجي الحلبي:
من كان يحمد ليلاً في تقاصرهفان ليليَ لا يُدْرى له سَحَرُ
لا تسألوني، إلاّ عن أوائِلهِفآخر الليلِ ما عندي له خبر العسكري:
بانوا فلم أَدْرِ ما أُلاقيمَسٌّ من الوجد أم جنونُ
ليليَ لا يبتغي بَرَاحاًكأنه أدهَمٌ حَرون
أُجيلُ في صفحتيه عيناًما يتلاقى لها جفون الاسفرايني:
ألا هاتها ورديةً عنبيةًفقد شَوَّشَتْ ريحُ الصبا طُرَّةَ الوردِ
ولحت هلالُ الفطر نِضواً كأنهبدوُّ غِرارِ السيفِ من أسفلِ الغمد العسكري:
قصر العيشُ بأكناف الغضاوكذا العيشُ إذا طاب قصير
في ليالٍ كأباهيم القطالست تدري كيف تأتي فتطير ابن المعتز:
يا ليلةً كاد من تقاصرهايعثُر فيها العشاءُ بالسَّحَرِ إبراهيم بن العباس الصولي:
وليلةٍ من الليالي الزُّهْرِقابلتُ فيها بدرها ببدري
لم يكُ غير شفقٍ وفجرحتى تقضَّتْ وهي بكر الدهر
شاعر:
ياربَّ ليلِ سرورٍ خلتُهُ قِصَراًكعارضِ البرق في جنح الدجى برقا
قد كاد يعثُر أولاهُ بآخرِهِوكاد يسبقُ منه فجره الشفقا
كأنما طَرَفاه طَرْفٌ اتفق الجفنان منه على الإطراقِ وافترقا جعفر المصحفي:
سألتُ نجومَ الليل هل ينقضي الدجىفخطَّتْ جواباً بالثريّا كخطّ لا
وكنت أرى بآخر ليلتيفأطرق حتى خلته عاد أوّلا كشاجم:
وليلةٍ فيها قِصَرْعشاؤها مع السَّحَرْ
صافيةٍ من الكدرْفي مثلها التذَّ السهر
تمحو إساءات القدَرْوتترك الدهرَ أَغرّ علي بن أحمد الجوهري:
يا ليل أفدي اختك البارحهما كان أذكى ريحها الفائحة
كانت لنا خاتمةً لو درتوجدي بها كانت هي الفاتحة أبو بكر الخوارزمي:
وكم ليلة لا أُعْلِمُ الدهر طولهامخافة أن يقتصَّ مني لها الدهر
سهاد ولكن دونه كل رقدةوليل ولكن دون اشراقه الفجر
وسكري هوى لو كان يحكيه لذةً ... من الخمر سكرٌ لم يكن حرم الخمر ابن طباطبا وهو أبلغ ما قيل:
وليلةٍ مثلِ أمرِ الساعةِ اقتربتْحتى تقضَّتْ ولم نشعر بها قصرا
لا يستطيع بليغ وَصْفَ سرعتهاكانت ولم تعتلق وهما ولا نظرا شاعر:
وليل لم يقصّره رقادٌوقصَّره منادمةُ الحبيبِ
نعيمُ الحبِّ أورقَ فيه حتىتناولنا جناه من قريب
ومجلسُ لذةٍ لم نلوِ فيهعلى شكوى ولا عدد الذنوب
بخلنا أن نقطّعه بلفظٍفترجمتِ العيونُ عن القلوب أمية ابن أبي الصلت:
يا ليلةً لم تبنْ من القصركأنها قبلةٌ على حَذَرِ
لم تك إلا كلا ولا ومضتْتدفعُ في صدرها يدُ السحر شاعر:
يا ليلتي أحسنتِ مقبلةًوأسأتِ عند تبلج الفجرِ
أقصرتِ حين وفى بزورِتهِهلاّ قصرتِ لياليَ الهجر شاعر:
يا ليلُ يا ليلُ إلى أينارْبع على ذَيْنِ المحبينِ
ناشدتك الله تقفْ ساعةفالصبحُ منا موعدُ المحبين البين آخر:
إذا نادى المنادي كاد يبكيحذارَ الصُّبْح لو نفعَ الحذارُ
وودَّ الليلَ زيد إليه ليلٌولم يُخلَقْ له أبداً نهار أبو الحسن الأنصاري:
وليلةٍ غائبة النحوسكثيرة الأَقمار والشموسِ
قصيرة كالنظر المخلوستَمَّتْ فكانت منيةَ النفوس
البهازهير الكاتب:
وليلة كأنها يومٌ أغَرّظلامها آنس من ضوءِ القمرْ
كأنها في مقلة الدهر حَوَرْما قصرت لو سلمتْ من القصر
حين أتت مَرَّتْ كلمحٍ بالبصرليس لها بين النهارين أثر
تطابَقَ العشاء فيها والسحرألذّ من طيب الكرى فيها السهر ابن سناء الملك:
ياساقيَ الراح بل ياسائقَ الفرحويا نديميَ بل ياكلَّ مقترحي
لا تخشَ من قصر ليلٍ في تواصلناأما تراني شربتُ الصبحَ في قدحي ابراهيم الغزي:
وليلٍ رجونا أن يدبَّ عذارُهُفما دبَّ حتى صار بالفجر ذائبا الشريف الموسوى:
وليلةٍ سال بها صُبْحُهاوالصبحُ في المشرقِ كالسَّيْلِ
حتى توهمنا بأنَّ الدجىطيفٌ يحيّينا بلا ليل القاضي الفاضل:
بتنا على حالٍ تسرُّ الهوىوربما لا يمكنُ الشرحُ
بوّابُنا الليلُ وقلنا لهإن غبتَ عنَّا دخل الصبح الخفاجي الحلبي:
إن كان ليلي طويلاً بعد بينكمُفقد نعمت بكم والليلُ كالسَّحَرِ
لا أظلمُ الليل، ليلي في فراقكمبليلِ وصلكمُ، فالطول كالقصر ابن المعتز:
يا ليلةً نسي الزمانُ بهاأحداثَهُ كوني بلا فجر
باح الظلامُ ببدرها ووشتفيها الصبا بمواقع القطر
ثم انقضتْ والقلبُ يتبعهافي حيثما سقطتْ من الدهر شاعر في طيب الأيام:
يا ربَّ يوم لي كظلك أو كظنك لو يقاربْ
رقَّتْ حواشيه وغضَّتْ عينُ واشيهِ المراقب
قَصُرَتْ لنا أطرافُهُقِصَرَ القناع عن الترائب
وتبرَّجَتْ لذاتهللخاطبين وللخواطب شاعر:
يومٌ كأن نسيمه من عنبرِوتخالُ أنَّ أَديمَهُ من جوهر
لو باعتِ الأيام آخرَ مثلهبالعمر أَجمعَ كنتُ أوّلَ مشتري ابن رشيق:
أيّها الليل طُلْ بغير جناحِليس للعين راحةٌ في الصباح
كيف لا أُبغِضُ الصباحَ وفيهغاب عنّي أولو الوجوهِ الصِّباح يحيى بن أحمد التيفاشي عم المصنف:
أتتني وقلبُ البرقِ يخفقُ غَيْرةًعليها وعينُ النجم تنظرها شَزْرا
وقد هجعتْ عينُ الوشاة وأَسْبَلَتْعلينا الدياجي من حنادسها سترا
فبتنا إلى وجه الصّباح كأنناقضيبان لا صدّاً نخافُ ولا هجرا
فيا ليلةً قد قَصَّرَ الوصلُ طيبهاتُعَدّ إذا أحصى الفتى دَهْرَهُ عمرا
العلوي الاصبهاني في قصر الليل واليوم:
ويوم دجن ذي ضمير متهممثل سرور شابه عارض غم
أو كمضي الرأي يقفوه الندميبرزه في زى ذى حمد وذم
عبوس ذي البأس وبشر ذي الكرمكقبح لا خالطه حسن نعم
صحوٌ وغيمٌ وضياء وظلمْكأنه مستعبرٌ قد ابتسم
مازلتُ فيه عاكفاً على صنممهفهفِ الكشح لذيذِ الملتثم
تفاحُهُ وقفٌ على لثمٍ وشموبانُهُ وَقْفٌ على هَصْرٍ وَضَمّ
يا طيبَهُ يوماً تولَّى وانصرم ... وجودُهُ من قِصَرٍ مثلُ العدم قال الأصمعي: قرأت على خَلَف الأحمر شعراً لجرير، فلما بلغت إلى قوله:
ويومٍ كإبهامٍ القطاة محبَّبٍإليَّ هواه غالب لي باطلُهْ
فيا لك يوماً خيرُهُ قبلَ شرِّهِ ... تغيَّبَ واشيه وأقصرَ عاذله قال: ويله وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟! فقلت: كذا قرأته على أبي عمرو، قال: صدقت، كذا قال جرير، وكان قليل التنقيح مشرَّد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له ان كان قال: " فيا لك يوماً خيره دون شره "، فاروه هكذا فقد كانت الرواة تصلح من أشعار القدماء، فقلت: لا أرويه بعدها إلا هكذا.
ابن طباطبا:
بأبي من نعمتُ منه بيومٍلم يكن للسرور فيه نُمُوُّ
يومُ لهوٍ قد التقى طرفاهفكأن العشيَّ فيه غدو علي بن جبلة العكوك:
وليلة كأنها نهارُغرَّاءُ لاتعشى بها الأَبصارُ
مشرقةٌ من حسنها الأقطارُلا يمكنُ البدرَ بها استتار
طالتْ لنا ساعاتها القصار ... ولم يكن لفجرها انفجار كانت سواءً هيَ والاسفار ... محمد بن أحمد الحسيني المعروف بابن طباطبا:
وتنوفةٍ مَدَّ الضمير قطعتهاوالليلُ فوق إكامها يتربَّعُ
ليلٌ يمدّ دجاه دونَ صباحهآمال ذي الحرص الذي لا يقنع
باتت كواكبُهُ تحوطُ بقاءَهُفي كلِّ أفقٍ منه نجمٌ يلمع
زُهْرٌ بَعَثْنَ على الصباح طلائعاًحول السماء فهن حسرى ظلَّعُ
متيقطاتٌ في المسير كأنهاباتت تناجى بالذي يُتَوَقَّع
والصبحُ يرقبُ من دجاه غرةًمتضائلٌ من سجفه يتطلع
متنفساً فيه جناناً واهناًفي كلِّ لحظة ساعه يتشجع
حتى انزوى الليلُ البهيمُ لضوئهوقد استجاب ظلامُهُ يتقشع
وبدت كواكبُهُ حيارى فيه لاتدري لِوَشْكِ زيالها ما تصنع
متهادلاتُ النور في آفاقهامستعبراتٌ في الدجى تسترجع
وكواكبُ الجوزاء تبسطُ باعهالتعانقَ الظلماء وهي تودع
وكأنها في الجو نعشُ أخي بلىًيُبْكَى ويوقَفُ تارةً ويشيَّع
وكأنما الشعرى العَبورُ وراءهاثكلى لها دمعٌ غزيزٌ يهمع
وبناتُ نعشٍ قد برزن حواسراًقُدَّامها أخواتُهُنّ الأربع
عبرى هتكن قناعهن على الدجىجزعاً وآلتْ بعدُ لا تتقنع
وكأن أفقاً من تلألؤ نجمهعند افتقادِ الليل عينٌ تدمع
والفجرُ في صفو الهواء مورّدٌمثلُ المدامةِ في الزجاج تشعشع
يا ليلُ ما لك لا تغيث كواكباًزفراتُهَا وجداً عليك تَقَطَّع
لو أن لي بضياء صبحك طاقةًيا ليلُ كنت أردّه لا يسطع
حذراً عليك، ولو قدرتُ بحيلتيجَرَّعْتُهُ الغُصَصَ التي تتجرع
يا صبحُ هاك شبيبتي فافتكْ بهاودع الدُّجى بسواده يتمتع
افقدتني أُنسي بأنجمها التيأصبحتُ من فقدي لها أتوجَّع
هذا الذي أبدع فيه، وخالف الشعراء في أُنسِهِ بالليل والكواكب، وبكائه عليهما، وتوجُّعه لفقدهما، وجميع الشعراء مَهْيَعُهُمْ شكوى الليل وطوله، والتوجع لرعي النجوم. ووصف الليل والنجوم مما انفرد ابن طباطبا بالاجادة فيه، كأبي نواس في الخمر، وابن المعتز في التشبيه، والصنوبري في صفات الربيع، والبحتري في طيف الخيال، وأبي تمام في البديع والرثاء، وابن حازم في القناعة، وأبي العتاهية في الزهد، وابن الرومي في الهجو، ومحمود الوراق في الحِكَم، والمتنبي في المدح والأمثال، والحمدوي في طيلسان ابن حرب، والمعري في الدّرع، وعمر بن أبي ربيعة في النسيب، وكشاجم في الأوصاف النادرة، ومحمد بن هانئ في وصف الحرب وأدواتها، والسريّ الموصليّ في وصف شعره، وأبي العباس الخازن في الاعتذار والاستعطاف، وطياب في الحمار، وابن الحجاج في المجون، وأبي حكيمة راشد ابن عبد القدوس في رثاءِ ذَكَره؛ ومن المتقدمين امرو القيس في وصف الخيل، والنابغة في الاعتذار، والأعشى في الخمر، وزهير في المدح، والشمّاخ في وصف الاعسار، وذي الرمة في وصف الفلواتِ والهواجر، وشعراء هذيل في القسيِّ والنبل، والفرزدق في الفخر. فهؤلاء الشعراء وَقَفَ كلٌّ منهم قريحته على اجادة الفن المذكور عنه، وفتح له فيه مالم يفتح لغيره.
وذكر ههنا طبقات الشعراء فقال: الشعراء خمس طبقات: الجاهلية ورأسها امرؤ القيس، والمخضرمون ورأسهم حسان، والاسلامية ورأسها جرير، والمحدثون ورأسهم علي بن العباس الرومي، وهذه الأسماء واقعة على من جاء بعد هذه الطبقة إلى يوم القيامة. وشعراء الأندلس طبقة واحدة ورأسها أحمد بن عبد ربه.
والعرب تقول: الليل أخْفَى للويل، ومنه قول الشاعر:
الليلُ للويلِ أَخْفَىوالدمعُ للوجدِ أَشْفَى
ما يعرفُ الليلَ إلا ... إِلفٌ يعانقُ إِلفا وتقول: فلان أنمُّ من الصبح وأقود من الليل، ومنه أخذ ابن المعتز قوله:
لا تلقَ إلا بليلٍ مَنْ تواعدهفالشمسُ نمّامةٌ والليلُ قَوَّادُ
كم من محبٍّ أتى والليل يستُرُه ... لاقى الأحبةَ والواشون رُقَّاد وقد حسَّن أبو الطيب هذا المعنى وأزال عنه هُجْنَةَ لفظتي نمام وقواد فقال:
أزورهمْ وظلامُ الليلِ يشفعُ لي ... وأَنثني وبياضُ الصبحِ يُغْري بي فصار أحقّ بالمعنى ممن أخذه منه، وقال العلماء فيه: أخذ عباءةً وأعطى ديباجة.
اجتمع بغرناطة محمد بن غالب الرصافي الشاعر ومحمد بن عبد الرحمن الكتندي الشاعر وغيرهما من الفضلاء الرؤساء فأخذوا في أن يخرجوا لنجد أو لحور المؤمل، وهما من أشرف متنزهات غرناطة، وكان الرصافي قد أظهر الزهد وترك الخلاعة، فقالوا: ما لنا غنىً عن أبي جعفر بن سعيد فكتبوا إليه:
بعثنا إلى ربِّ السماحةِ والمجدِومن ماله في ملة الظَّرْفِ من نِدِّ
ليسعدَنا عند الصبيحةِ من غدٍبسعيٍ إلى حور المؤمل أو نجد
لتشرح منا أَنْفُسٌ من شجونهاثَوَتْ في سجونٍ هنَّ شرٌّ من الحمد
ونظفرَ من بُخْلِ الزمان بساعةٍألذَّ من العليا وأشهى من الحمد
على جَدْولٍ ما بين ألفافِ دوحةٍيهزّ الصبا فيها بنوداً من الزند
ومن كان ذا شربٍ يُخَلَّى لشأنهومن كان ذا زهدٍ تركناه للزهد
ومن ظرفه يأبى الحديثَ على الطلاولا أن يُديل الهزلَ حيناً من الجد
نهزُّ معاني الشعر أغصانَ عطفهويمرحُ في ثوبِ الصبابة والوجد
ومانغَصَّ العيشَ المهنأ غير أَنْيمازجَهُ تكليفُ ما ليس بالود
نظمنا من الخلان عقدَ فرائدٍولما نجدْ إِلاّكَ واسطةَ العقد
فماذا نراه لا عدمناكَ ساعةًفنحن بما تبديه في جنَّةِ الخلد فكان جوابه:
هو القولُ منظوماً أمِ الدر في العقدِهو الزَّهْرُ تفَّاحُ الصفا أم شذا الوردِ
أتاني وفكري في عقالٍ من الأسىفحلَّ بِنَفْثِ السِّحْرِ ما حلَّ من عقد
فيا مَنْ بِهِنْم تُزْهَى المعالى ومَنْ لهمْقيادُ المعاني ما سوى قصدكم قصدي
فسمعاً وطوعاً للذي قد أشرتمُبه لا أرى عنه مدى الدهر من بُدِّ
وعنديَ ما يختارُ كلُّ مؤملٍمن الراح والمعشوق والكتب والزند
فقوموا على اسم الله نحو حديقةٍمقلَّدَةِ الأجيادِ موشيّةِ البُرْد
وكلُّ إلى ماشاءه لستُ ناوياًعتاباً له إني المساعدُ بالود
ولستُ خلياً من تأنس قينةٍإذا ما شَدَتْ ضلَّ الخليُّ عن الرشد
لها ولدٌ في حجرها لا تزيلُهُأوانَ غناءٍ ثم ترميه بالبعد
فيا ليتني قد كنتُ منها مكانَهُتقلّبني ما بين خَصْرٍ إلى نهد
ضمنتُ لمن قد قال إنيَ زاهدٌإذا حلَّ عندي أن يحولَ عن الزهد
فإن كان يرجو جنةَ الخلدِ آجلاًفعندي له في عاجلٍ جنةُ الخلد
فركبوا واجتمعوا ومرَّ لهم أحسن يوم، وما زالوا بالرصافي إلى أن شرب معهم فقال الكتندي:
غلبناك عما رُمْتَهُ يا ابن غالبِبراحٍ وريحانٍ وشدوٍ وكاعبِ فقال أبو جعفر:
بدا زهدُهُ مثلَ الخضاب فلم يزل ... به ناصلاً حتى بدا زهدَ كاذب ثم غربت الشمس فقالوا: ما رأينا أقصر من هذا اليوم، وما ينبغي أن نترك وصفه، فقال أبو جعفر: أنا له، ثم قال وهو من عجائبه المعجزة:
لله يومُ مسرةٍأضوا وأقصرُ من ذُبَالَهْ
لما نصبنا للمنىفيه بأوتار حباله
طار النهارُ به كمرتاعٍ وأجفلتِ الغزاله
فكأننا من بعدِهِ ... بعنا الهدايةَ بالضلاله النهار: ذكر الحبارى، وإليه أشار بقوله: طار النهار، والغزالة: الشمس، فتمَّ له المعنى، فسلَّم له الجميع تسليم السامع المطيع.
ولأبي جعفر في الغزالة أيضاً:
بدا ذَنَبُ السّرحانِ يُنْبئُ أنهتقدَّمَ سبقاً والغزالةُ خَلْفَهُ
ولم تَرَ عيني مثلها من متابعٍ ... لمن لا يزال الدهرَ يطلبُ حتفه قال المصنف: جرت في قِصَر النهار نادرة: أنشدني سليمان بن إسماعيل المارديني المسيحي لنفسه فيما زعم من قصر النهار:
ويومٍ حواشيه ملمومةٌظنناه من قِصَرٍ مُدْمَجا
قنصتُ غزالتهُ والتفتُّ ... أريدُ أختها فاحتمت بالدجى فأثبت البيتين عندي، فأخبرني بعد ذلك أبو الحسن بن سعيد انه وقف في
" تاريخ اربل " لابن المستوفي لابي عبد الله محمد بن أبي الوفاء القبيصي من ذرية عمر ﵁:
ويومٍ خواشيه ملمومةٌعلينا نحاذرُ أن يفرجا
قنصتُ غزالته والتفتُّ ... أريدُ اختها فاحتمتْ بالدجى قال ابن المستوفي: ثم ورد علينا أبو الحسن على بن يوسف الصفار فنسبهما لنفسه قال: ولعلهما ليسا له ولا لابن القبيصي.
قال المصنف: فقيدتُ هذا على هذه الصورة؛ ثم جرى بعد ذلك مذاكرة في هذه الأبيات وتجاذب من تجاذبها من الشعراء فقال بعض من حضر: هذه الأبيات عندى في تعليق لغير من ذكر، فرغبنا إليه في الكشف عنها، فأحضر التعليق فإذا فيه: خرج المنتجب العاني - منسوب إلى عانة، جزيرة بالفرات - مع الملك الزاهر ابن صلاح الدين صاحب البيرة للصيد، فأثاروا ظبيةً في آخر النهار فاستطردت لهم، فلم يدركها السلطان إلا عند غروب الشمس، فأمسكها ونظر إلى الشمس وهي تغرب فاستظرف هذا الاتفاق وقال الشاعر: قل في ذلك شيئاً فقال:
ويومٍ حواشيه ملمومةٌعلينا نحاذرُ أنْ تفرجا
قنصتُ غزالته والتفتُّ ... أريد اختها فاحتمتْ بالدجى قال المصنف: فصحَّ عندي أن هذا هو قائلها على الخصوص، وان الجميع لصوص، قال: وقد قرأت " كتاب اللصوص " للجاحظ فلم أسمع فيه بأن ثلاثة لصوص اجتمعوا بالاتفاق الظريف على بيت واحد.
ابراهيم بن محمد القابوني الدمشقي:
يومٌ تقاصَرَ حتى خلتُهُ حُلُمافليس يبصره إنسانُ انسانِ
ما تطلعُ الشمسُ إلاّ وهي غاربةُكأنما شمسُهُ في الأفقِ شمسان
وللشيخ شرف الدين المصنف:
ويومٍ سرقناهُ من الدهر خلسةًبل الدهرُ أهداه لنا متفضّلا
أشبهه بين الظلامين غُرَّةً ... لحسناءَ لاحت بين فرعين أُرسلا والحكماء يمدحون الليل والاشتغال فيه، قال بعضهم لابنه: يا بنيّ اجعل نظرك في العلم ليلا، فإن القلب في الصدر كالطير، يننشر بالنهار ويعود إلى وكره في الليل، فهو في الليل ساكن، وما ألقيت إليه من شيء وعاه.
وقال بعضهم: في الليل تجمّ الأذهان، وتنقطع الأشغال، ويصحّ النظر، وتؤلف الحكمة، وتدر الخواطر، ويتسع مجال القلب، والليل أجرى في مذهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على صدقة السر، وأصحُّ لتلاوة الذكر. وأرباب الأمر يختارون الليل على النهار لرياضة النفوس، وسياسة التقدير في دفع الملمّ، وإمضاء المهمّ، وإنشاء الكتب ونظم الشعر وتصحيح المعاني، وإظهار الحجج وإصابة غرض الكلام، وتقريبه من الأفهام، وفي الليل تتزاور الأحباب، وتتهنأ بالشراب، وتكمل الاطراب، وتغيب الرقّاب وتغلق في أوجه الأضداد الأبواب، ولا يمكن فعل شيء من ذلك كله في النهار، لاستجلاب الظنة بالاستتار.
وكان ابن المعتز لا يشرب إلا ليلاً ويقول: الليل أمتع، لا يطرق فيه خبر قاطع، ولا شغلٌ مانع والنهار أبرص لا يتم فيه سرور.
ونظم ذلك كشاجم فقال:
اتخذِ الليلَ جَمَلْما حُمِّلَ الليلُ حَملْ
آمن فيه طارقاً ... يَشْغَلني عن الشُّغُل كان يحيى بن خالد ولّى ابنه الفضل خراسان، فبلغه عنه إقبال على القصف واهمال للرعية، وتفقد أعماله فوجدها مختلّة، فكتب إليه: بلغني عنك إقبال على القصف واهمال لأمورك، وقد يهفو ذو الفطنة، ويزلّ الحليم ثم يرجع
إلى ما هو أولى به، حتى كأن أهل دهره لم يعرفوه إلا بذلك. وقد كتبت إليك بأبيات إن أنت اخلفتها ولم تمتثلها هجرتك حولاً، وعزلتك على سخط، وكتب إليه:
انصبْ نهاراً في طِلابِ العلاواصبرْ على فقدِ لقاءِ الحبيبْ
حتى إذا الليلُ دنا مقبلاًوانحسرتْ فيه عيونْ الرقيب
فاخلُ مع الليل بما تشتهيفانما الليلُ نهارُ الأريب
كم فاتكٍ تحسبه ناسكاًيستقبلُ الليلَ بأمر عجيب
غطَّى عليه الليلُ أثوابَهُفبات في أمنٍ وعيشٍ خصيب
ولذةُ الأحمقِ مكشوفةٌيسعى بها كلُّ عدوٍّ رقيب قال فآلى أن لا يشرب نهاراً
أبو بكر ابن دريد:
وليلةٍ سامَرَتْ عيني كواكبهانادمتُ فيها الصبا والنومُ مطرودُ
يستنبط الراح ما تخفي النفوس وقدجادت بما منعته الكاعب الرود
والراح نفترُّ عن درٍّ وعن ذَهَبٍفالتبرُ مُنْسَبِكٌ والدرُّ معقود
ياليلُ لا تبحِ الإِصباحَ حَوْزَتَناوليحمِ جانبَهُ أَعطافُكَ السود بشار بن برد:
قد نام واشٍ وغاب ذو حَسَدٍفاشربْ هنيئاً خلا لكَ الجوُّ آخر:
ولم أرَ مثلَ الليلِ جُنَّةَ فاتكٍإذا همَّ أمضى أو غنيمةً ناسكِ ابن المعتز:
سقتنيَ في ليلٍ شبيهٍ بشعرهاشبيهةَ خَدَّيْهَا بغيرِ رقيبِ
فأمسيتُ في ليلين للشعرِ والدُّجىوصبحين من كأسٍ ووجه حبيب شاعر:
وليلةِ قَصْفٍ ليلةُ العرس دونهاأنارتْ بها الظلماءُ والليلُ لائلُ
وسكرانة سُكْرَيْ دلالٍ وقهوةٍإذا هي قامتْ لم تَخُنْها المفاصل
تثنتْ كغصنٍ ذابلٍ عند سكرهاوذا عجبُ غُصْنٌ من الريِّ ذابل البحتري:
يا ليلتي بالسفح من بطياسومعرِّسي بالقصرِ بل أَعراسي
باتت تبرّدُ من جوايَ وغلتيأنفاسُ ظبيٍ طيِّبِ الأنفاس
هيف الجوانح منه هاض جوانحيونعاسُ مقلته أَطار نعاسي
يدنو إليَّ بخمرهِ وبريقِهِفيعلّني بالكاسِ بعد الكاس آخر:
وليلةٍ بات يجلو الراحَ من يدهأَحوى أَغنُّ غضيضُ الطرف جذلانُ
والليلُ ترمقنا شَزْراً كواكبُهُكأنه من دنوّي منه غيران
كأنها نَقْدٌ بالدوِّ نَفَّرَهَالما بدا ذَنَبُ السرحانِ سرحان آخر:
وليل قد سهرتُ ونام فيهندامى صُرِّعوا حولي رقودا
أُنادمُ فيه قرقرةَ القنانيومزماراً يحدّثني وَعُودا
وكاد الليلُ يرجمتي بنجمٍوقال أراه شيطاناً مريداً آخر:
اشربِ الراحَ واسقني بظلامِواتركِ النومَ للئامِ النيامِ
لا أحبُّ اللذاتِ إلا مع الليلِ إذا ما هَدَتْ عيونُ الانامِ القائد علي:
يا ربَّ ليلٍ شربنا فيه صافيةًحمراءَ في لونها تنفي التباريحا
ترى الفَراشَ على الأكواس ساقطةًكأنما أَبصرتْ منها مصابيحا
عبد الله بن محمد المعروف بابن البغدادي من أفريقية - كان أبوه ظريفاً لبقاً فلقب البغدادي لذلك -:
أزرى بلبِّكِ شادنٌ ذو قُرْطُقٍيسقي العُقَارَ ويعقدُ الزنّارا
ولقد شكوتُ إليه بعضَ صبابتيفحنا وقال أرى بقلبكَ نارا
في ليلةٍ حلفتْ عليَّ بطيبهالأُقاطعنَّكَ إن شربتَ نهارا
ولأسترنَّ البدرَ عنكَ بظلمتيفيكونَ في ليلِ التمام سرارا ابن المعتز يذم الصبوح:
على الصبوح لعنةُ الرحمنفاسمعْ أُخَبِّركَ ببعضِ الشانِ
إذا اردتَ الشربَ عند الفجرِوالنجمُ في لجّةِ ليلٍ يسري
وكان بردٌ والنديمُ يرتعدوريقُهُ على الثنايا قد جمد
وللغلام ضَجْرَةٌ وهمهمهوشتمةٌ في صَدْرِهِ مُجَمْجَمه
يمشي بلا رجلٍ من النعاسويدفقُ الكاسَ على الجلاس
فإن يكنْ للنوم ساقٍ يَعْشَقُفجفنه بجفنه مُدَبَّق
ورأسه كمثل فروٍ قد مُطِرْوصدغه كصولجانٍ منكسر
فأيُّ فضلٍ للصبوحِ يُعْرَفُعلى الغَبوقِ والظلاُم مُسْدَف وله:
لا تَدْعُني لصبوحٍإنَّ الغبوقَ حبيبى
فالليل لونُ شبابيوالصبحُ لونُ مشيبي ناقضه ابن حجَّاج فقال:
الصبحُ مثل البصير نوراًوالليلُ في صورةِ الضريرِ
فليت شعري بأيّ رأييُختارُ أعمى على بصير
ظافر الحداد:
وعشيّةٍ أَهْدَتْ لعينك منظراًقدمَ السرورُ به لقلبك رائدا
روضٌ كمخضرِّ العذارِ وجدولٌنَقَشَتْ عليه يدُ النسيم مباردا
والنخلُ كالهيفِ الحسان تزيَّنَتْفلبسن َ من أثمارهن قلائدا ابن المعتز:
لا تذكرن لي الصبوحَ وعاطنيكأسَ المدامةِ عند كلِّ مساءِ
في ليلةٍ شغل الرقادُ رقيبَهاعن عاشِقَيْنِ تواعدا للقاء
عقدا عناقاً طولَ ليلهما معاًقد أَلصقا الأحشاءَ بالأحشاء
حتى إذا طلعَ الصباحُ تفرفابتنفُّسٍ وتلهف وبكاء
ما راعنا تحتَ الدجى شيءٌ سوى ... شَبَهِ النجومِ بأَعْين الرقباء قال: وشعراء المغرب حازوا قصب السباق، في وصف الاغتباق، فمن ذلك قول عبد الكريم بن ابراهيم النهشلي مصنف " كتاب الممتع في علم الشعر وعمله " يصف غبوقاً اغتبقه مع المعز بن باديس:
يا ربَّ فتيان صدق رحتُ بينهمُوالشمسُ كالدنف المشغوف في الأُفُقِ
مَرْضَى أصائِلُهَا حَسْرَى شمائلهاتَرَوُّحَ الغصن الممطورِ في الورقِ
معاطياً شمسَ إبريقٍ إذا مُزِجَتْتقلدت عِرْقَ مرجانٍ من البرقِ
عن ماجلٍ طافحٍ بالماء معتلجٍكأن نُغْبَتَهُ صيغت من الحدق
تضمّهُ الريحُ أحياناً وتفرقهفالماء ما بين محبوسٍ ومنطلق
من أخضرٍ ناضرٍ في الماء يلحفهوأبيضٍ تحت قبطيِّ الضحى يَقَق
تهزُّهُ الريحُ أحياناً فيمنحهاللزجر خَفْقَ فؤادِ العاشق القلق
كأنَّ حافاتِهِ نُطِّقْنَ من زَبَدٍمناطقاً رُصِّعَتْ من لؤلؤ نَسَق
كأنّ مثبتَهُ من سندسِ نمطٍحسناءُ مجلّوةُ اللَّبات والعُنُق
إذا تبلّج نجمٌ فوق زرقتهحسبتَهُ فرساً دهماءَ في بلق
أو لازَوَرْداً جرى في مَتْنِهِ ذَهَبٌفلاح في شارقٍ من مائه شرق
عشيّة كَمُلَتْ حُسناً وساعدهاليلٌ يمدِّدُ أطناباً على الأفق
تُجْلَى بغرةِ وضاحِ الجبين له ... ما شئتَ من كرم دانٍ ومن خلق ولأبي عبد الله محمد بن إدريس الجزيري من جزيرة شقر، وهو المعروف بمرج كحل:
عّرِّجْ بمنعرج الكثيب الأعفربين الفرات وبين شاطي الكوثر
وعشيةٍ قد بِتُّ أرقُب وقتهاسمحتْ بها الأيامُ بعد تعذر
نلنا بها آمالنا في روضةٍتهدي لناشقها نسيمَ العنبر
والدهرُ من ندمٍ يسفّهُ رأيهفيما صفا من عيشِهِ المتكدر
والورقُ تشدو والاراكةُ تنثنيوالشمسُ ترفلُ في قميصٍ أصفر
والروضُ بين مفضّضٍ ومذهبٍوالزهرُ بين مُدَرْهَمٍ ومدنَّر
والنهرُ مصقولُ الأباطح والربىبمصندلٍ من زهره ومعصفر
وكأنما ذاك الحبابُ فرندهمهما صفا في صَفْحِهِ كالجوهر
وكأنه وكأن خُضْرَةَ بُسْطِهِسيفٌ يُسَلُّ على بساط اخضر
وكأنما وجناتُهُ محفوفةًبالآسِ والنعمان خدُّ معذر
روضٌ يهيم بحسنه من لم يهمْويجيدُ فيه الشعرَ من لم يشعر
ما اصفرَّ وجهُ الشمسِ عند غروبها ... إلا لفرقةِ حُسْنِ ذاك المنظر وللحسن بن على ببجاية يصف اغتباقه مع أمير بجاية:
ولما نزلنا ساحةَ القصر راقنابكلِّ جمالٍ مبهج الطرف مونقِ
بما شئتَ من ظلٍ يرفُّ وجدولٍوروضٍ متى تُلممْ به الريحُ يعبقِ
وشادٍ معاني الشعر في نَغَماتهِيطارحه شدوُ الحمام المطوق
إذا ما رقصنا بالروؤسِ لشدوهرمونا بكاساتِ الرحيق المعتق
فيا حُسْنَ ذاك القصرِ لا زال آهلاويا طيبَ ريّا نَشْرِهِ المتنشَّقِ
رَتَعْنَا به في روضةِ الأُنسِ بعدماهَصَرْنا بِغُصْنٍ للمسرةِ مونق
ويضحكنا طيبُ الوصالِ وربمايمرُّ على الاوهام ذكرُ التفرق
فتضحي مصوناتُ الدموعِ مذالةًيَنُحْنَ على طِرْفٍ من الدهر أبلق
فلّله ساعاتٌ مضينَ صوالحاًعليهنّ من زيّ الصبا أيُّ رونق
خلعنا عليها النسكَ إلا أقلَّهُوان عاودتْ نخلعْ عليها الذي بقي علي بن أحمد من شعراء بلنسية:
قمِ اسقني والرياضُ لابسةٌوشياً من النَّوْرِ حاكه الزَّهْرُ
والشمسُ مصفرةٌ غلائلهاوالروض تبدو ثيابُهُ الخضر
في مجلسٍ كالسماء لاح بهمِنْ وجه من قد هَوِيتُهُ بدر
والنهرُ مثلُ المجرِّ حفَّ بهمن الندامى كواكبٌ زهر أبو الفضل ابن الاعلم:
وعشيّةٍ كالسيف إلا حدَّهُبسطَ الربيعُ بها لنعليَ خَدَّهُ
عاطيتُ كأسَ الأُنسِ فيها واحداًما ضره أَنْ كان جمعاً وحده إبراهيم بن خفاجة:
وعشيِّ أُنسٍ أضجعتني نشوةٌفيه تمهِّدُ مضجعي وتدمِّثُ
خلعتْ عليّ يد الاراكة ظلَّهاوالغصنُ يُصغي والحمامُ يحدث
والشمسُ تجنحُ للغروب مريضةًوالرعدُ يَرْقي والغمامةُ تنفث
الرصافي:
وعشيٍ رائقٍ منظرُهُقد قَصَرْناهُ على صَرْفِ الشمولِ
وكأن الشمس في أثنائهألصقتْ بالأرضِ خدًّا للنزول
والصبا يرفع أذيال الربىومحيّا الجوّ كالسيف الصقيل
حبّذا منزلنا مغتبقاًحيث لا يطربنا غيرالهديل
طائرٌ شادٍ وغصنٌ منثنٍوالدجى يشربُ صهباء الأصيل أبو الحسن ابن عبد الكريم:
أقولُ لخلِّي والمدامةُ تجتلىكلمع بروقٍ في سجوفِ غمامِ
ألا فاسقني وقتَ الأصيلِ ولا تَرُعْفؤاديَ يا خلَّ الهوى بملام
فقد نعستْ عينُ الغزالةِ للكرىوقد رنَّقَتْ أجفانُها بمنام
ألم تر أُفقَ الغرب كيف يغرنيويشربُ شمساً مثل جام مدام الرصافي:
وكنت أراني في الكرى وكأننيأناوَلُ كالدينار من ذهب الدنيا
فلما انقضى ذاك الوصال وطيبه ... على ساعةٍ من أُنسنا صحَّتِ الرؤيا ابن أفلح يصف غبوقاً من المغرب إلى شروق الشمس:
ولربّ مغتبَقٍ خلعتُ منشطاًفيه العذارَ لفاترٍ لم ينشط
وسروجُ لهوي في ظهورِ خلاعتيمذْ شَدَّها داعي الصبا لم تُحْطَطِ
ناديتُ حيَّ على الغبوق وفي يدينارٌ متى صافحتُها لم تعلط
صفراءُ كالذهب السَّبيك ترى لهالفي بَزْلها سور الذّبالِ المسلط
يبدي المذلةَ طعمها فإذا سَرَتْفعلتْ كفعلِ الغادر المتسلط
تعطي الجبانَ شجاعةً عرضيةوالنكسَ تيهَ الماجدِ المتخمِّط
ما خامرتْ عقلَ امرئٍ إلا غدامتبسّطاً سكراً وان لم يبسط
يسعى بها صَلِفُ الشمائلِ أهْيَفُلدنٌ كغصنِ البانةِ المتخوط
سيّانِ فعلُ مدامِهِ ولحاظِهِورضابه للخابر المستنبط
ما بين جامٍ بالمدام مكلَّلفينا وكأسٍ بالحباب مقرَّط
وعلى الهضابِ من النهار ملاءةسَحْقُ الحواشي ان تُخَطْ تتمعط
والشمسُ خافضةُ الجناحِ مُسِفّةٌفي الغرب تنسابُ انسيابَ الأرقط
أو كالعروس بَدَتْ فأُسْدِلَ دونهاجنباتُ سترٍ كالجساد مخطط
وأتى الظلامُ على الضياء كما أتىأَجَلٌ على أَمَلٍ فلم يتثبط
واستلأمتْ منه السماءُ بنَثْرَةٍحَصْداءَ شَرْطُ قتيرها لم يمعط
والزُّهْرُ تقمصُ في المجرةِ عوَّماًعومَ المَهَا في جَدْولٍ متغطمط
والنجمُ يرقى في السماءِ محلّقاًكنزوّ طفلٍ في المهاد مقمط
واللهو قد سلب الجفونَ رقادهامنا اغتباطاً بالسرور المفرط
حتى تبدَّى الفجر في ذيل الدّجىيحكي نصولَ خضابِ شَعْرٍ أشمط
وتلاه مبيضُّ الصباحِ كأنهعَمَلٌ لمجتهدٍ زكا لم يحبط
والتاج قرنُ الشمسِ عند ذرورهكالتاج فوق جبينِ كسرى المقسط
هذاك آخر ما عهدتُ وطاح بيبرق رعشت به ارتعاشَ مبرقط
وتحكَّمَتْ فينا الشمولُ فلم تَدَعْ ... فينا صحيحَ تصوّرٍ لم يخلط أبو الحسن علي بن عطية البلنسي المعروف بابن الزقّاق:
وعشيةٍ لبست رداءَ شقيقتُزْهَى بلونٍ للخدودِ أنيقِ
أبْقَتْ بها الشمسُ المنيرةُ مثلماأبقى الحياءُ بوجنة المعشوق
لو أستطيعُ شربتها كلفاً بهاوعدلتُ فيها عن كؤوس رحيق أبو العلاء المعري:
ووالبدرُ قد مدَّ عماد نورهوالليلُ مثلُ الأدهمِ المُقفَّزِ المقفز: الذي بلغ تحجيله إلى ركبتيه
ومن أوقات الشرب وقتان غير الاصطباح والاغتباق، وهما الجاشريّة وهي شُرْبُ
نصف النهار، والفحمة وهي شرب نصف الليل. ولم يعتن الشعراء بوصف الشرب فيهما لكراهة استعمال الشراب فيهما لأنهما وقتا الهدوء والمنام، وإجمام النفس وراحة الجسم لاستمراء الشراب والطعام.
القاضي السعيد ابن سناء الملك في ذمِّ الشمس:
لا كانت الشمس فكم أَصدأتْصفحةَ خدٍّ كالحسام الصقيلْ
وكم وكم صدَّتْ بوادي الكرىطيفَ خيال جاءني من خليل
وأعدمتني من نجوم الدجىومنه روضاً بين ظلٍّ ظليل
تكذب في الوعد وبرهانُهُأنْ سَرابَ القفرِ منها سليل
وتحسبُ النهرَ حساماً فترتاع وتحكي فيه قلب الذليل
ان صَدِئ الطرفُ فما صَقْلُهُإلا التملّي بمحيا جميل
وهي إذا ابصرها مبصرٌحديدُ طرف راحَ عنها كليل
يا علة المهموم ياجلْدَةَ المحموم يا زَفْرَهَ صَبٍّ نحيل
يا قرحةَ المشرق وقتَ الضحىيا سلحةَ المغرب وقتَ الأصيل
انت عجوزٌ لم تبرجتِ ليوقد بدا منك لعابٌ يسيل
وأنتِ بالشيطانِ قرنانةٌفكيف تهدينا سواءَ السبيل الشيخ شرف الدين المصنف:
في خلقةِ الشمس وأَخلاقهاشتَّى عيوب جمة تُذْكَرُ
رَمْداءُ عَمْشَاءُ إذا أصبحتعمياءُ عند الليل لا تبصر
وهي رقيبٌ في الهوى كاشحٌتنمُّ بالإِلْفَيْنِ لا تستر
وخلقها خُلْقُ المَلول الذيينكثُ في العهدِ ولا يصبر
من صبحها النور لإمسائهامغاير الأشكال لا تفتر
والظلُّ منها زائلٌ دائماًشبهَ خليلِ السوء إذ يغدر
ويغتدي البدرُ لها كاسفاًوجرمه من جرمها أصغر
حَرورها في القيظِ لا يتقىودفؤها في القرِّ مستنزر
ليست بحسناءَ وما حُسْنُ مَنْتنبو لحاظٌ عنه إذ تنظر
لا تملأ العينين من وجههافالشمسُ مرأىً ساقط يحقر
البدرُ يهدي وهي من شؤمهاتُضِلُّ فالخلقُ بها كفروا
وعمرها يومٌ وفي ليلهتُقْبَرُ في مالحة تنشر
تبيتُ في الحمأةِ من خِسّةٍوتغتدي منها لنا تظهر
فراغ
النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع